أدب وفنون

الأهل

1

يعلقون أوسمة خدوشهم

على صدورنا

مثل حبات الكرز:

حمراء ناضجة

جاهزة للنزيف

جاهزة للعويل

جاهزة للدمار

جاهزة لكل شيء

إلا للنسيان.

2

أبي الذي لم يتذكرني في البلدة الجبلية

نسيتُ تذكره في دمشق

خجلتُ من ثيابه المتسخة

حين زارني في غرفتي المزينة

بصور جيفارا والمناضلات

أرسلته لحجارة القبر

كي يستغرق على مهلٍ في تذكري.

3

يا أمي

سراخس الوقت تسلّقت رحم حديقتنا

بيديكِ زرعتِ كل شيء

ونسيتِ أن تزرعيني.

4

كنتَ تقف في الصورة

وإلى جوارك أمي

تضحكان ضحكة واسعة

أمي تلبس فستانها المرقّش بزهور كبيرة

وأنت بقميصك الجديد

المقلم بالأبيض والأسود.

بعد عامين

كنتَ تنتظرنا في براد المستشفى

ريثما ننكش ثيابك لاختيار الأنسب منها

وفجأة أطل برأسه مثل حمار الوحش الخائف

قميصك ذاك

وكان مقصوص الكمين

وضيقًا

كوجه أمي في الجنازة

وأحلامك.

5

يدهشني

كيف ينكمش الأموات

يصبحون مجرد أشياء صغيرة

ننثرها حولنا

في البيوت

لكي نتذكّر

(أبي أصبح “راديو” صغير أخضر)!

6

لو سُئل مقبض الباب

في بيتنا عن حاله

لأجاب:

أصابع امرأة مترهلة

قاربت السبعين

تفتحني كل صباح وتخرج

تفتحني حين تعود

وتتركني دبقًا

بالعرق والغبار

والأحاديث الصغيرة،

أظل أشم طوال النهار

رائحة حليب مغلي

وخضار

ولحم نيئ

وأدوية

ولا أذكر

أنني سمعتُ ضحكتها

ولو لمرة واحدة!

7

أبي مات قبل أن يرى البحر

مات أعمى

حين طرقت “ثورة آذار” الشوارع

بكعب حذائها الأحمر

منذ أربعين عامًا وأكثر

اختبأ تحت جراراته

يتسلّلُ ليلًا إلى البيت بعد أن ننام

ويتسلّل إلى ورشته قبل أن نصحو

لو مررتم الآن بقبره

سترونه جالسًا

على حجر

حزينًا مثل حبات الغبار

يلمس الزهور البرية

بأصابعه المسودّة

وينتظر ضوءًا

يقوده من يده

نحو الشاطئ.

8

أمي مازالت تبحث في الحديقة

عن مقعد فارغ

تهدّهد عليه قلبها ليغفو،

لم ترَ مرج الزهور الواسع

على كتفي!

9

لم تكن مجرد قطة

تلك التي حاولتُ وأخي

خنقها بالحبلة سبع مرات

ولم نفلح…

كانت عصا أبي

وبصقة أمي على وجهينا.

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق