مقالات الرأي

اليسار والقيمة والفراغ

أعاد موت كاسترو قبل مدّة طرح مشكلة اليسار من جديد، ولأننا في مرحلة تاريخية يجتاحها اليمين كجراد نهم لأرض جديدة، بحيث يلتهم الغرب ليأتي على شرقه، ويتحالف مع المجرم برأس مرفوعة وفارغة، وعنصرية تتفاخر بنفسها؛ لابد لنا من أن نرى ونقوِّم أزمة اليسار، بوصفه إشكالية واقعية في منطقتنا والعالم، يتجلى المُحدَّد اليساري منها بطريقة “مِرآوية” تعكس أبشع أنواع اليمين، وتبزّه في الفاشية والتحالف مع الفاشيات “العلمانية” العسكرية والطائفية، بينما يظل اليسار غير المحدد وغير المؤدلج، أو المُعبأ، تائهًا بلا شكلٍ ولا تأثيرٍ ولا حاملٍ سياسي ذي قيمة.

في الثورة السورية ثمة جماعات وأفراد متباينة جيليًا، لا تجد موقعها ضمن اليسار المهزوم والفاشي المتبقي من انهيار إمبراطوريته السوفياتية، لكن لا يمكن أن يعرِّفوا أنفسهم، في الوقت ذاته، إلا يساريًا، وإلا بالضد من اليمين الصاعد، سواء أكان بوجهه الديني الإسلامي الذي تلبَّس الثورات بقوة الأمر الواقع والحرب الطويلة، أم بوجهه ما بعد الحداثي الغربي الذي يختلط فيه الديني بالقومي، والإتجار بالعنصرية، والشعور بالتفوق، مع الخوف والتخويف من المهاجرين و”البرابرة”.

لا بد من القول -بدايةً- أن اليسار في أصله المفهوميّ، كثَّف معنى التحرر والكرامة الإنسانية العامة، مثلما كثّف اليمين في أصله المفهوميّ معنى القيود والكرامة الامتيازية الخاصة، وتجلى ذلك في النمطين “المفهوميين”: الشيوعي والرأسمالي، أما في التاريخ، فقد انطلق اليسار من أهمية الحرية بما تعنيه من تحرر وتحرير، ليصل إلى العبودية والدولة الشمولية، بينما انطلق اليمين من أهمية القيود والاستعباد والاستغلال؛ ليصل إلى تحرير بشري كبير، ودول ديمقراطية غنية وحرة.

مع الثورة البلشفية تشكَّل اليسار دينًا أرضيًا بديلًا عن الأديان السماوية، تلك الأديان التي تعلَّق بها اليمين إرثًا محافظًا يُعبر عن مصالحه المتوارثة، ويتشابك ضمنها الدين والسلطة والمُلك. لذلك؛ بات اليساري هو من يؤمن بقضية؛ وهي بالأصل قضية إنسانية، وأصبح إيمانه مرتبط بقدرته على التضحية بذاته الخاصة؛ فداء للقضية العامة.

وبعد انهيار امبراطورية اليسار العظمى واندماج “رأسمالية الدولة” في الدولة الرأسمالية؛ مثلما حدث -وما يزال- مع روسيا والصين، لم يعد لليساري قضية يؤمن بها، ويدفع حياته ثمنًا لها ويرى العالم من خلالها (كان تشي غيفارا أنموذجًا)، بل تحوَّل اليسار العالمي نحو قضايا المجتمع المدني والفن وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات والنساء والمثليين، وغير ذلك مما سمَّاه صادق العظم “خط الدفاع الثاني”، وكان هيربرت ماركوزه قد عوَّل منذ كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد” في الستينيات، على تلك الفئات المذكورة، بوصفها المؤهلة التي ستقود ثورات المستقبل.

في الثورة السورية كان اليسار -بمجمل تنويعاته وفئاته المؤدلجة و”الحزبية”- يسارًا قديمًا ومفوَّتًا بالقياس على حركة المجتمع وقيم وثقافة الأجيال الشابة، وإن كانت ثقافة وقيم الحرية والكرامة والمساواة والعدالة والخلاص من الاستبداد وبناء الديمقراطية التي أخرجت الشباب إلى الشوارع، ليست بعيدة عن اليسار، بوصفه مفهومًا واسعًا، إلا أنها كانت قيمًا مرتبطة بالحياة المعاصرة بما تعنيه من ارتباط بالرأسمالية والليبرالية والعولمة، وأما قيم اليسار التاريخي المرتبطة بالتضحية الفردية والايمان المطلق بالقضية، والتشابك العضوي، والهرمية، ومركزية القرار، فلم تكن موجودة، وهذا بالمجمل أفرغ اليسار من محتواه الأيديولوجي؛ ليصنع -في المقابل- مشكلة مركّبة لم تشفَ منها الثورة السورية إلى اليوم، فمن جهة أولى كان ما ملأ مكان الفراغ اليساري هو أيديولوجيا إسلامية أكثر تماسكًا وشعبية، حيث أسهم العنف المتصاعد في زيادة تماسكها وانتقالها إلى أطوار أكثر تطرفًا وعدوانية، وابتعادًا عن مسار الثورة وأهدافها الديمقراطية، ومن جهة ثانية، شكّل اليسار المؤدلج المتبقي عقبة مثلَّثة أمام الثورة، فهو إما انخرط في مشروعات إصلاحية سياسية مع النظام، مثّلت طعنةً في ظهر الثورة، وإما انخرط في الثورة ضمن جبهات وهيئات مستقلة، أسهم انعدام حاملها الاجتماعي الواسع في شرذمة القيادة السياسية للثورة، وإما انخرط مع الإسلاميين في جبهات مشتركة، دون وزن ودون تأثير على الأرض، ودون محاسبة أو صدقية نحو الداخل أو نحو المجتمع الدولي.

الكتلة الأكبر من النساء والرجال والشباب التي يمكن حسابها ضمن اليسار غير المؤدلج، المؤمنة بالثورة والمعادية -تكوينيًا وقيميًا- للنظام والإسلاميين معًا، تحوّلت؛ نتيجة لتراكب عنف النظام وغياب التحزّب والتنسيق المركزي، من النضال الثوري والسياسي (مظاهرات، اعتصامات، حمل سلاح) إلى النضال الإنساني الإغاثي بداية 2012، ثم تتابعت في الخروج من البلد، لتتحول إلى نضال ثقافي أو “فيسبوكي” أو إغاثي خارجي، أو كتابي صحافي وبحثي.. إلخ. لتترك ساحة المعركة؛ كليًا أو جزئيًا، للنظام والإسلاميين والطبقات المُفقرة وغير المتعلمة وغير القادرة -بحكم الواقع- على ترك البلد. الفراغ اليساري تشابك مع قيم حب الحياة والفردية وانعدام التأدلج ومعاداة التحزّب، وهي قيم معاصرة لا يمكن نفي أهميتها، لكنها قيم بلا حامل سياسي، لا على الصعيد الدولي؛ كما أثبت الأصدقاء قبل الأعداء، ولا على الصعيد المحلي، مثلما أثبت النظام الطائفي والميليشيات الإسلامية الطائفية. وبالتالي؛ كان المصير المُحتَّم لذلك الفراغ وتلك القيم هو الفوضى، وخسارة الثورة لأي بديل سياسي متماسك ممكن.

الآن، ليس لدينا أي آمال بعودة اليسار المذهبي إلى الحياة، فليس سوى الله من “يحيي العظام وهي رميم”، لكن يبقى السؤال المفتوح والمشروع والإشكالي: من يملأ هذا الفراغ؟ وكيف يمكن اختراق ذلك “التحالف الموضوعي” بين يمين غربي ما بعد حداثي، غير معني بكل قيم الغرب ومنجزات الحداثة في إطار الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات العامة والخاصة، وتطرّف ديني إجرامي ما قبل حداثي يُظهر إلى السطح كل أنواع الطائفيات السنية والشيعية والأقلياتية؛ ليرسم مستقبلًا مكللًا بالسواد لسورية والمنطقة بأسرها؟

مقالات ذات صلة

إغلاق