سورية الآن

المنتصرون على حلب والخاسرون في لقاء موسكو الثلاثي

لا نتحدث هنا عن النظام الكيماوي، بعدما تحولت «سورية الأسد» لما قبل آذار 20111، إلى «سورية خامنئي»، ومنذ نهاية أيلول 2015، إلى «سورية بوتين».

المنتصر الأول على ركام حلب هو، إذن، روسيا التي تستعجل قطف الثمرات السياسية لانتصارها، قبل وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مع فريقه من الصقور العسكريين في غالبيتهم. وفي غياب الشريك الأميركي عن لقاء موسكو، لم يكن بإمكان بوتين إلا الاتكاء على حليف الأمر الواقع الجديد، تركيا الأردوغانية، لموازنة المشهد دبلوماسيًا مع الحليف اللدود إيران، واستصدار «بيان موسكو» الثلاثي الذي يبشرنا بمد وقف إطلاق النار، بعدما «نجح» في حلب بتدميرها وتهجير سكانها، على كامل الأراضي السورية، تمهيدًا لـ»حل سياسي بين السوريين أنفسهم».

تركيا «السنية» على قدم المساواة مع إيران! هذا وحده كان كافيًا لامتعاض الولي الفقيه وأركان دولته، على رغم كل الاستدارة في السياسة التركية اقترابًا من السياسة الروسية في سورية. وعلى أي حال ظهر التباين الروسي ـ الإيراني، قبل اجتماع موسكو، على حواجز حزب الله والمليشيات الشيعية العراقية غربي حلب، حين تم اعتراض قوافل المهجَّرين من شرق المدينة، في إطار الاتفاق الروسي مع تركيا والفصائل المسلحة.

الخلاصة أن موسكو المستعجلة للحل السياسي لا تملك أوراقه: لا إيران موافقة على «سورية موحدة وعلمانية ذات سيادة» كما يبشرنا البيان الثلاثي، كما لا يناسبها شريك تركي في الحل؛ ولا تركيا يهمها، في سورية، أكثر من منع إقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية. وهذا الهدف التركي لا يمكن ضمانه مع نظام متفسخ ومنهار تريد له روسيا أن يسيطر، تحت جناحها، على كامل الأراضي السورية.

المنتصر الثاني على حلب وأهلها هو إيران ولي الفقيه التي ليس في واردها أصلًا أي حلول سياسية، بل تريد لسورية أن تكون عراقها الثانية: صراع ضد السنة، في البلدين، إلى النهاية. أي صراع بلا نهاية، مع تغيير الديموغرافيا، بقدر ما تسمح الظروف وموازين القوى، باتجاه توطين الشيعة حيثما تم تهجير السكان في المدن والبلدات السورية، مع استمرار حكم عميلها في دمشق وضواحيها القريبة، ولبننة القلمون شيعيًا لمصلحة فرع حرسها الثوري في لبنان. ثلاثة أجندات مختلفة، بل متعارضة، اجتمعت في موسكو لتثمير النصر الروسي، فكان نصيب روسيا منها أشد هزالة حتى من نصيبي شريكيه: «لا أحد يطالب بتنحي الأسد» قال الروسي وكأنه اكتشف كنزًا مخبوءا. أهذا هو ثمن 15 شهرًا من القصف الجوي المركز وتدمير حلب وتهجير سكانها؟ أم أن بوتين يأمل في استمرار السيطرة الاستعمارية الروسية على سورية بعد تسليمها لحكومة من انتاج الآستانة وحميميم؟ هل بلغ عمى القوة البربرية بالروس درجةً لا يعرفون معها أن الهزيمة الماحقة لأحد طرفي صراع دموي لا يمكنها أن تنتج حلولًا سياسية قابلة للتطبيق؟ ألا يدرك الروس أن سحق حلب بالطريقة التي تمت بها، وبالأدوات الإيرانية على الأرض، قد دفنت تحت ركام المدينة أي حل سياسي؟

من سيجرؤ من سياسيي المعارضة، بعد حلب، على الدخول في شراكة مع الإيرانيين وعميلهم المحلي على حكم سورية تحت الوصاية الروسية، غير أولئك الذين لا يمثلون إلا أنفسهم كرندة قسيس وهيثم مناع وأمثالهما؟ هذا على فرض تسليم الإدارة الأميركية الجديدة سورية لروسيا، على ما يأمل بوتين، وهو افتراض لا سند له غير بعض تصريحات دونالد ترامب. وعلى فرض رضوخ القوى الإقليمية والدولية الأخرى لهذه القسمة الروسية. أما الفصائل العسكرية التي يأمل الروس في إشراكها في «حوار الآستانة» فقد لا يبقى من رصيدها الميداني شيء من هنا إلى حين مشاركتهم فيه، في الوقت الذي يشهد فيه عالم الفصائل المسلحة مراجعات واتهامات متبادلة، ومساعٍ تجميعية مرتجلة، يمكن تلمس بعض وجوهها ومشكلاتها في مقالة لبيب النحاس، في جريدة الحياة، بعنوان: («انتصار» فوق الركام: أولويات ما بعد حلب)، لعل أبرز ما فيها اهتمام بالغ بوجوب كسب الحاضنة الشعبية وتوكيد على الوطنية السورية مما لا تستسيغه الفصائل السلفية عادةً، إن لم نقل لا تعترف بهما، وخاصةً في الممارسة.

أما تركيا، الطرف الثالث في لقاء موسكو، فهي، بخلاف شريكيها الروسي والإيراني، ليست من نادي المنتصرين، بل من الخاسرين، على الأقل من وجهة نظر بعض المعارضة المسلحة والسياسية اللتين تتهمانها بالتخلي عن حلب، إن لم يكن بـ»بيع حلب» للروسي مقابل عملية درع الفرات. وهكذا بات رصيدها في الميدان يتراجع تراجعًا حادًا، مقابل تورط جيشها في وحول الصراعات في الشمال السوري.

فالعملية التركية التي بدأت في شهر آب الماضي بنحو 600 جندي تركي من القوات الخاصة، أصبح عديد قواتها يفوق اليوم عديد فصائل الجيش الحر الحليفة، وصولًا إلى 3000 من القوات التركية، إضافة إلى السلاح والعتاد، في عملية عسكرية رجراجة الأهداف، غير مضمونة النتائج، وكلفة بشرية ترتفع باطراد (نحو 38 قتيلًا إلى الآن) وانعكاسات غير محمودة على الداخل التركي.

غير أن الخسارة الأكبر لتركيا هي التحاقها الاضطراري بروسيا، وابتعادها، بالمسافة نفسها عن حلفائها التقليديين في حلف الناتو، وخاصةً الولايات المتحدة. فالعلاقة التركية المتدهورة باطراد مع واشنطن هي المشكلة الأهم، من منظور مفهوم الدولة التركية لأمنها القومي، ذلك المفهوم المتمحور حول الموضوع الكردي. فكلما ابتعدت تركيا عن واشنطن نحو موسكو، كلما ازداد التحالف الأميركي ـ الكردي متانةً. ولعل أكثر ما يخشاه القادة الأتراك اليوم هو أن يكون المقصود بالسماح الأميركي تزويد المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطيران محمولة على الكتف، إنما هو وحدات حماية الشعب، الذراع العسكري للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وبالنظر إلى السياسة الأميركية في الصراع السوري، يمكن القول إن المخاوف التركية بهذا الخصوص تملك قدرًا كبيرًا من الوجاهة.

كل هذا ولم تدفع تركيا، بعد، فاتورة اغتيال السفير الروسي على أراضيها.

(*) كاتب سوري

مقالات ذات صلة

إغلاق