قضايا المجتمع

عمر أميرلاي… كاشف سوءات البعث

عمر أميرلاي مُخرج سوري أسّس للغة جديدة في المنتج السينمائي التسجيلي العربي، تجاوز بجرأته حدود الزمان والمكان، غير مكترث لقمع النظام، مُستغلًّا فهمه السطحي للفن ورسائله، ليوجّه -من خلال أفلامه- مضامينَ ثورية، تجلّت -بوضوح- في نقده للمؤسسات المُحدثة في عهد الأسد الأب، مسلّطًا الضوء على المشكلات المجتمعيّة وفساد السلطة وتعّفنها. وعلى الرغم من أنه قضى معظم حياته في فرنسا إلا أنه لم يبتعد عن قضايا الوطن.

وُلد عمر أميرلاي في دمشق عام 1944، في أسرة من أصول مختلطة، شركسية وتركية وعربية، وكان منذ صغره هاويًا مُتمرّسًا للرسم؛ ما منحه فرصة لنشر رسوماته في عدد من الصحف السورية واللبنانية.

دخل كليّة الفنون الجميلة في دمشق، ولكنه لم يستكمل تعليمه فيها، فسافر إلى باريس لدراسة السينما، وهناك أيضًا لم يتسنّ له إكمال تحصيله الأكاديمي؛ بسبب انتفاضة الطلبة بباريس عام 1968، فعاد إلى سورية ليدخل عالم السينما التسجيلية، ولكنه اصطدم بالواقع المُكبِّل والأحلام الهامدة.

ارتبط اسمه بفيلم (طوفان في بلد البعث) الذي أخرجه عام 2003، وانتقد من خلاله سياسة “حزب البعث” الحاكم في مجاليّ التربية والتعليم، والذي كان من المفترض أن يكون عنوانه “خمسة عشر سببًا لكرهي حزب البعث”.

أبصر المستقبل بعدسة كاميرته وبعينه المجرّدة ودأب يستزيد علمًا، ثقافة وأدبًا، ليُطوّر أدواته وفكره، ويرفع قدراته التحليلية. خبِر الحاضر واستقرأ أيّ مستقبل ينتظر السوريين.

ابتعد عن الدعاية والإعلام والسلطة والمال، كما ابتعد عن الادّعاء والكلام، والتفت إلى العمل الجاد، منبّهًا الناس إلى مصيرهم البائس في ظلّ بقاء النظام الجائر.

شعر بالقيود التي تُكبّل إبداعه وتُطفئ موهبته؛ فعاد إلى باريس عام 1980، وعمِل لصالح محطّات تلفزيونية مختلفة.

امتدّت تجربته السينمائية لأكثر من 30 عامًا، استطاع خلالها إنجاز منتج سينمائيٍ جديد في معالجة مشكلات المجتمع، وأبرزت أفلامه نزعة انتقاد سياسية مُعلنة وناصعة.

حقّقت أفلامه شهرة عالمية، وعُرضت في بعض أهم المهرجانات المختصّة بالسينما التسجيلية في العالم، مثل “مهرجان أمستردام الدولي للأفلام التسجيلية”، ومُنعت معظم أفلامه من العرض في وطنه سورية لأسباب رقابية، كما حظرت أجهزة الأمن والمخابرات عليه -في بعض الأحيان- مغادرة سورية لأسباب سياسية، مبرهنةً على عدم رضاها عمّا يقوم به.

كان له دور بارز في ربيع دمشق عام 2000، وتوفي في الخامس من شباط/ فبراير 2011 عن عمر يناهز الـ 67 عامًا، في إثر جلطة دماغية في بيته في دمشق، تاركًا “الحياة اليومية في قرية سوريّة”، و”الدجاج” و “عن ثورة” وغيرها من أفلام مثّلت علامة فارقة في المنتج التسجيلي العربي.

بعد وفاته بنحو شهر، اندلعت شرارة الثورة السورية؛ ما دفع عددًا من الأقلام السورية للكتابة عنه واستذكاره في هذا الحدث؛ كونه طالما حرّض على الثورة والفكر الثوري عبر أفلامه، وقبل وفاته بقليل، حُمّل عددٌ من أفلامه الممنوعة على موقع يوتيوب؛ ليستطيع السوريون مشاهدتها والاستلهام منها.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق