مقالات الرأي

الثورات تسير عكس التاريخ

ما أن تندلع الثورات حتى تتحول إلى محور اهتمام عصرها. هذا أول درس من دروس تاريخ الثورات الكبرى. والثورة السورية هي حضور لتلك القاعدة في أقوى صورها. ولكن دعونا نتأمل، لماذا كل ذلك الاهتمام العالمي الكبير بالثورات؟

هناك ثلاثة أسباب على أقل تقدير:

الأول، أن دوافع أي ثورة هي دوافع إنسانية كبرى، وسعي لتحقيق الحلم التاريخي الكبير بإقامة مجتمع العدالة والحرية والمساواة، ولا يوجد أي مجموعة بشرية على وجه الأرض إلا ولديها الاهتمامات نفسها بتلك الدوافع. ولذلك؛ فإن اندلاع أي ثورة في أي بقعة من الأرض سرعان ما يدفع المجتمعات، المتقدمة منها والمتخلفة، التي أنجزت ثوراتها وتتطلع لإنجازها في المستقبل، إلى الالتفات لهذه الثورة ومتابعتها، طالما أن جميع البشر غير راضين عن أحوالهم.

أما السبب الثاني، فيعود إلى أن تأثير الثورات سرعان ما يمتد؛ ليشمل أوسع نطاق ممكن. وتجارب الثورات الفرنسية والأميركية والروسية وغيرها، يُبيّن أنها سرعان ما امتدت إلى مناطق بعيدة، وقلبت أنظمة الحكم في دول كانت تعتقد أنها بعيدة كل البعد عن مجال تأثير تلك الثورات؛ حتى أن غالبية الدارسين للثورات يجعل من الثورة الفرنسية إحدى نتائج الثورة الأميركية، وأن ثورات عام 1848 هي متابعة للثورة الفرنسية، وأن ثورة عام 1917 في روسيا هي متابعة للثورات السابقة. وهذا يعني أنه يمكن النظر من زاوية معينة إلى أن تاريخ العالم الحديث هو تاريخ ثوراته، وأنه في حال اندلاع أي ثورة فالجميع يمكن أن يتأثر بها.

ويعود السبب الثالث في شدة الاهتمام بالثورة السورية –وهو السبب الأكثر أهمية- إلى أن الخاسر الأكبر من الثورات عادة ما يكون القوى الكبرى صاحبة النفوذ في عصرها، ولذلك؛ نجد أن تلك القوى من أكثر الأطراف عرقلة لتلك الثورات. هكذا كان الخاسر الأكبر من الثورة الفرنسية، والثورات التي تلتها الأنظمة الملكية التي كانت تسيطر على أوروبا في ذلك العصر، مثلما كان الخاسر الأكبر من الثورة الأميركية في حينها الإمبراطورية البريطانية العظمى.

هذا يعني أن الوعي السياسي لدينا نحن السوريين لم يكن على مستوى ثورتنا، وأن مستوى توقعاتنا من العالم الخارجي، بدوله المختلفة، القريبة منها والبعيدة، الديمقراطية منها والاستبدادية، الصديقة منها للشعب السوري والعدوة، كان يجب أن يكون أكثر واقعية وصرامة.

الخبر السار لكل شخص مؤمن بالثورة على الطغاة، أن تلك الثورات انتصرت في النهاية، على الرغم من وقوف أضخم الإمبراطوريات ضدها، وعلى الرغم من كل التعقيدات والصعاب التي مرت بها.

الواقع المُعقّد للثورة السورية اليوم، والمآزق الذي تمر به، وتسببت به القوى الإسلامية العسكرية، وتعاملها المشبوه مع الثورة ومجرياتها من جهة، إضافة إلى الدعم منقطع النظير من قوى كبرى للنظام الأسدي، لا يعني في النهاية أنه لم يعد للسوريين أي دور في ثورتهم، بل على العكس تمامًا. فمن أشعل الثورة السورية في وجه نظام يُعَد من أكثر أنظمة المنطقة تنظيمًا ووحشية، بالتأكيد قادر في النهاية على الاستمرار في ثورته.

ذلك أن أصعب مراحل الثورات –كما يقول تاريخ الثورات- هو بداياتها وليس نهاياتها، وهذا هو الخبر السار الثاني، وما ضخامة التدخل الدولي سوى دلالة واضحة على أن الأوضاع ما زالت منفتحة على احتمالات كثيرة.

من الواضح أن الانتصارات الأمنية والعسكرية التي حققها النظام، لن تُقدّم ولن تُؤخّر في شيء، فلو كانت تفيد في شيء لما تمكّن مجموعة من طلاب إحدى المدارس في درعا، وعدد من المحتجين في أحد أسواق دمشق القديمة من زعزعة نظام كان يُروّج لنفسه بأنه سابع أقوى جيش في العالم. هذا الجيش الذي اضطر لجلب مساعدات عسكرية وبشرية من عدد لا يستهان به من دول المنطقة، حتى أن جنوده أخذوا يشتكون من أن القادمين الجدد أخذوا يعاملونهم على أنهم جنود من الدرجة الثانية.

قد تكون الثورة السورية في مأزق، وهذا صحيح تمامًا، ولكن الخبر السار الثالث، أن النظام وحلفاءه مقبلون على أوضاع مُعقّدة أكثر من الأوضاع المعقدة للثورة، فالخلاف بين روسيا وإيران على الأبواب، والميليشيات المحلية أصبحت دولة في قلب دولة، دون أن ننسى إلى أن سورية تحولت إلى شيء لا يشبه الدولة كثيرًا، أو ما يسمّى عادة بـ ” الدولة الفاشلة “، وأن رئيسها لا يستطيع الخروج خارج سورية إلا بطائرة حربية لدولة أجنبية، وأنه آخر من يعلم أن هناك وزير دفاع دولة أخرى موجود على أراضي دولته، يضاف إلى ذلك كله مشروع فصل “شمال سورية” تحت إدارة كردية، وعاصمة أخذت تفتقد حتى الماء.

الأصل في الثورات أنها تسير بعكس التاريخ.

مقالات ذات صلة

إغلاق