سورية الآن

روسيا السعيدة بإخمادها الثورات العربية!

هنا مربط الفرس، وهنا مجمل الحكاية، وبجملة واحدة اختصرها وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، “الغارات الروسية أخمدت الثورات العربية”، هكذا تظهر الصفقة الأهم، والدور المُربح الذي قامت به دولة بحجم روسيا. نستطيع البناء على هذا القول، بأن روسيا كانت مُستأجرة كأي مُرتزق وقاطع طريق.

ليس اتهامًا لها أن نقول ذلك، فوزير دفاعها شويغو أضاف أن غارات طيرانه “قتلت 35 ألفًا من مقاتلي المعارضة السورية”، وهنا يقصد كل مقاتلٍ محتملٍ، حتى إن كان طفلًا رضيعًا فمستقبله تلميذًا في مدرسة، سيخطّ على جدرانها يومًا ما “الشعب يريد إسقاط النظام”، ويُكمل الثورة، فالقتال كما ابتدأ بأظافر الطفولة، هو بالصوت والرسم والشعر والأغنية والهتاف، والقتال الحقيقي هو بسيدات سورية اللاتي يُوزعن الدواء والغذاء والصبر برقيّ الانتماء، والثورات العربية ليست حفلة عرس عابرة، بل هي مفصل في تاريخ الشرق والغرب، هزّت أركانه الجغرافية والأخلاقية والفكرية والقانونية، فكيف بالثورة السورية على أرض تربط هذ الشرق بذاك الغرب.

قالها شويغو واضحة كالشمس، ومن المرجح أنه يعرف أين ستصل، وفي أي حساب استثمارٍ سوف يجري إيداعها، وعلى أي صفقات جرت مناقشتها في الغرف المُغلقة، وأيّ دولٍ عربية وإقليمية وآسيوية وأفريقية دفعت، أو وقعت على بياض، بعد أن صمتت عن دخول ميليشيا “حزب الله”، ومرتزقة المالكي خريجي سجون العراق، وحرس إيران الثوري الذي ناسب فهم هذه الدول العربية للثورات، بعد أن استولى الخميني وبقية العمائم على ثورة شعب، كان قد نهض لأجل الحياة، فقادوه إلى التطرف والسواد.

كما من المرجح أن شويغو يعرف، كيف ومتى ومن، قرّر صناعة نجومية البغدادي والجولاني ومن والاهما، وفي أي شركات طيران كان مقاتليهما العرب والعجم وغيرهم يتنقلون، ومن هو المعمل الذي صدّر لهم سيارات الدفع الرباعي الحديثة، ومن دفع الحساب، وبأي بواخر نُقلت، ومن أي بحار ومحيطات عبرت، ومن يستجر نفطهم وغازهم، وبأي خزانات يُفرّغ، ومن يشحن تُحف الآثار التي في ذمتهم، ومن مدّهم بصناعة السيناريو للأفلام ومؤثراتها، وطرح الفكرة مع الموسيقا والدعاء، وموعدها، وأثرها، وتنقّلها من جانب لآخر بحسب اللغات، ووفّر الإنترنت لرفعها، ومن علّمهم بداية الدعاء واسترساله وانتهائه، وكيف يُؤثر بعاطفة الشعوب المغلوب على أمرها، والتي انتفضت لكرامتها؛ فقادوها إلى مسلخها التاريخي، حيث العسكر والفتاوى وزعماء المنابر مع أخطاء اللغة وخطابات التمتمة.

أفشل المال المتدفق -علنًا وسرًا- ثورات الربيع في مصر وتونس، وصعدت تيارت الثورات المضادة وصنعت السبسي والسيسي، واستعان ذلك المال المُنهمر، بصبيّ نصف محروق على نصف متلعثم على نصف مرتزق، هو علي عبد الله صالح، بتحالف مأجور ومدروس مع تاجر القات والسلاح عبد الملك الحوثي، لكسر إرادة اليمن واليمنيين، فاستسهلوا الدمار وجولات الحوار.

بقيت ليبيا الغنية بامتدادها ونفطها وتوقها للحياة، عصيّة هي الأخرى على التطويع، فقُرر المضي بتدمير مجتمعها ونسيجها، لا شيعة ولا سنة ولا أقليات هناك، فكان العسكر والقبائل والفقر والنفط والتهريب.

بوادر ثورة العراق هي الأخرى جرى نحرها على أسوار المنطقة الخضراء في بغداد، وبقيت إرادة السوريين تستنهض همم الأجيال، بوصفها ثورة ولاّدة مُبدعة، تبتكر أساليب بقائها واستمراها، عجز الإيراني بكل أدواته عن ثنيها، وتفنن العالم بتمرير الصفقات والوقت لقصم ظهرها، لم يبق آلة حرب وسيناريو جريمة ولم يُنفّذ، وبقيت تصدح حتى بالمنافي، فدخل الروسي بكل أدواته، وكان مُستغربًا أن تسمح أوروبا بهذه العربدة الروسية في مياهها الدافئة المُشتركة مع بلاد الثورات، لكن قلق ذاكرتها من نهضة محمد علي بين إفريقيا وآسيا عاد ربما إلى واجهة تفكيرها، حين قررت ردم إرادته بكل السبل حينها، وحين ظهرت رغبة فخر الدين المعني ببحثه عن الانعتاق نحو الحضارة، كيف بادرت قارة الصقيع بتجميد حلمه، فبادرت اليوم لتحيل ثورات مياهها الدافئة إلى حُطام، واستفحلت بممارسة واللغو، وبيع الوهم.

في أميركا كان للبزنس وقع استثمار على المفارقات، وعلى المعابر والقرارات وبعض الصمت، وليس أولها صفقة النووي، ولا آخرها الباخرة الفرعونية التي تفرعن فيها السيسي، وعبر على متنها قناة السويس كفاتح بلا حصان، فاستثمرت بقلق أوروبا، وخفة رأس بوتين، وتأملت “الكاتشب” الذي رشّه النظام السوري دمًا، على “الهمبرغر” الطازج من لحم الطفولة السورية، وكانت فرصتها حيث باعت إسرائيل مستقبلًا يمتد لما بعد مئة عام مقبلة، وتاه الفلسطيني في منفى جديد وحلم بعيد، وأصبح السوري النازح من الجولان في لحدٍ مرير، بين غربة الوطن ووطن غريب.

قالها شويغو بوضوح الأحرف واللغة والنيات وبرادة الدببة، “غاراتنا كسرت الثورات العربية في أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا”، وأكد متفاخرًا أن طائرات بوتين حرقت 35 ألفًا من أبناء هذا الوطن، لكنه لم ولن يُدرك أننا الشعب، سنكتب أسماءهم مع كل شهداء حرية هذه البلاد، على أبواب منازلنا ومدارسنا وذكرياتنا وأحلامنا، هم ليسوا شهداء حريتنا وحسب، بل حرية الشرق الأوسط، وحرية العالم أجمع، حين يحكمه القتلة ويتباهون بصفاقة المُرتزق، وفلاديمير بوتين الذي تشارك مع كل القتلة، يفهم السوريون جيدًا أنه هو أيضًا قصف هنا، ليحمي ساحات موسكو من هتاف “الشعب يريد إسقاط النظام”.

لكن كل هذا الاعتراف والإجهار بالجريمة وأدواتها ومُستثمريها، لم ينتبه هؤلاء، إلى أن عيون الأطفال التي فيها ذكرى للمآسي والدمار، ولصقيع النزوح والخيم، فيها -أيضًا- أهازيج وابتسامات من استُشهدوا، وهو كافٍ كزوادةٍ لعشرات الثورات المقبلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق