ترجمات

فزغلياد الروسية: “استعادة تدمر من داعش ممكنة بعد تجاوز الأخطاء”

شكل استيلاء تنظيم “الدولة الإسلامية” على مدينة تدمر، للمرة الثانية، من أيدي القوات السورية والروسية هذه المرة انتكاسة كبيرة، نظرًا إلى الكم الهائل من الضجيج الإعلامي الذي رافق عملية استعادتها من يد التنظيم في ربيع 2016.

صورت وسائل الإعلام الروسية، حينذاك، المعركة كانتصار ساحق لبوتين وللقوات الجوية الروسية، وبذلت جهدًا مركّزًا لإظهار روسيا محاربًا حقيقيًّا وحيدًا ضدّ التنظيمات الإرهابية في سورية، الأمر نفسه ينطبق على النظام السوري وجهازه الإعلامي، الذي لم يوفر جهدًا في إظهار طردهم لداعش من تدمر، وكأنه انتصار روما على زنّوبيا.

نشرت وسائل الإعلام الروسية كثيرًا من المقالات حول المعركة الأخيرة في تدمر، في محاولة لتبرير الهزيمة. وتحرص جميع وسائل الإعلام الروسيّة على إلقاء الّلوم على القوّات السّوريّة، وإبعاد القوّات الرّوسيّة والقيادة الروسيّة عن مسؤولية ماحدث، لما يشكّلُه الأمر من نكسة لسُمعة روسيا على المستويىن: الخارجي والداخلي على حدّ سواء.

وفي هذا السّياق، يقول المحلّل يفغيني كروتيكوف في صحيفة فزغلياد مايلي:

على الرغم من نجاح القوّات الجويّة والفضائيّة الرّوسيّة من صدّ الإسلاميين على قطاع من جبهة تدمُر حيث تعمل هذه القوّات، ولكن ذلك لم يساعد في المحافظة على مدينة تدمر، والآن تمكّنت “الدولة الإسلامية” من فرض سيطرتها الكاملة على هذه المدينة التاريخية.

حدث الأمر نتيجة وجود أخطاء جديّة، يجب تحليلُها قبل استعادة المدينة من أيدي الإرهابيين، ففي صباح يوم الأحد، بدا وكأنه قد تم بالفعل التصدي لهجوم الإرهابيين على تدمر بنجاح؛ فقد أعلنت السلطات السورية عن انتصارها، ولكن، وكما يحدث معهم في كل مرة، تبيّن أنهم أظهروا ما يتمنونه حقيقةً! السلطات الروسية من جانبها، أكّدت المعلومات حول صدّ مقاتلي داعش، ولكن، تبيّن أن المقصود هو ذلك الجزء من الجبهة التي تتحمل القوات الروسية المسؤولية عنه مباشرة. وعلى الرغم من تكبّد داعش خسائر كبيرة في هذا القطاع، إلّا أن هجومَها استمرّ من المحاور الشرقية والشرقية الجنوبية، حيث لم يكن الطيران الروسي نشِطًا فيها، في واقع الأمر، خشية من إلحاق الأذى بالأحياء المدنية وبالأوابد التاريخية. تحركت قوات داعش في الأحياء السكنية من هذه الاتجاهات. وفي هذه المرحلة، وبأوامر من محافظ حمص، بدأت عملية إجلاء المدنيين، وما أمكن من الموارد من المدينة.

وفي الوقت نفسه، استمرّ ضغط مقاتلي داعش على منطقة تقاطع الطرق، ما كان سيؤدي، من الناحية النظرية، إلى تطويق القوات الحكومية بالكامل إستراتيجيًا وليس تكتيكيًّا فحسب. بدأت عملية إخلاء المدينة، بغطاء من بعض الوحدات من المحور الشرقي–الجنوبي، وربما من جانب وحدات روسية خاصة في المنطقة. ولم تكن تتوافر معلومات موضوعية عن الوضع في مطار التيفور حتى مساء الأحد.

في الحرب السورية، سبق وتعرّضت القوات السورية لنكسات تكتيكية كثيرة، وكنا نتمنّى تجاوز الأسباب التي تسبّبت في هذه النكسات. وفي بعض الأحيان يتراءى للمرء أن القيادة العامة في دمشق قد استوعبت، أخيرًا، الدروس المؤلمة من انتكاساتها. ويجب القول، هنا، إن بعض الأخطاء العجيبة، والجنونية، قد أصبحت أقلّ على مستوى قيادة اللواء أو الكتيبة. وكانت معركة حلب نموذجًا يكاد يكون مثاليًّا من هذه الناحية. إلى جانب الندوب التي لحقت بالجيش السوري، يجب الإشارة إلى عدة استنتاجات يمكن استخلاصها من معركة تدمر الثالثة. لأننا نكاد نجزم تقريبًا أنه سيكون هناك “معركة رابعة”.

كان التمسك بالمدينة أكثر أهمية بكثير من الناحية الأيديولوجية والصورة العامة منه من الناحية العسكرية. إذ لم تكن القوات السورية تخطّط على الإطلاق للقيام بأي أعمال مؤثّرة على هذه الجبهة حتى ربيع 2017، لأن ما كان يتم في منطقة تدمر عملية تجميع عاديّة للموارد اللازمة لشنّ حملة على الرقة ودير الزور. ولحسن الحظ، فقد تم إخلاء معظم هذه الموارد، قبل سيطرة التنظيم الإرهابي على المنطقة، وإلا، فإن كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر كانت ستقع في أيدي داعش.

والأهم هنا، عملية الاستعداد وتجميع الموارد نفسها؛ فليس لدى القوات الحكومية حتى الآن تفوّق حاسم من الناحية المادية، ومن المعروف أن تحقيق تفوق عملياتيّ يحتاج إلى أشهرٍ عدّة، لحشد أكثر الموارد ضرورة لتنفيذ العمليات المخططة على قطاع ضيق من الجبهة. وقد تم تأجيل الحملة على الرقة ودير الزور بالتحديد بسبب عدم كفاية الموارد، وكذلك بناء على تصورات سياسية معينة. والآن، تحطمت كل الخطط الإستراتيجية، لأن استعادة تدمر تحتاج الى سحب قوّات هجوميّة من جبهات أخرى.

ومن البديهيّ، منطقيًّا، أن يتم سحب القوات من منطقة دمشق، حيثُ انتهت بنجاح منذ أيّام عملية تحرير بعض النقاط في الغوطة، وفي الدرجة الأولى خان الشيح. كما يمكن الزجّ، خلال أيام، بقوات هجومية من حلب بعد تحريرها. وفي المرحلة الحالية، من الضروري ليس فقط استعادة السيطرة على المدينة التاريخية، بل تطبيق التكتيك نفسه الذي يتبعه الإسلاميون.

من وجهة نظر عسكرية لاتشكل المدينة بأحيائها السكنية، وبآثارها التاريخية، أهميّة إستراتيجية؛ فالتلال والهضاب المحيطة بها، هي من له قيمة إستراتيجية عسكرية أكبر. وهذا بالتحديد ماأدركه مقاتلو تنظيم الدولة؛ لذا كان اهتمامُهم منصبًّا على تلك المرتفعات. وباستيلائهم عليها أصبحت المدينة بكل مافيها أمامهم كراحة الكف. وبالسيطرة على أحدها، وهو الطاية، ومن خلال خلق توتر للقوات الجوية الروسية وللوحدات الخاصة، فانه لايمكن تجنب الكارثة.

إضافة الى ذلك، فقد أصبح أمرًا جوهريًّا المحافظة على تقاطع الطرق الرئيسة التي تصل تدمر بدمشق وحمص. وأدّى احتمال فقدان هذا التقاطع -نظريًّا- إلى إصدار الأوامر بالانسحاب. ومن المفهوم أننا نتحدث عن صحراء. وفي هذه الحالة، وفي ظل غياب وسائط نقل جوية هامة، وعدم توافر قوات إنزال جوي، ونقص إعداد طائرات الهيليوكبتر، تصبح الطرق ذات أهمية بالغة في حالتي الهجوم وللدفاع. وهذه الحالة تشبه إلى حد بعيد حروب عصر نابليون بفارق وحيد هو وجود وسائل نارية مختلفة.

وباستخدام القوة الجوية وحدها لا يمكن حل هذه المعضلة. يلزم هنا مقاربة تكتيكية جديدة، يمكن أن تكون في إيجاد حظيرة كبيرة من طائرات الهيليوكبتر وايجاد قوات إنزال هجومية يمكن إنزالها في خطوط العدو الخلفية على مناطق معينة. وقد تم مناقشة هذا السيناريو في فصل الربيع حين التحضير للهجوم على تدمر، إلا أنه لم يكن لدى الجيش السوري العدد الكافي والمدرَّب لتنفيذ مثل هذه العمليات. ولم يتولَّ، وقتذاك، أحد عملية التدريب، كما لم يكن مرغوبًا أيضًا استخدام وحدات إنزال هجومية روسية لحسابات سياسيّة (مع أن كل التقديرات كانت تشير إلى المسألة كانت ستحلّ خلال أيّام في حال إشراك وحدات روسية).

على مايبدو، فإنّ قواتِ مشاة الدفاع الوطني عادةً ما تخسر في المواجهات المباشرة أمام الجهاديين. ولا يحلّ الدعم الجوي وإشراك الوحدات الخاصة هذه المشكلة، على الرغم من أن الجهاديين لايتمتعون بتفوق في المعدات، فقد تمكّن مقاتلوهم، المعبّؤون نفسيًّا بشكلٍ جيّد، من سحق خطوط الدفاع الاولى للقوات السورية، التي كان يدافع عنها مجنّدون سوريون قليلو الخبرة تمّ تجنيدهم حديثًا، والذين كانوا، طوال نصف عام، يشعرون وكأنهم في مصيفٍ ما.

أما الاستطلاع فمشكلة منفصلة. وهنا من المفترض أن تُطاح رؤوس بعض الضباط، أو أن يجرّدوا من رتبهم على الأقل؛ فقد قامت داعش بحشد قرابة 4000 مقاتل مع معداتهم وذخيرتهم في محيط منطقة تدمر. ومن المفهوم أن قسمًا كبيرًا من هذه الحشود جاء من الرقة ودير الزور، وحتى من محافظة الأنبار في العراق، وكما هو مفهوم أيضًا، أن هذا الحشد تجمع على أكثر من محور وقد أحاط تدمر بطوق إهليليجي. غابت كل هذه التحركات والتحشدات التي جرت في أرض صحراوية مكشوفة يمكن مشاهدة نيران المخيمين فيها من مسافة بعيدة، ويمكن رصد الاتّصالات وتتبع حرارة محركات السيارات بكل سهولة. ويتساءل المرء، أين طائرات الاستطلاع المسيرة؟ وأين هي الأقمار الصناعية؟ وأين كانت وسائل حرب الاتصالات؟ أين الاستطلاع؟ وفي النهاية هل كانت هذه الأشياء موجودة فعلًا؟

تمكّن داعش من تحقيق المفاجأة التكتيكية؛ فبهجوم ليلي واحد، اجتاز مقاتلوه خطوط الدفاع الأولى للقوات السورية، وقد يكونون أنفسُهم قد تفاجؤوا من نجاحهم على القطاع الشمالي “تل طاليا”. وطوال يوم الأحد انشغلت القوات الجوية الروسية بـ “إخماد الحريق” في إحدى القطاعات، ولكن القطاعات الأخرى تداعت كما فعل القطاع الشمالي، أمّا القوات الاحتياطية فقد غطّت تقاطع الطرق تاركة المدينة من دون حماية.

لا نعرف، حتى الآن، من كان يتحمل مسؤولية الاستطلاع في المنطقة، هل هي القوات السورية أم الروسية؟ ولكن، من الصعب التصديق أنه لم يتمّ ملاحظة تحركات 4000 مقاتل مع مدرعاتهم ومعداتهم، وعتادهم كاملًا في الصحراء المكشوفة!  التبرير الوحيد الذي يمكن القبول به، يمكن أن يكون في افتراض المعنيّين أن تجمعات تنظيم الدولة كانت نوعًا من التحضير لهجمات متفرقة على خطوط القوات الحكومية الخلفيّة، كالتي كانت تجري من فترة لأخرى. ولكن في هذه الحالة ايضًا، يكون هناك خطأ في عمل الاستطلاع، ليس من حيث جمع المعلومات، إنما من حيث معالجتها وتقييمها، وهذا فشل ثقافي ومعتاد عند السوريين. والمصيبة الأكبر تحدث مع محلّلي المعلومات والموظفين الذين يميلون عاطفيًّا الى تفسير أي معلومات بشكل إيجابي لمصلحته؛ إذ يفترض أن يكون الأمر لدى محلّلي المعلومات ومعالجيها عكس ذلك؛ إذ ينبغي التعامل مع جميع ما يرد على أنّه مصدر خطر محتمل.

كانت الهزيمة في تدمر هزيمة معنوية أكثر منها عسكرية. وبالطبع سيتطلب استعادة الوضع السابق إضاعة الموارد والوقت. على المستوى الأيديولوجي سيتطلب المرور عاصفة نشطة من”منتقدي النظام” وبعضًا من الأوهام حول الـ”روسيا- فوبيا”. ولكنّ تحرير حلب يعطي الإمكانية لتوافر قوات نظامية مدرّبة في القريب لاستعادة تدمُر مرّة ثانية. ومن جانبٍ آخر فإن أحداثَ تدمر يجب أن تؤدي الى إعادة النظر في بعض المبادئ التكتيكية والخبرات في الجيش السوري، وحتى ربّما إلى سيطرة الطرف الروسي الكاملة على الاستطلاع العملياتي!

 

 

 

اسم المقالة الأصلي (بالروسية)Пальмиру удастся вернуть после работы над ошибками
الكاتبيفغيني كروتيكوف
مكان النشر وتاريخهصحيفة فزغلياد الروسية

12 كانون الأول /ديسمبر 2016

رابط المقالة

 

http://vz.ru/world/2016/12/12/848783.html
ترجمةسمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق