قضايا المجتمع

التعطيش سلاح جديد في ترسانة النظام السوري

ليس مفاجئًا أن يقصف النظام السوري نبع عين الفيجة، على ما يعنيه ذلك من تهديد الملايين من سُكّان دمشق بالعطش، فمنذ نشأة النظام وهو يعتمد أساليب التجويع والتعطيش والحصار، وغيرها من ممارسات الاستكبار على الناس، وليّ ذراعهم لضمان تبعيتهم له، ليعود لاحقًا ويُقدّم الخدمات العادية للناس على أنها “مكرمات”. وخلال الثورة، لجأ النظام إلى جميع الأساليب الشيطانية، ومنها حرب المياه، ليس لمعاقبة الناس على ثورتهم ضده، بل لدفعهم إلى النزوح خارج مدنهم وبلداتهم.

يأتي قصف نبع عين الفيجة حاليًا، في سياق ما يجري سياسيًا، وهو استباق لما قد تحمله الاتفاقات التي تعمل عليها روسيا وتركيا لوقف إطلاق النار، ويرتبط أيضًا بأهداف بعيدة المدى، تتعلق بالتمدد الإيراني وبتمركز ميليشيا حزب الله في تلك المنطقة المُمتدة على تخوم العاصمة نحو القلمون، من جهة، ونحو سلسلة جبال لبنان، من جهة ثانية، وهذا يعني استعمال سلاح المياه في عملية التهجير القسري للسكان؛ لتغيير طبيعة المنطقة.

ولمعرفة التداعيات الخطِرة على سكان العاصمة نتيجة قصف النظام مواقع النبع، نشير إلى أن نبع عين الفيجة يُزوّد دمشق بـ 168 ألف م3 من المياه يوميًا، من أصل كمية الإنتاج الاجمالية لمجمل مصادر دمشق المائية البالغة 344 ألف م3 يوميًا، اي ما يعادل نصف كميات المياه التي يشربها سكان العاصمة يوميًا.

تُعدّ حرب المياه على دمشق من أهم الحروب التي يمكن شنّها، وحملة الإشاعات الكبيرة التي انطلقت عن تلوث مياه النبع، من جهة، ورمي تلك التهمة على فصائل المعارضة الموجودة في المنطقة، من جهة أخرى، مع استمرار رمي البراميل المتفجرة على القرى القريبة، هدفه ضرب عصفورين أو أكثر بحجر واحد، فالنظام والأحياء الأكثر التصاقًا به لن تشعر بتلك الأزمة، فقد بقيت، تاريخيًا، بعيدة عن أزمات الشارع السوري التقليدية كشُحّ المحروقات والخبز والماء.

يُعوّل النظام وداعموه، الإيرانيون بالذات، على أن تدفع أزمة المياه أعدادًا أكبر من سكان دمشق للنزوح أو الهجرة، دون أن يضطر النظام لقصف العاصمة؛ تهجير السكان بالنسبة إلى النظام سيُخفّف عنه عبء النفقات وتأمين الخدمات، وبالنسبة إلى إيران سيكون طريقًا أمام مرتزقتها للتملك.

ومن هنا يمكن القول: إذا فرضت روسيا وقفًا شاملًا لإطلاق النار، بحسب ما جرى التصريح به، سيكون لدى هذه الميليشيات أدوات حرب لإفراغ البيوت والحارات من سُكّانها، وإن طالت المفاوضات السياسية دون الوصول إلى نتيجة، سيكون مفعول سلاح الماء الجديد ماضيًا بيد هؤلاء؛ ولا سيما أن مافيا النظام رمت التهمة على المعارضة كعادتها. تحمّلت الناس انقطاع الكهرباء، وتحايلت في تأمين قوتها، لكن لا يُمكنها أن تتحايل في العطش في مدينة ضخمة ومكتظة كدمشق.

يلعب النظام للاحتفاظ بالعاصمة رهينةً بيده لأطول فترة ممكنة، وهو ما يصب في مصلحة إيران للمرحلة السياسية التي ستعقب هذا النظام، وذلك للضغط باتجاه استكمال مشروعها الطائفي، عبر التلاعب الديموغرافي الذي ابتدأته داخل العاصمة وفي محيطها.

اعتاد الإيرانيون اللعب والاستثمار في الوقت، وحصدوا النتائج في لبنان والعراق طوال العقود السابقة، وها هم في سورية ينخرطون ظاهريًا في وقف إطلاق النار، لكنهم يختبئون الآن خلف سلاح من أبشع أنواع الأسلحة؛ تعطيش دمشق لخنقها وخطفها من أهلها.

تُقدّر “المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي” في دمشق حاجة المدينة بنحو 665 ألف م3 من المياه يوميًا، في فترة الصيف (ذروة الاستهلاك)، لكن مصادر إنتاج المياه المختلفة في المدينة وحولها لا تؤمن سوى 52 في المئة من الحاجة الفعلية.

وكانت صحف موالية للنظام نقلت عن مدير عام “المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي”، حسام حريدين، أن كميات إنتاج نبع عين الفيجة تبلغ 168ألف م3 يوميًا، فيما يبلغ إنتاج نبع بردى 84 ألف م3 يوميًا، وتؤمن الآبار المحفورة ضمن دمشق والعائدة \إلى المؤسسة 128 ألف م3 يوميًا، وبذلك يصل إنتاج مختلف مصادر مياه الشرب لمدينة دمشق 344 ألف م3 يومًيا. وتعاني دمشق، مثل مدن سورية أخرى، من عجز مائي يصل إلى 321 ألف م3 يوميًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق