ترجمات

واشنطن بوست: “حلب والتراجع الأميركي”

 

سوري يشق طريقه وسط أنقاض المباني المدمّرة في حلب يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر (يوسف قارواشان/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور غيتي)

 

سقوط حلب قبل أسابيع فقطْ من انتهاء ولاية باراك أوباما، هو السمة المناسبة لسياسته الشرق أوسطية من التراجع والانسحاب، حيث أظهرت الصور التي يُرثى لها للمدينةِ المدمرة، التكلفةَ الحقيقية لتنازل أوباما، والذي لم يندم عليه إلا قليلًا، على أيّ حال، ففي مؤتمرٍ صحفي له في نهاية العام، دافع أوباما عن تقاعس الولايات المتحدة من خلال خياره الخطأ المألوف: كان إما الوقوف جانبًا، أو بدء الغزو الشديد للأرض على غرار العراق.

هذا هو خيالٌ شفاف يهدف إلى إنهاء النقاش، ففي بداية الحرب الأهلية، كانت الانتفاضة الشعبية في حالةِ تصاعدٍ، وما حافظ على توازنٍ تقريبي هو سيطرة النظام على السماء. عند هذه النقطة، الولايات المتحدة، وبقليلٍ من المخاطر والتكاليف، كان يمكنها أن تعلن سورية منطقةَ حظرٍ جوي، مثلما فعلت في كردستان العراق طيلة عشر سنوات بعد حرب الخليج عام 1991.

كان يمكن وبسهولةٍ أن تدمر الولايات المتحدة طائرات ومروحيات النظام على الأرض، وأن تعطّل كذلك مطاراتها بحيث تجعلها غيرَ صالحةٍ للاستعمال، الأمر الذي من شأنه أن يغيّر المعادلة الإستراتيجية لنهاية الحرب.

وكان يمكنها أن تردع الروس من زج قواتهم الجوية الخاصة -عندئذٍ كان عليهم أن يتحَدّوا قواتنا المتفوقة جويًّا- وعند عدم مواجهة أي رادعٍ أمريكي، تدخلت روسيا وغيّرت المعادلة على نحوٍ حاسم، ساحقةً المتمردين في حلب. كان الروس بارعين خصوصًا في ضرب المستشفيات وأهدافٍ مدنية أخرى، وترك المتمردين أمام خيارين: الفناء أو الاستسلام.

لم يقدّر أوباما أبدًا أنَّ دور القوة العظمى في الصراع المحلي ليس بالضرورة أن تتدخل على الأرض، ولكن أنْ تردع قوةً عالمية منافسة من التدخل، وتغيّر مسار الحرب، وهذا ما فعلناه خلال حرب يوم الغفران (تشرين الأول/أكتوبر) عام 1973، عندما هدّدت موسكو بإرسال قواتٍ لدعم مصر، واجهها الرئيس نيكسون عن طريق رفع حالة التأهب النووي لأميركا إلى ديفكون 3) حالة الجاهزية الدفاعية وهي إنذار تستخدمه الولايات المتحدة، مكوّن من خمس مراحل، أقلها رقم 5، وأعلاها رقم 1، م)، فتراجعت روسيا.

بطريقةٍ أقلّ دراماتيكيةً ولكن بشكلٍ فاعل تمامًا، التهديدات الأميركية بالانتقام هي التي أبقت ألمانيا الغربية، وكوريا الجنوبية، وتايوان، حرةً ومستقلة، خلال نصفَ قرنٍ من الحرب الباردة.

يُطلق عليه الردع. غيرَ أنَّ أوباما لم يكن لديه الصدقيّة لردع أيّ شيء أو أيّ شخصٍ. في النهاية، تم تحويل أعظم قوة في العالم إلى خطاباتٍ مريرة في الأمم المتحدة. “هل أنت غير قادرٍ حقًا على الخجل؟” رعدَ سفير الولايات المتحدة سامانثا باور على جزّاري حلب، كما لو أننا لا نعرف الجواب، والواقع أنَّ الخجل يجب أن يكون علينا للسذاجة المميتة، وإرسال وزير خارجيتِنا ملاحقًا الروس للتفاوض حول وقف إطلاق نار مزعومٍ ومهين، مرةً بعد أخرى.

حتى الآن، وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ المفاوضات حول سورية ليست مشجعةً، فاللهجة عاطفية وتنمّ عن قلقٍ بالغ، مصورةً على وجه الحصر بشكل أخلاقي، وأقلّ بكثير من التفهم، تكاليف الإستراتيجية الباردة.

لم يكن الأسد أبدًا صديقًا، ولكنه اليوم هو ليس حتى شخصًا مستقلًا، فقد تمت إعادته بشكلٍ فاعل إلى عرشه، ولكن كدميةٍ في يد إيران وروسيا. سورية الآن منصةٌ، قاعدةٌ أمامية، يمكن لكلا النظامين الرجعيين أن يظهر منها قوته في المنطقة.

ستستخدم إيران سورية لتعزيز سعيها للهيمنة على الشرق الأوسط العربي، وستستخدم روسيا قواعدَها الجويّة والبحرية لترهب الدول العربية السنية، وتمنع النفوذ الأميركي.

إنه يحدث الآن بالفعل، فقد اجتمع وزراء خارجية ودفاع روسيا وإيران وتركيا في موسكو هذا الأسبوع لبدء البتّ في مصير سورية. لاحظ من الذي لم يكن هناك، لأولِ مرةٍ منذ أربعة عقود، الولايات المتحدة، القوة التي كانت مهيمنة في المنطقة، لا علاقةَ لها.

مع خسارةِ حلب وتشتت المتمردين، أمامنا طريقٌ طويل لإعادة بناء النفوذ الذي أهدرناه على مدار السنوات الثماني الماضية، حيث يتحدث الرئيس المنتخب دونالد ترامب عن إنشاء مناطقَ آمنةٍ، وعليه أن يتعامل بحذر، فلا خيرَ في محاولةِ أن تفعل الآن ما كان ينبغي القيام به قبل خمس سنوات، حيث الظروف هي أسوأ بكثير، فمن يحكم هو روسيا وإيران، والحفاظ على سلامةِ المناطق الآمنة سيكون مكلفًا وخطرًا، وسيحتاج إلى نشر قواتٍ برية واسعة، وهذا ما يهدد بمواجهةٍ عسكرية مع روسيا.

ولماذا؟ الشعور بوخز الضمير ليس سببًا وجيهًا، فالتدخلات التي هي إنسانية بحتة -من الصومال إلى ليبيا- تميل إلى نهايةٍ سيئة، ونحن قد نعلن “مسؤولية الحماية”، ولكن عندما لا تكون المصالح الأمريكية في خطر، يصبح من المستحيل أن تستمرّ المعركة، وعند أول الخسائر نعود الى الوطن.

في حلب، وقع الضرر، المدينة تدمرت، ويتم تطهيرها عرقيًا، وبالنسبة إلينا، ليس هناك خيار آخر إلّا خيار الأمر الواقع، وإذا أردنا أن استعادة الشرف المفقود في حلب، فلا بد أن يكون على أرض معركةٍ مختلفةٍ جدًا.

 

اسم المقالةAleppo and American decline
الكاتبCharles Krauthammer، تشارلز كراوثامير
مكان النشر وتاريخهواشنطن بوست، The Washington Post، 22/12
رابط المقالةhttps://www.washingtonpost.com/opinions/global-opinions/aleppo-and-american-decline/2016/12/22/1c025a5a-c877-11e6-85b5-76616a33048d_story.html?utm_term=.04bac607db93
ترجمةأحمد عيشة

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق