مقالات الرأي

الحِداد يليق بحلب

نشأت أصول مدينة حلب التاريخية في أول الثورة الحضرية في شرقي المتوسط على التلة الواقعة اليوم تحت القلعة، واستغرق بناؤها خمسة آلاف سنة، لكن أوباش النظام وحلفائه من طيارات روسية وميليشيات متعددة سورية وأجنبية من طراز النجباء وحزب الله، ومن المعارضة المسلحة، ومن النصرة وأشباهها، ومن متورطين محليين أهليين ومقاتلين أجانب، على حد سواء، حوّلوها إلى ساحة حرب وخرائب، وهدموها في غضون أقل من خمس سنوات فقط، هي من “أعجب” و”أدمى” سنيّ التاريخ التي تدمّر فيها مدينة بمثل هذا العمر المديد الذي تضرب جذوره على الأقل في ألفي سنة قبل الميلاد حين قامت فيها أول حكومة منظمة هي “مملكة يمحاض”، على خلفيّة استقرار بشري مديد تضرب جذوره حتى في الألف الثامن قبل الميلاد.

شطر الأوباش حلب التاريخية إلى حلب شرقية وغربية تتبادلان الحصار باللقمة والماء، وبالقصف والقنابل والصواريخ الارتجاجية والبراميل ومدافع جهنم والموتى والأنقاض، وتعيث فيها الميليشيات المختلفة الأنواع والأجناس والمذاهب والأجناس، وكأن كل “حشكل” العالم الإجرامي حُشر في حلب، بما لا يمكن لأي خيال كارثي إجرامي أن يتصوره. وقد تخيل الروائيون السوريون الحلبيون مصيرًا كارثيًا لمدينة حلب تحت هول ما تجدّد فيها من حرب “أوباشٍ” محلية في التسعينيات هددت الفضاءات المدينية الاجتماعية والعمومية للمدينة بمصيبة، غير أنهم لم يستطيعوا أن يتخيلوه بأكثر من حدود “الكوميديا الفلاحية” الرائدة للروائي السوري نهاد سيريس، وهو اسم بلزاكي سوري لمأساة كارثية تخييلية تهدِّد المدينة، لكن الكارثة الحقيقية حلت بالمدينة أخيرًا لتفوق الكارثة التخييلية في الرواية، حين قُطعت التظاهرات المدنية المطالبة بالحرية والكرامة، والتي كان يتصدّرها الشبان الديموقراطيون في الأحياء والمساجد وساحات الأحياء القديمة، بعملية غزوٍ ريفيٍّ هائجة للمدينة التاريخية، وهو ما أرجف المدينة كلها بالرعب، فوق حسها بالغبن نتيجة الشعور بأنها ما زالت في مرحلة” العقاب” بنتائج مرحلة الثمانينيات في الصراع مع المجموعات المتطرفة يومئذ من جماعة الإخوان المسلمين، فباتت المدينة مضغوطة برعبين، بقدر ما دفع ذلك “ذئابًا” جديدة لاختطاف ثورة الشباب مثل ذئاب داعش والنصرة وأخواتها. وكانت حلب، بشرقيها وغربيها، ببشرها وحجرها، الرهينة الحقيقية لميليشيات “الذئاب الشابة” من الطرفين. لقد اختطفت الثورة وحلّ “زمن القتلة”، وهبّت “رياح السموم”.

هدَمَ الأوباش ما بنته أجيالُ خمسةِ آلاف سنة في غضون أقل من خمس سنوات. سألت بعد انهيار منطقة الحيدرية والصاخور وما شاكلها قريبًا وصديقًا حميمًا ارتبط بعلاقة عمل معي سنوات قبل أن أذهب إلى المنفى، وكان قد أصاب برميل البناية الرديئة التي يقطن فيها فخربها عن بكرة أبيها، ليستقيل من وظيفته الحكومية ويعمل في الإدارة المدنية” أن يزور المغاير والجلوم وحي الباشا وجب القبة وجب قرمان في القلب التاريخي للمدينة القديمة، فرجع جوابه بشكل حزين ومرير بأن كل شيء في خراب، وأنه لم يبقَ أحدٌ في هذه الحارات. وتدفقت الصور التي قام بتصويرها أصدقاء موثوقون مباشرون، هل يمكن تخيل مأساة اقتلاع بمثل هذه الدرجة؟

في استطرادات مسترسلة مع الصديق عزمي بشارة سألني عن المطعم والفندق الذي نزل فيه قرب ساحة الحطب وحي الصليبة. كانت المنطقة التي سألني عنها تمثل شيئًا من روحي وأيام شبابي الأول. إنها تمثل تاريخيًا حلب التاريخية المتوسعة، لكن على غرار عمران حلب القديمة، وجغرافيًا متصلة بحلب العثمانية المتأخرة فالأحدث، وكل ذلك عبارة عن كيلومترات معدودة. وكانت حلب تتوسع من أيام الإخشيديين فالحمدانيين حتى ما بعد أواخر العهد العثماني بقليل عمرانيًا وفق نمط أحيائها وأسواقها في القلب المباشر للمدينة التاريخية القديمة مصب طرق التجارة الكبرى في زمنها، ولا سيّما مصب طريق الحرير البري الذي سيبدأ منذ أواخر القرن الثالث عشر من تبريز في أذربيجان ويتفرع عند نقطة دياربكر نحو بورصة فالمتوسط أو إلى حلب فأنطاكية منتهى طريق الحرير البري. وكانت حلب قد شهدت مجدها العمراني في عهد المماليك بعد مجدها الأسبق في زمن الملك الظاهر ابن صلاح الدين الأيوبي ملك حلب، والذي حمل في تاريخ عمران المدينة اسم “الملك المعمار”.

أجبت بحسرة مُعبّرة: العوض بسلامتك، بيت زمريا الذي نمت فيه حين استضافتك حلب في أواخر العام 2010 دُمّر عن بكرة أبيه في أول الحرب، ولم يبق من دكان (أبو عبدو) الفوال شيء. صفّ بنايات في شارع فرعي يفضي إلى ساحة الحطب فُخِّخت ودُمِّرت، ثم دُمِّر الدمار أيضًا، وكل ما كان عامرًا قد غدا خرابًا، وكأنه أشبه بـ “أرض يباب” أو “خراب” كما هي قصيدة إليوت الشهيرة. لكنها أرض يباب بشريًا وليس تخييليًا.

تحولت الشبكات السردية والروحية، وغيرها مما سألني عنه بشارة بلغة مرة، إلى زمن مضى وانقضى، لم يبقَ من جامع شرف المطل على ساحة الحطب ومن المأذنة التي بناها آل زمريا لإعجابهم بصوت المؤذن في الفجر سوى أجزاء طَلليّة، وساحة الحطب نفسها تحولت مع ما حولها إلى أرض خراب، وإلى حفرة عمقها حوالي ثمانية أمتار، من المستحيل التعرف إلى ساحة الحطب وما كان حولها الآن. بعد زقاق صغير يفضي إلى “عوجة الكيالي” لم يبق شيء من الكنيسة الإنجيلية، وهي كنيسة حديثة لكنها مبنية على طراز معماري تاريخي عريق، كما لم يبقَ شيء من كنيسة اليسوعيين في الشرعسوس. جوامع قسطل الحرامي والتوبة والمدرسة الطرنطائية التي درس فيها المؤرخ ابن العديم والكلتاوية والمأذنة الفريدة بخصوصيتها المعمارية لجامع المهمندار، وأماكن ومواقع كثيرة أخرى.. لم يبقَ منها شيء.

كنت أحب أن يزروني أصدقاء ومعارف من خارج حلب كي أمارس روحي، أي ذاتي المهووسة بتاريخ الأمكنة وزوايا التاريخ، في اصطحابهم في جولة في المدينة القديمة. كانت الرحلة تبدأ أحيانًا انطلاقًا من باب أنطاكية حتى نهاية السوق الطويل حيث باب سوق الزرب فالقلعة مباشرة. باب أنطاكية هو الباب الذي دخل المسلمون منه إلى مدينة حلب، وبنوا بعده بعدة أمتار ما كان يُسمى جامع الشعيبية، وعلى يمين ويسار السوق تتنضد الأحياء على الطريقة البيزنطية التاريخية، على اليمين تفضي بك الأزقة الفرعية إلى العمق، فعمق المدينة، وإلى حي الجلوم، الحي الذي عاش فيه عبد الرحمن الكواكبي، وعلى اليسار بعد درج طويل يقع جامع الخاقان، وفي حجارته حجرة سوداء ما زلت أذكرها ذات تاريخ لغوي أثري مديد ونادر، ولا أعلم ما حلّ بها. ومن جامع الخاقان أو القيقان كما يلفظ اسمه الحلبيون إلى العقبة فالمعهد الفرنسي حيث كنت أعمل حتى العام 2010، وكان له ما يماثله من البيوت، نحو ثلاثة عشر بيتًا في المنطقة.

في كل شبرٍ من بلاطات السوق الطويل وتفرعاته تاريخٌ كثيفٌ، شبرًا فشبرًا حتى آخر سوق الزرب، وكما في حكايات ألف ليلة وليلة حيث تخرج من كل حكاية حكايات أخرى، تخرج من كل شبر في بلاطات السوق الطويل تواريخ وأزقة وأمكنة تنبض بالتاريخ، وصولًا إلى ضريح معروف بن جمر قبل نهاية السوق الطويل قرب باب سوق الزرب. وكان المؤرخ الإسماعيلي الراحل المعروف عارف تامر ينحني بكل جلاله أمام ضريح بن جمر، ويكلِّمه متلعثمًا بحنين طويل كأنه يسمعه، وكان ضريحه مقصد شعرية للتدين الشعبي لمختلف الفئات الإسلامية، وكان من أعظم قادة الفداوية في تاريخ المدينة ضد الصليبيين، وأما “كلّته بالجيم المصرية أو كرته الحديدية الضخمة المعلقة في أول باب انطاكية”، فقد قيل لي إنها اختفت. ولا أظن أن زاوية الرومي الصوفية قد نجت من المصير، وكانت الطريقة المولوية تقدم فيه أذكارها حتى السبعينيات على رقصات الدراويش بأزيائهم البيضاء الجميلة والخفاقة والدوارة على الأقل حين أرتادها، وكنت حلب ما تزال إحدى أهم مراكز الطريقة المولوية بعد قونية بتركيا الحالية. ولم تفلح زيارات ناصر الدين الألباني لحلب المتواترة في السبعينيات في اقتلاعها باعتبارها من رموز “البدعة” و”الشرك”. وأظن أن الألباني قد حرص على تركيز زياراته لحلب كي يقضي على السلفية الإسلامية المعتدلة الشامية لمن هو إسلامي منها، وكنت أحضر بعض دروسه في دار الدعوة، فظل يطارد الشيخ عبد الفتاح أبو غدة شيخ حلب، ويحرِّض عليه هيئة كبار العلماء بشكل سافر في السعودية، وهو ما يقوله في كتبه وينشره فيها حول ذلك. لكن من انتصر ليس أبو غدة وليس زهير شاويش، ومدرسة الأستاذ عصام العطار الكبير المدنية الإسلامية بل الألباني الذي ينتشر اليوم تلاميذه شعبويًا وعلميًا في كل “صقع” تقريبًا من جيش الإسلام إلى أحرار الشام، ويغذي وعيهم والوقود الأيديولوجي لأسلحتهم، بينما نأت جبهة النصرة (أو الفتح لاحقًا) عنه نسبيًا لمصلحة الرسائل النجدية الأكثر تشددًا وإنتاجًا لوعي الجريمة.

كأنني أتدفق الآن على غرار راوي مارسيل بروست في البحث عن الزمن المفقود ما إن ارتشفت أول كأس على غرار روايته، وهي الرشفة التي حاول إنتاجها “تناصيًا” ببراعة فواز حداد في “صورة الروائي”، وشكلت مفتاح أهمية عالمه الروائي، وكأن الإحساس العابر بؤرة لتفجرات وانبجاسات نفسية – تاريخية مديدة. وفي ذلك يختلط الحلم بالواقع، والرؤيا بالتاريخ، والنفس بالمكان، والإحباط بالرجاء، فنحن في الزمن المدمر والمشروخ للحياة في حلب. وكل ذلك أتحدث عنه بشكل متخيل منغرس في واقعه وحياته، وأنا لا أبتعد إلا بضعة أمتار عن مدخل باب أنطاكية لنصل في منتصف تفرع السوق الطويل إلى شارع يفضي إلى الجامع الكبير الذي أصيب بأضرار جسيمة، وكنت أتوقع خرابه منذ أن انتقلت الحرب إلى أسواق المدينة، لكن لم أتخيل أن يكون الدمار بهذا الحجم الذي ربما نجت منه نسبيًا مدرسة الحلوية، وهي كاتدرائية حلب الكبرى أو كنيسة القديسة هيلانة حيث كانت ساحة الآغور البيزنطية التاريخية. ولا أعلم ماذا حصل بالمدرسة. ويمكنك أن تستدير وترجع إلى منتصف طريق السوق الطويل لتنتهي بسوق الزرب، الذي تقول الحكاية إن الشاعر الصوفي المتأله العظيم، وأحد أكبر مؤسسي الطريقة الحروفية، عماد الدين نسيمي، قد سُلخ على أبوابه حيًا. وكان الجلاد، كما تقول ذاكرة المدينة حين بدأ بسلخه، يسأله: لماذا اصفرَّ لونك؟ فأجابه:الشمس تصفر حين المغيب. أُصيب سوق الزرب وما حوله على بعد أمتار كقلعة حلب التاريخية بأضرار جسيمة، وعرفت أن دمارًا كبيرًا قد أحاق بمنطقة عمارة النسيمي وزقاق الزهراوي، وكانت الضرائح المنتشرة تمثل شعرية التدين الشعبي المرتبطة بتاريخ مديد، وتكاد تفجع الآن من ذكر عدد الأضرحة التي تم تدميرها من دون رحمة.

في كل شبر تاريخ، وخطوات شهيد أو متصوف أو عارف، وأحاديث بشر من مختلف الملل والنحل والأجناس. وكما كان يقول محمد فاخوري، مُحقِّق أندر المخطوطات التاريخية عن مدينة حلب: ليس هناك من مذهب أو دين، إلا له مسجد أو بيعة أو رمز، مشهور تقديسه أتباعه في المدينة. يقصد المدينة التاريخية، فلا يستحق أن يطلق اسم مدينة حلب على غيرها. ما يقوله فاخوري منقوش في كل شبر. أضرحة الأولياء أو من يمكن اعتبارهم قديسي المدينة الشعبيين رموز صلبة لهم. لقد دمر ذلك كله مع حجره وشعريته بل وبشره. حلب كانت تاريخًا للعالم، مصبًا لاختلاط كثير من أجناسه ودياناته التي تعربت كلها.

مثلما هو الراوي في رواية “صورة الروائي” لفواز حداد الذي يزور أستاذه للتاريخ في حي البحصة المدمر والذي لم يبق منه سوى الاسم، تنبجس مع رشفة الشاي على غرار راوي مارسيل بروست في “البحث عن الزمن المفقود” التواريخ والذكريات والبشر، ومحاولة استعادته بواسطة زمن الحدس هو من يسترجع اليوم حلب القديمة. نحن في حلب التاريخية اليوم إزاء لحظة الزمان المفقود المدمر المشروخ، ولسنا في لحظة الزمن المستعاد. نحن في “زمن القتلة” واقتلاع عشرات الألوف من البشر من أمكنتهم وتواريخهم وحيواتهم. بشيء من استيحاء لغة أوسكار وايلد، كأن الحياة الفاجعة والخراب الفظيع لحلب التاريخية، ولا حلب غيرها، هي التي تقلد ما هو أكثر مأساوية في رؤية الفن التخيليية الرؤيوية. المبدع السوري كان يرى بعمق بصيرته المتجذرة في عمق الواقع وكيميائه المريرة شيئًا مهولًا مقبلًا. ألم يكتب صديقي وأستاذي الأول وصاحب الفضل الكبير الإبداعي على جيلنا، الشاعر السوري الكبير الراحل محمد عمران، عن هول ما حدث في الثمانينيات السورية وخراب حماة يومئذ، قصيدته الرؤيوية الطويلة في منتصف الثمانينيات: “أنا الذي رأيت”، “زمان أسود آت وهذي علامة”، “خير المدن التي زرناها”، “المياه عكرة لا تشربوها”، “أنا الذي رأيت حتى عميت عيناي”..؟ كأن الرؤيا تفترس عينيه على غرار رؤيا القديس يوحنا. يومها هاجمته الرؤية اليساروية الماركسية لأنه يفتقد إلى التفاؤل التاريخي، من دون أن تدرك أن ما حدث في حماة سيقود إلى خراب أعم، واليوم نرى في حلب التاريخية ما استبصرته رؤياه الكارثية الفاجعة.

كيف حدث ذلك، خلال أقل من خمس سنوات، لحلب ذات الخمسة آلاف عام عمرًا على الأقل، بشجرها وحجرها وبشرها؟ الصمت عمّا أحاق بحلب، وعن الوالغين بدمها من الأطراف كافةً، جريمة كبرى. من يرى أن كارثة حلب صدفة هو بلا عقل، ومن لا يبكي على حلب هو بلا قلب ولا ضمير. دم حلب لعنة عليهم جميعًا، وسيطارد الوالغين فيه إلى النهاية. إنها لعنة حلب. خمسة آلاف سنة على الأقل هدمت في أقل من خمس سنوات. بعد ذلك أي فخر يا أولاد….؟ الحِداد يليق بحلب.

مقالات ذات صلة

إغلاق