ترجمات

نيويورك تايمز: “تركيا وإيران، مسار تصادم خطِر”

تحرس شرطة مكافحة الشغب التركية، السفارة الإيرانية في أنقرة يوم الخميس في 15 كانون الأول/ ديسمبر خلال مظاهرة احتجاج ضد الدور الإيراني في سورية. آدم ألتان/ وكالة الصحافة الفرنسية -صور غيتي

 

المنافسة اليوم بين تركيا وإيران هي الإعادة الأحدث للعبة السلطة القديمة: صراعٌ بدأه أسلافهم، أيام الإمبراطوريات البيزنطية والفارسية، للسيطرة على بلاد ما بين النهرين -العراق وسورية اليوم- في حين أن التنافس عمَّرَ طويلًا، ورافق تحوّلهم من الإمبراطوريات إلى الدول القومية، فقد تمكنوا من المحافظة على السلام بين أنفسهم ما يقرب من مئتي عام.

تركيا وإيران هما الآن على مسارٍ تصادمي، وغالبًا بسبب مشاركتهما كقوى سنية وشيعية رئيسة في المنطقة في الصراعات الطائفية المتفاقمة في العراق وسورية، وعدم قدرتهما على استيعاب بعضهم، هو سببٌ كافٍ لتقويض أو حتى التراجع عن العلاقات القوية التي تطورت على مدى العقدين الماضيين، حيث أصبحت اقتصاداتها متداخلة على نحوٍ متزايد.

كيف اختار البلدان نشر قواتهما؟ وكيف يمكنهما التغلب على خلافاتهما؟ هو أمرٌ ذو أهميةٍ حيوية لتحديد مستقبل الشرق الأوسط، وإن بقي الأمر على حاله، فإن الديناميات الحالية تشير إلى مزيدٍ من سفك الدماء، وعدم الاستقرار المتزايد ومخاطر مباشرة أكبر -حتى لو كانت غير مقصودة- بالمواجهة العسكرية.

التدخل العسكري التركي في سورية والعراق -في جزء منه- ردٌ على الاعتقاد أن إيران تتجاوز على نحوٍ متزايد مجال نفوذها التاريخي، وخاصة في، وحول ساحات القتال في حلب والموصل قريبًا من حدودها الجنوبية، بل هو أيضًا محاولةٌ لمنع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، التابع لعدو تركيا اللدود، حزب العمال الكردستاني، للحصول على مزيدٍ من الأراضي. يتقدم “الثوار” السوريون المدعومون من الجيش التركي حاليًا في اتجاه الجنوب، بعد أن طردوا الدولة الإسلامية من بلدات جرابلس والراعي ودابق بالقرب من الحدود التركية بين آب/ أغسطس وتشرين الأول/ أكتوبر، وهم الآن على أبواب مدينة الباب، حيث تمهد المرحلة للمواجهة. المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية التي تحكمها الدولة الاسلامية ولكن يطمع فيها الآخرون؛ فقوات الـ PYD المدعومة من الولايات المتحدة تقترب من الشرق، والجيش السوري والقوات المتحالفة مع إيران من الجنوب، وبالفعل، فقد زعم بعض المسؤولين أنَّ طائرة استطلاعٍ إيرانية الصنع متورطة في مقتل الجنود الأربعة الأتراك، في هجومٍ جوي قرب الباب في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

يتزايد الاحتكاك بين البلدين ووكلائهم بشكلٍ مقلق في وقتٍ وصلت فيه الثقة المتبادلة إلى الحضيض.

تُفسر طهران السياسة التركية تجاه سورية في المقام الأول، بأنها نتاج طموح العثمانيين الجدد، لاستعادة النفوذ وتمكين السنة المؤيدين لتركيا في المناطق التي حكمها أسلافهم، حيث قال مسؤول الأمن القومي الإيراني لي، بعد أن بدأت الحرب الأهلية “ما الذي تغير في سورية؟ لا طبيعة الحكومة ولا علاقات إيران بها، ولكن الطموحات التركية،” وإضافة إلى ذلك، تلقي إيران باللوم على تركيا لعدم وقف تدفق الجهاديين المتجهين إلى سورية عبر الأراضي التركية، ولمنحهم الدعم اللوجستي والمالي.

في السياق نفسه، يؤكد مسؤولون في أنقرة أنَّ إيران تسعى لإحياء النسخة الشيعية من الإمبراطورية الفارسية القديمة، ففي آذار/ مارس 2015، اتّهم الرئيس رجب طيب إردوغان إيران بمحاربة الدولة الإسلامية في العراق، لتحل مكانها، وتقول تركيا -أيضًا- إن حشد إيران للميليشيات الشيعية من لبنان والعراق وأفغانستان لحماية سيطرة الطائفة الأقلية (العلويين) على الأغلبية السنية في سورية، زاد من سوء التوترات الطائفية، وأعطى المتطرفين السنّة أداة تجنيدٍ قوية.

في تبادل الاتهامات، كلٌ يستهجن رفض الآخر أن يعترف بوجهة نظره إلى الواقع، في حين يتجاهل حقيقة أنَّ كلًا منهما يتصرف لأجل أن يُخطئ الآخر، بما في ذلك نشر قوات عسكرية لحروبٍ خارج حدودهما، ودعم الميليشيات، التي تهدف إلى السيطرة على كل ما يظهر من تحت أنقاض اضطرابات اليوم في سورية والعراق.

وقد حاول كلا البلدين الاعتماد على المصالح المشتركة؛ كهزيمة الدولة الإسلامية، أو تهميشها على الأقل، وكبح جماح الأكراد السوريين الذين يطالبون بالحكم الذاتي، ولكن الشكوك العميقة حول الطموحات الأخرى للاستفادة من الفوضى، منعتهما من التوصل إلى تسويةٍ يمكن أن تقللَّ التوترات.

لتغيير الاتجاه وتجنّب ما هو أسوأ، فإنّ تركيا وإيران في حاجة إلى التغلب على انعدام الثقة، والمضي أبعد من إدارة الخلافات -مع مخاطر وقوع حوادث سوء التقدير والخلل في الاتصالات المترتبة على ذلك، والاعتراف صراحةً بالمصالح الجوهرية لكليهما، والمخاوف الأمنية.

ولتحقيق هذه الغاية، تحتاجان إلى إنشاء قناةٍ للمفاوضات المتواصلة على مستوى عالٍ بشأن العراق وسورية، حيث وتيرة هذه الاجتماعات حتى الآن إشكالية: لقاءاتٌ دورية على مستوى مسؤولين كبار تدوم يومًا أو يومين، تليها فترات طويلة نسبيًا من الفراغ الدبلوماسي في كثيرٍ من الأحيان، وغالبًا، ما تكون مليئة بتصعيد الحروب بالوكالة والمزايدة على الآخر. يجب على السيد إردوغان، وعلى المرشد الأعلى علي خامنئي في إيران، أن يعينا ممثلين شخصيين مفوضين بسلطة لإدارة القنوات الدبلوماسية.

أبعد من ذلك، ينبغي على الحكومات أيضًا إيجاد سبل لزيادة التعاون والثقة، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية لمحاربة الخصوم المشتركين بشكلٍ أفضل، وتجنب الاشتباكات العرضية، وتنسيق الخطوات التي يمكن أن تنزع فتيل التوترات حيث تتصادم مناطق نفوذهما. كخطوةٍ أولى، في شمالي العراق، تقوم إيران بكبح جماح الميليشيات الشيعية المنتشرة في محافظة نينوى، في مقابل أن توافق تركيا على سحب دباباتها وغيرها من الأسلحة الثقيلة من المنطقة. يجب على الولايات المتحدة وروسيا، اللتين لهما علاقاتٌ عسكرية قوية مع كلٍ من تركيا وإيران، دعم مثل هذه الخطوات، على الرغم من خلافاتهم.

ومن بين الدول المشاركة في حروب الوكالة المتفاقمة في العراق وسورية، لا يوجد أكثر من الاثنتين، تركيا وإيران ملاءمة لطلب تنازلات متبادلة، كدولتين ناضجتين وبتاريخٍ طويل من العلاقات السلمية، لا ينبغي أن تسمحا لنفسيها أن تنجرّا نحو مستقبلٍ مجهول، ومن خلال إيجاد أرضيةٍ مشتركة، يمكن أن تساهما في منطقة أكثر استقرارًا وأمنًا، فالبديل هو فوضى ومعاناة أكبر.

 

 

اسم المادة الأصليTurkey and Iran’s Dangerous Collision Course
الكاتبعلي فائز، Ali Faez
مكان النشر وتاريخهنيويورك تايمز، The New York Times

18-12-2016

رابط المقالةhttp://www.nytimes.com/2016/12/18/opinion/turkey-and-irans-dangerous-collision-course.html
ترجمةأحمد عيشة
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق