أدب وفنون

أنا رجل الموت…

أنا قاتلكم، لكني مثلكم لا إيمان لي بجهاد النكّاح، ولم أصدّق –يومًا- أنّ حوريّة ما ستهبني زبدها، لا أعرف شيئًا -مثل جلّ الحداثيين- عن سيرة محمّد العربيّ، ولم أقرأ الكتب الضّخام، ولكنّني فجّرتكم، زرعت سكّينًا من الدمع على خدودكم، وأربكت دولتكم، وجعلت من كلّ الفلاسفة والشعراء والإعلاميين ورجال الأمن والسياسيين يكتبون عنّي. أعرف جيّدًا أنّني كنت على خطأ عظيم، ولكنّي لو أعود إليكم الآن، بعد أن صرت عدمًا في ظلام العدم، سأكرّر ما فعلته، ولن أتردّد أبدًا.

وأنا رجل الموت، تاجر السلاح، مصّاص الدّماء، سيرتي لم تعد تكفي شغفي نحو هذا التشفّي. في جرابي رأس طفل سوري، ونهد امرأة تونسية، وأصابع مراهقة ليبية، ورصاصة من الذهب الفرعوني، وخارطة من آبار النفط اليمنية، ودفتر من الشيكات سلّمه لي أحد الأمراء الخليجيين. وما زلت جائعًا. عبيدي الأمازيغ لم يكملوا مهمّتهم بعد في الجزائر، ووحوشي في الشام لم يقطعوا نهود الثكالى بعد في المخيّمات. سيرتي لم تعد تكفي، ولكنّي ما زلت خائفا، فمن يكتب باسمي الآن لم يمت بعد، ألف طعنة وهو واقف مثل رجل كرديّ على سفح جبل.

أنا رجل الموت، تاجر السلاح، لا أحبّ الأطفال والنساء، ولا أعشق الورد الأبيض، ولا أشرب قهوتي إلا وحيدًا، وأكره الحانات كثيرًا، لا وقت لمصانعي والمقابر في انتظار الجنائز، ولكنّي أعشق الثوّار والفلاسفة والمثقفين والمدونين والإعلاميين، وخاصّة رجال الأحزاب والجمعيات؛ لأنّه من السهل عليّ شراء ذممهم وأضحك منتفخًا كالطاووس، حين أرى صورهم في الكرنفالات الانتخابية، أولئك هم أبنائي، دفعت من أجلهم كثيرًا لسيّد الموت، عزرائيل، كي يدرّبهم على فنّ الخيانة والاغتيال.

إنّي أراهم يقلبون الشيء إلى نقيضه، ويجعلون من الحقيقة غائمة خلف تخوم المجاز: أولئك أبنائي، الشياطين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

أنا رجل الموت، تاجر السلاح، لا يراني أحد، وأقول للشيء: كن فيكون، حين اشتدّت بي وطأة الماركسيين وعمّت الأزمات في مصانعي، اشتريت قطيعًا من “البروليتاريا” العمال؛ كي يعملوا عندي، ويأتمرون بأمري. ولأنّهم أعداء السّماء، تركت لهم حرّية اختراع سرب من الكاتيوشا يرجمون به الآلهة، وحرّضتهم كثيرا ضدّ الله، وخلقت لهم من يتحدّث باسمه في الأمم الوضيعة، ثمّ أغشيتهم فلا يبصرون، إنّي أراهم بدل قنبلة يصنعون ألفًا منها في اليوم، لقد أصبتهم بحمّى الرّعب من ذلك النبيّ العربي.

 

أنا رجل الموت، تاجر السلاح، إله العصر، رصيدي البنكي يكفيني لمدّة مليون عام، ولكنّي خائف. قلبي يتقافز مثل غزال برّي في صدري، ولا بدّ لي من ذبح الآخرين، ولكن ليس لديّ وقت، لهذا اقتنيت من كلّ واحد فيهم عبدًا، نصّبته رئيسًا على أمّة من تلك الأمم الوضيعة، ورشوت معارضيه كي يحتدّ الصّراع. هكذا أبيع لكلّ منهما ثمرة عمّالي: الطائرات والمدافع وطيور “الأر بي جي” وكلّ شيء كلّ شيء كلّ شيء. إنّي أراهم يتسابقون إلى الموت، إلى المقابر، وجندي الذين كلّفتهم بتزييف الحقائق، يكتبون ويحرّضون، بينما رصيدي البنكي يتضاعف، ورعبي ينقشع كالكابوس، لقد قرّرت أن أهدي لعمّال مصانعي مزيدًا من الجرائد، والأوهام وعشق الدم، وبعض الدولارات في أرصدة منظمات المجتمع المدنيّ.

أنا رجل الموت، تاجر السلاح، تعلّمت من أخطائي كثيرًا، وعلمت أنّ بعض هزائمي كانت نتيجة جشعي الكوني، سأترك لبعض التجار الآخرين رقعة من الأرض، وأقتسم معهم جماجم الأطفال، ونهود النساء، وآبار الغاز والبترول، ومناجم الذهب والأورانيوم. هكذا أحصد مزارع الفلاحين الفقراء، وأدعوهم كي ينزحوا إلى مدني، وأهبهم بغايا أوطانهم، وثوّار معاراضاتهم، وأمنحهم لقب البروليتاريا في مصانعي، ولن يرفضوا، لم يعد صعبًا عليّ ذلك، فهم سلاحي الذي سأقتل به أبناء وطنهم الذين رفضوا طاعتي، إذ مازالوا أشرس عليّ من أزماتي. لا، لا، لن أموت.

 

أنا رجل الموت، تاجر السلاح، أرمّم جدراني المتصدّعة بلحوم أطفالكم، وأهبكم الإسفنج؛ كي تمسحوا دموعكم الحزينة، لن أبدّل أجهزة مداراتي مادام فيكم ألف خائن وذليل يتمسّح أمام قصري، ومادام فيكم ألف ثوري يكتب في جرائدي، ومادام فيكم ألف مثقّف أعماه بريق الذّهب في ساعتي، ومادام فيكم ألف شاعر يكتب للثورات التي سرقتها منكم.

مقالات ذات صلة

إغلاق