مقالات الرأي

الصين وروسيا ..نظام الأمن القاري الجديد

 

شهدت العلاقات الروسية – الصينية خلال السنوات الأخيرة تحسُّنًا غير مسبوق في تاريخ  البلدين، وتدل الاتفاقيات الموقَّعة خلال آخر زيارة للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين (20 من أيار/ مايو 2014) إلى شنغهاي، على أن البلدين يُريدان الارتقاء بحجم العلاقات بينهما على مستويات الدفاع والاقتصاد؛ وخصوصًا في مجال الطاقة الذي حقَّق فيه البلدان اختراقًا كبيرًا؛ فإضافة إلى حجم صفقات الغاز، أثارت المناورات العسكرية البحرية التي جرت بين البلدين خلال زيارة بوتين عديدًا من التساؤلات؛ خصوصًا حول أسباب التوجُّه الصيني نحو روسيا، وإمكانية بروز تحالف روسي صيني موجَّه ضد الولايات المتحدة الأميركية، عبر التنسيق على مستويات عدة، لعل أبرزها ثلاثة:

مستوى أمن الطاقة

حيث وقَّع البلدان خلال الزيارة الأخيرة للرئيس بوتين إلى الصين صفقة غاز تاريخية، بلغت قيمتها حوالي 400 مليار دولار، تُزود روسيا بموجبها الصين بـ 38 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا لمدة ثلاثين سنة؛ وذلك عبر الأنابيب، انطلاقًا من الشرق الأقصى الروسي، بحلول سنة 2018، واستغرق العمل لإبرام هذه الصفقة عدة سنوات من التفاوض؛ تعثَّرت مرَّات عديدة؛ بسبب فشل الدولتين في التوصُّل إلى ثمن يُرضيهما معًا، قبل أن يصل البلدان إلى هذا الاتفاق التاريخي.

وكانت روسيا والصين قد توصَّلتا إلى اتفاق آخر في آذار/ مارس 2013، تعهَّدت بموجبه شركة “روسنفت” بزيادة صادراتها من النفط إلى الصين من 300 ألف برميل يوميًّا إلى حوالي 800 ألف في المستقبل القريب (لم يذكر الاتفاق تاريخًا محدّدًا)[1]. وتضمن الاتفاق -أيضًا- مشاركة الشركة الوطنية الصينية للبترول في تطوير ثلاثة حقول بحرية في بحر بارنتس، وثمانية حقول نفطية في شرق سيبيريا؛ وستجني الدولتان مكاسب متعددة من خلال التعاون في مجال الطاقة؛ حيث سيُتيح هذا التعاون للصين أمرين:

تنويع مصادر إمدادات الطاقة: حيث يأتي اهتمام الصين بمصادر الطاقة الروسية في إطار استراتيجية بعيدة المدى لتنويع مصادر إمدادات الطاقة؛ فالصين تستورد حوالي نصف حاجتها من الطاقة، وتأتي معظم هذه الإمدادات من الشرق الأوسط، وبالنظر إلى الجو السياسي المضطرب في هذه المنطقة؛ بفعل الربيع العربي وبعض المشكلات الإقليمية الأخرى؛ اضطرت بكين إلى البحث عن مصادر بديلة، من بينها آسيا الوسطى وروسيا؛ لتتفادى الاعتماد على منطقة واحدة فقط، وتضمن بذلك تدفُّق الإمدادات تدفقًا مستقرًا.

توفير إمدادات لا تمر عبر مضيق ملقا: تتوجَّه الصين إلى توفير إمدادات لا تمر عبر مضيق ملقا؛ الذي يُشَكل نقطة ضعف استراتيجية كبرى للصين؛ حيث يمرُّ عبر هذا المضيق حوالي 80 بالمئة من واردات النفط الصينية، كما أن الولايات المتحدة منتشرة عبر كل مسالك الملاحة البحرية عبر العالم، وتُدرك الصين أن إغلاق المضيق أو فرض حصار بحري عليها من طرف القوى المعادية لها سيحول دون وصول حاجياتها من الإمدادات؛ لذا، تُحَاول الصين توفير مصادر بديلة لا تمر عبر الخطوط البحرية[2]، وترى في روسيا المصدر الذي سيُوفر لها إمدادات الطاقة عبر البر، وسيتيح لها تجاوز أي حصار بحري محتمل.

المستوى العسكري

من المؤكد أن الصفقة تحقق مكاسب اقتصادية مهمَّة للبلدين، وتخدم مصلحتيهما في مجال الطاقة؛ لكن هذا البُعد ليس سوى وجه واحد من أوجه الشراكة الاستراتيجية، والتقارب غير المسبوق في تاريخ البلدين. حيث تُشكل روسيا على المستوى العسكري أهم مزود للصين بالسلاح، منذ أن فرضت الدول الغربية حظرًا على مبيعات الأسلحة إلى الصين عام 1989، وتمثل مبيعات السلاح الروسي أهم مصدر في عمليات التحديث الواسعة، التي عرفتها القوات البحرية والجوية الصينية في العقود الأخيرة؛ وتشمل المبيعات الطائرات المتطورة، والغواصات، والمدمرات، وصواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للسفن، ونقل التكنولوجيا العسكرية، والإنتاج المشترك لبعض من هذه الأسلحة، ومن المتوقع أن تتوصل الصين إلى اتفاق لشراء 24 طائرة من نوع سوخوي 35 إس المتطورة جدًا، وأربع غواصات، ونظام الدفاع الجوي المتطور إس 400، ومن جهة أخرى، تشكل المناورات العسكرية المشتركة دليلًا آخر على مدى قوة العلاقة بين البلدين؛ حيث بدأ البلدان سلسلة من المناورات العسكرية المشتركة منذ 2005، آخرها كانت المناورات البحرية المشتركة التي جرت بين 20 و26 من أيار/ مايو 2014 في بحر الصين الجنوبي، وهذه المناورات جرت للعام الثالث على التوالي، بعد مناورات نيسان/ إبريل 2012 في البحر الأصفر، ومناورات يونيو/حزيران 2013 التي جرت في فلاديفوستوك بروسيا.

النظام الأمني القاري الجديد

من بين أهم الأهداف الاستراتيجية للصين حاليًا هو إنشاء نظام اقتصادي وسياسي عالمي متعدد الأقطاب، والابتعاد تدريجيًا عن النظام الحالي الذي ترى الصين أنه يخدم مصالح الدول الغربية؛ وخصوصًا الولايات المتحدة الأميركية، وبعد صعود روسيا قوةً عالمية، بعد أكثر من عشرين سنة من انهيار الاتحاد السوفياتي، ترى الصين أن تقاربًا مع روسيا سيخدم المصالح الصينية أكثر، ويظهر هذا جليًا من خلال تعاون البلدين على مستوى المؤسسات الدولية والإقليمية؛ حيث ينسق البلدان جهدهما في إطار مجموعة دول البريكس؛ التي تخطط لإنشاء بنك وصندوق مساعدات على غرار المؤسستين الماليتين الغربيتين: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وفي سياق آسيوي أنشأت الصين منظمة شنغهاي للتعاون؛ لتوفير آلية للتعاون المشترك بين روسيا والصين (وبقية الدول الأعضاء في هذه المنظمة) في منطقة آسيا الوسطى، وترى الصين أن هذه المنظمة تُقدم أنموذجًا للتعاون متعدد الأطراف، وتُقدم رؤية تشاركية للأمن الإقليمي في آسيا الوسطى؛ وذلك بخلاف الرؤية الأحادية التي تتبناها واشنطن، والتركيز في تحالفاتها على الجانب الأمني وحسب؛ كذلك تنشط الصين بتعاون مع روسيا في إطار “مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا” (CICA)؛ وهو مؤتمر يصل عدد الدول الأعضاء فيه إلى 26 عضوًا (اليابان ليست عضوًا فيه)؛ ويهدف إلى تعزيز التعاون والمحافظة على الأمن والسلام والاستقرار في آسيا، كما تصفه الصين؛ لكن الهدف الحقيقي من ورائه هو بناء نظام أمني قاري؛ لمواجهة التحالفات الأميركية واليابانية في آسيا.

 

[1] وكالة رويترز للأنباء:

Reuters,2013. Rosneft to triple oil supplies to China

http://www.reuters.com/article/2013/03/22/us-rosneft-china-oil-idUSBRE92L13020130322

 

[2] علي حسين باكير. 2014. تحولات الطاقة وجيوبوليتيك الممرات البحرية: ملقا نموذجًا. مركز الجزيرة للدراسات.

مقالات ذات صلة

إغلاق