أدب وفنون

ماذا لو أنّي في دمشق؟!

أكثرَ من مرَّةٍ في تغريبتي، تساءلتُ بيني وبينَ نفسي: ماذا لو أنكَ ما زلتَ في دمشق؟!.

ولم أكن أجدُ جوابًا عند نفسي؛ لأنَّهُ افتراضٌ مَجَازِيٌّ؛ يحتمل الوقوعَ في حرارة المشاعر؛ كما في برودة العقل!

فحين أقلعَت بِيَ الطائرة مُغادِرًا دمشق، اختلطَت في نفسي المشاعرُ بالتساؤلات؛ استيقظَ في داخلي أحدٌ يُشبِهُني؛ فأخذَ يسألني:

– هل خِفتَ على نفسِك فآثرتَ النجاةَ بها، بينما تتدمَّرُ البلد؟

– هل خنتَ ما تبَقَّى من أصدقائك وصديقاتِكَ فيها؛ فتركتَهُم في الأتُونِ لتنجو مِن دُونِهِم، وَحدَك.

– إذا كنتَ أنتَ وغيرُكَ ستتركُ البلد؛ فمَن سيبقى فيها؛ ليقولَ ولو مُجرَّدَ كلمةٍ في وجهِ الاستبداد؟!

– أنت تُدرِكُ بأنّ النظامَ سعيدٌ بخروج أمثالِك من كُلِّ الشام؛ بل إنَّه مُستعدٌ لاستبدالِ شعبٍ ثارَ عليه؛ بشعبٍ من المرّيخ مُوَالٍ له؟!

ذكَّرتني نفسي بقافلةٍ من الأسماء بقيت في بلادها برغم طُغاتها أو غُزاتها؛ بعضُهَا اعتُقِل؛ بعضُها اغتيلَ أو تمَّ إعدامُه؛ فمَن أنتَ قامَةً قياسًا لقاماتهم؟!.

لم يكُن لديّ يقينٌ أُجِيبُ به نفسي، فبكيتُ قبل أن تهبطَ بي الطائرة في تغريبتي؛ بل إنّي بقيتُ –طوالها- أشعرُ بالذنب لأنّي غادرت؛ وأشعر بالقهر، لأنني -ربما- لن أعودَ يومًا إلى بلدي؛ حتى لو حَشوَ الكفَن؛ ثم أخذَ هذا السؤال ينتابني: – ماذا لو بقيتَ في دمشق؟

لهذا بدأتُ اسألُ ما تبقَّى من أصدقائي وصديقاتي في دمشق؛ بشكلٍ غيرِ مُباشِرٍ غالبًا؛ وبشكلٍ مُباشرٍ أحيانًا؛ كما حينَ خَشِيتُ على صديقي علي سفر من الاعتقال قبل خروجه من دمشق تهريبًا حتى الحدود الأردنية؛ وعلى صديقي فؤاد محمد فؤاد حتى صارَ في بيروت؛ وكما قد سألتُ صديقي خضر الأغا خوفًا عليه: – لماذا لم تُغادِر حتى الآن؟؛ أو صديقي خالد خليفة قبل عامين: – لماذا أنتَ في الشام، حتى الآن؟!

رَدَّ خالد وقتها: – أختنِق إذا خرجتُ منها؛ وسأعود إليها كلّما سافرت.

ثم التقيتُهُ في إستنبول بعد عامٍ ونصف، فلم أسألهُ: لماذا خرجتَ، وهل ستعود؟!.

طوالَ تغريبتي، كنتُ أخشى أن تُغَيِّرَنِي تغريبتي؛ وبحثتُ عمَّا تغيَّرَ؛ فلم أجِد حتى الآن سوى أن شُبَّاك غرفتي في “باب توما” قد صار شُبّاكًا يُطِلُّ على إستنبول؛ بدلًا من حارات الشام العتيقة؛ فماذا لو أنِّي بقيتُ فيها؛ هل سأتغيَّر أيضًا؟!.

حتى لا أُجيبَ بشكلٍ ذِهنِيٍّ مُجرَّد؛ ولا بردِّ فعلٍ عاطفيّ؛ أخذتُ أتلصَّصُ على أخبارِ وصفحاتِ ما تبقّى لي من أصدقاءَ في بَرِّ الشام؛ لم يُفاجئني أنّ وليد معماري استمرَّ على ما هو فيه؛ وعلى ما هو عليه؛ وأنَّ قِنَاعَ حسن م يوسف قد سقطَ من صورته في “حيِّ عكرمة” المُوالي للنظام بحمص؛ كما سقطت صَيرُورَتُهُ من سَيرُورَتِه ، حين عَلّقَ: هنا حمص؛ بينما كان القصفُ الأسديُّ يَطَالُ أغلبَهَا ليدمّرَهُ تمامًا؛ فكتبتُ له رسالةً؛ ونشرتُهَا في الوقتِ ذاتِه؛ كانت رسالةً طويلةً مُوجعةً لي وله؛ لكنّ اختصارَها كان في كلمةٍ واحدة: يا.. حيف!؛ وكذا حينَ تحوَّلَ اسمُ نزيه أبو عفَشَ عندي إلى: نزيه أبو تعفيش؛ بل إنّي بَرَّرتُ لشوقي بغدادي رَمزِيَّاته العموميّة، لمعرفتي الراسخة بجوهرِهِ إنسانًا ومُبدِعًا حتى شيخوخته.

ثمَّة آخرونَ لا أستطيعُ ذِكرَ أسمائِهِم؛ لأنهم ما زالوا في دمشقَ وفي سِوَاها؛ وكنتُ أخشى عليهم من اتصالي المُباشَر بهم؛ فأتسقَطُ أخبارَهم من مَعَارِفهم؛ بل كنتُ أخشى أن يَصِلَنِي شيءٌ سَلبِيُّ عنهم: اعتقالاَ؛ أو موتًا تحت القصف؛ أو تكفيرًا على يد شبّيحة أمراء الحرب فيما بعد.

أعرفُ كثيرينَ قد صمتوا طَوعًا؛ أو مرغمين؛ طالما أنّهُم في المناطق الخاضعة للنظام؛ وفيما بَعدُ، صَمَتَ أصدقاءٌ آخرونَ في المناطق الخاضعة لأمراء الحرب من داعش إلى النُصرة إلى أبناء عمومتها.

هل كنتُ سأصمِتُ مثلًهُم خوفًا من التخوينِ؛ وِمن وَهنِ نفسيّة الأمَّة، لو بقيتُ في دمشق؟!.

هل كنتُ سأعود إلى مسقط رأسي؛ حين أعلنوا بأنّها قد تحرَّرت من النظام فتحًا مُبينًا؛ لأصمِتَ –أيضًا- ولكن خوفًا من التكفير؟!

هل البقاء في البلد امتيازٌ؛ أم هو الثباتُ الأخلاقي حتى لا أقول الثوريّ!؛ سواء كُنَّا في الداخل؛ أم في تغريبة الشتات؟!

ماذا كنتُ سأكتبُ؛ وأين سأنشرُ ما أكتبُهُ، لو بقيتُ في دمشق؟!

أيّةُ قصةٍ عن المَقتلة العارية للسوريين سأكتبُ لأنشرَهَا باسمٍ مُستعار؟!

وإذا كنتُ فنانًا تشكيليًا مثلَ يوسف عبدلكي، هل سأرسم نساءً عارياتٍ فاتنات، لأُمَجِّدَ الجَمَالَ نكايةً بقباحَة القتل؟!.

هل أرسمُ الأنوثةَ شفيفةً كأيقونةٍ وَسَطَ الدَمِ المَسفوك؟!

هل أرسمهنَّ مِن ظِلٍّ ونُور، بينما نساءٌ يُعتقلنَ ويتعرَّضنَ للاغتصاب؛ ويمُتنَ جوعًا تحت الحصار؛ أو تحتَ أسقُفِ منازِلِهنَّ بعد القصف؛ أو يكشِطنَ الثلجَ عن خيامِ أولادهنَّ ممزوجًا بوحولِ تغريبتهنّ؟!.

هل سأقبلُ أن تكتبَ جريدةُ البعث عن مَعرضِي؛ وكنتُ قد جعلتُ عَالِيهَا أسفلَهَا؛ ثم بَعَ.ث.تُهَا بأوسط أصابعِ يدي؟!

هل كنتُ سأتذكّرُ ما قلتُهُ سابقًا:

– “الوضع السوري مأساويٌّ بامتياز؛ ونحتاج لسنواتٍ طويلةٍ حتى نتمكَّنَ من تقديم لوحة حقيقية تُعبّر عن المأساة السورية؛ وأظنّ بأن كلَّ من يعمل اليومَ، وأنا منهم؛ يُنفّذون هذا العمل بضغطٍ سياسيّ، عاطفيّ؛ وِجدَانِيّ؛ وهم في قلب العاصفة”.

فماذا عن الذين أودَت بهم العاصفة؛ هل سينهضون من موتِهم مُجدّدًا، ليشاهدوا نِسَائِي العاريات؟!

أو أتذكّرُ ما قلتُهُ عن العُنف العاري للاستبداد:

“لو انتهت -بقُدرةٍ سحريّةٍ مثلًا- كلُّ الأعمال العسكرية اليوم، فإن بلدنا تغيّر ونمطُ إدارةِ الدولة بالعُنف العاري هُزِمَ إلى غَيرِ رجعة”.

أحاولُ أن ألومَ يوسف عبدلكي وفي يُمنَايَ قرائِنُ إدانتِه؛ وفي اليُسرَى مُرافَعَتِي دفاعًا عمّا أعرِفُهُ عنه؛ ولستُ على يقينٍ سوى مِن الثابتِ فيه؛ وليسَ من المُتحوِّل فيه، على طريقة أدونيس!

التحوّلات سلبًا أو إيجابًا، هي سيرورةُ الناسِ في حياتهم؛ أمّا سُكُونُهُم فهو الموت؛ فلطالما ماتَ مُبدِعونَ، وبقيَ إبداعُهُم على قَيدِ حياتِنَا؛ ولطالما ماتَ مُبدعون وَهُمُ على قَيدِ حياتِهم، حين ماتت أرواحُهُم العاريةُ قبلَ أجسادِهِم الكَاسِيَةِ بكثيرٍ؛ أو قليل!

مقالات ذات صلة

إغلاق