قضايا المجتمع

“”الإسلاموية””… هل هي مقدمة للتنوير؟

مَنْ درس ظاهرة التحول المفصلية في تاريخ المجتمعات البشرية؛ سيلاحظ أن هناك إرهاصات مختلفة سبقت ذلك التحول؛ منها وجود أيديولوجيا متشددة لا تقبل بالآخر، وتمارس العنف ضده؛ ما يدفع بالمجتمع إلى البدء بخطوات إصلاحية تنويرية باتجاه وعي حضاري معاصر؛ تجعل الحاضنَ الاجتماعي مُلتفًا حولها رافضًا النمط الراديكالي؛ كي يستعيد وجوده ضمن النسق الحضاري العالمي من خلال تنمية علمية حقيقية، فيضع المفكرون والفلاسفة منهجًا تنويريًا يحقق عملية التحول والتغيير التاريخية. وهذا ما وقع تمامًا في بداية عصر التنوير بأوروبا بعد معاناة كبيرة من الحروب المذهبية والعرقية؛ ذهب ضحيتها عشرات الملايين! وكأن هذه المرحلة وهذا التحول سيرورة مجتمعية. حول هذا يقول غرامشي: القديم يحتضر والجديد لم يُولد بعد وفي هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها.

مجتمعنا يعاني في العقود الأخيرة من ظاهرة راديكالية طفت على سطح الأحداث، تُقَدِم نفسها باسم الدين! تقودها سلفية جهادية تعتمد تفسيرات حدّيّة للإسلام مستندة على مقولات تراثية لفقهاء سابقين؟ مشروعها السياسي عابر للوطنية ورافض للمواطنة وغير معترف بالآخر ويعمل على تكفيره وإلغائه الفيزيولوجي حتى تغول كثيرًا في “إسلامويته”.

فما المقصود بـ “”الإسلاموية””

ظاهرة تدّعي التدين ولا تقبل بوسائل المعاصرة السلمية والديمقراطية عند اختلافها معه! تعمل على فرض رؤيتها بالقهر؛ وتقوم سياستها على استنساخ نموذجها الراديكالي لتفرضه على المجتمع بالقوة مظهريًا وفكريًا وسلوكيًا، وتفهم النص الديني فهمًا حديًّا؛ لتقدمه بوجهه العقابي بذريعة تطبيق الشريعة! رافضًة الوجه التسامحي والإنساني الأصيل له؛ لا تقبل التعايش مع الآخر ولا التفاهم معه حتى من هو داخل الدائرة الإسلامية! العنف باسم الجهاد سبيلها الوحيد لتحقيق مشروعها؛ ولقد تجلّت في الربيع العربي من خلال الظاهرة الداعشية وأخواتها.

تقوم أيديولوجيتها على مفهومات راديكالية، كمفهوم “الولاء والبراء” المؤسس للقطيعة بين أبناء المجتمع، وتستند على قراءة عضينة لمفهوم الحاكمية الإلهية كما ترفض المعاصرة وشرائطها كالديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني والمواطنة؛ وتزعم أنها تحاول إعادة نظام الخلافة الراشدي دون الأخذ بعين الاعتبار تطور شكل الدولة خلال القرون الماضية؟ لتفرض مفاهيمها كحالة إسلاموية مُتغوّلة جدًا في تطرفها؟ فالإسلام في فهمها لا يكون إسلامًا، إلا إذا كفّر رجم وجلد وفجّر؟! ويكون متهمًا وعميلًا إذا سامح وعفا وستر وتأنسن!

الظاهرة “الإسلاموية” مقدمة للتحول التاريخي

هذا التغول والوحشية في فرض مفهومها المتطرف للتدين؛ والحديّة في فهم وظيفة الدين ودوره في المجتمع؛ ستدفع الحضن الاجتماعي المتدين كي يكفر بها؛ وهنا تبدأ حركة التنوير والإصلاح بعملها.

مرّت ظاهرة “الإسلاموية” بثلاث مراحل الأولى في نهاية السبعينات، إذ بدأت بذورها بالظهور في مصر من خلال (الجماعة الإسلامية) وقامت بأعمال عنف متعددة توجتها باغتيال (السادات) حتى تم القضاء عليها منتصف التسعينات؛ لتجري مراجعات وتتبرأ من خطها الإسلاموي، إلا أنّ بعض مُنظّريها كان لهم دور في تأسيس (تنظيم القاعدة) خزان السلفية الجهادية الناشئ بتحالف استخباراتي سعودي/ أميركي المستخدم لمحاربة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان؟! فكانت هذه المرحلة الثانية من “الإسلاموية”، وبعد نجاحهم بمهمتهم في أفغانستان تم التخلي عنهم؛ فاختلفوا مع الأنظمة التي أنتجتهم، ليتحولوا إلى استراتيجية الجهاد العالمي وتقسيم العالم إلى فسطاطين! حتى جرى القضاء عليهم عام 2002، من خلال حملة عسكرية قادتها الإدارة الأميركية تُوِجَت بإنهاء “إمارة طالبان” الحاضن الأهم للسلفية الجهادية.

أما مرحلتها الثالثة والأخيرة، فتمثلت بظهورها بعد احتلال أميركا للعراق 2003 لتنبعث مجددًا من خلال تحالف مهم مع ضباط من الجيش العراقي السابق؛ فأسسوا مجلس شورى المجاهدين عام 2006 ليكون النواة للمولود الإسلاموي الثالث المعروف باسم (داعش) واستغلت الربيعَ العربي لتعلن عن نفسها تحت مسمى (الدولة الإسلامية) فتسللت إلى الحالة السورية وسَطَت عليها وحرفتها عن مسارها الوطني؟! مُشوهًة الربيع العربي ومُسيئًة لسمعة الإسلام حتى بات الربيع العربي يوصم بالإرهاب؛ بسبب هذه الظاهرة “الإسلاموية”.

الدور المشبوه

هناك دور مشبوه لوظيفة النماذج “الإسلاموية” الثلاثة المذكورة آنفًا؛ فالجماعة الإسلامية بدأت مع ظاهرة الصحوة الإسلامية نهاية السبيعنات، وكانت سياسة (السادات) آنذاك تقوم على استخدام تيار الصحوة لضرب التيار القومي واليساري المناهض لتوجهاته بالسلام مع إسرائيل والذهاب بالاتجاه الأميركي مبتعدًا عن الاتحاد السوفيتي؛ فاستخدم السادات تيار الصحوة ضد هؤلاء حتى جاءت معاهدة (كامب ديفيد) لتنقلب عليه وتغتاله.

أما تنظيم القاعدة، فقد استخدمته الإدارة الأميركية رأس حربة؛ ليقاتل عنها بالوكالة في أفغانستان، وبعد انتهاء دوره وعودة (الأفغان العرب) إلى بلادهم وقع خلاف بينهم وبين الأنظمة العربية؛ فعادوا إلى (قندهار) مُدركين أنهم استُخدموا ضمن لعبة الحرب الباردة؛ لينقلبوا بحديّة ضد أنظمتهم والولايات المتحدة، معلنين بداية جهادهم العالمي ضد فسطاط الكفر وتوجوه بأولى عملياتهم من خلال تفجيرات نيروبي ودار السلام عام 1998.

بالنسبة للدور “الداعشي” هناك شبه تأكيدات على أنه مخترق استخباراتيًا؟ حيث نجح بامتياز في إفشال “الربيع العربي” ليحوله من انتفاضة حقوقية تعاطف الرأي العام العالمي معها، إلى ظاهرة “إسلاموية” أعادت إحياء نظرية (الإسلاموفوبيا). وما العمليات التي تبنتها (داعش) في بلجيكا وفرنسا وألمانيا، إلا دليل على هذا الدور؛ لينقلب الرأي العام الغربي والرسمي في موقفه من الربيع العربي.

مما تقدم، وبدراسة الظواهر التاريخية في تحول المجتمعات بنظرتها للدين ووظيفته ودوره نستطيع القول: إن حركات الإصلاح والتجديد التنويرية التاريخية، بدأت عملها وأوقدت مصباح التنوير الأول بعد رفض المجتمعات السلوك العنفي للحركات المتطرفة؛ لتبدأ عملية تصحيح فهم دور الدين ووظيفته في المجتمع وعلاقته بالدولة.

بمعنى آخر هي عامل دفع ــ على الرغم من سلبيتها العنفيةــــ في التحول التاريخي لوعي المجتمعات فيما يجب أن يكون عليه الدين؛ فالخالق عز وجل ليس عاجزًا كي يرسل بعض مخلوقاته ليقهر عباده على دينه؛ ويحولهم إلى قنابل متفجرة تعيث فسادًا في المجتمعات الآمنة، ولم يسلك هذا السلوك أي نبي من الأنبياء عليهم السلام؛ إنما كان البرهان العقلي والحكمة ديدنهم في الدعوة إلى الله.

إننا على يقين بأنّ هذه “الإسلاموية” المتوحشة بدأت نهايتها، وأنّ الوعي التنويري بدأ يضع لبناته الأولى في وجدان المسلم الذي طلّق هذه التنظيمات وكفر بها، ليتحول في فهمة لرسالة الإسلام من حالة صراعية مع الآخر وقطيعة، إلى تشاركية معه من خلال القيم الإنسانية، ليعود مجتمعنا ليمارس دوره الحضاري مُتسلحًا برسالة السماء الإنسانية المقاصد؛ التكافل الاجتماعي والعدالة والمواطنة هدفه.

ولكن، كيف نستطيع الوصول إلى هذا

لكي نحرق المراحل، ولا تخوض مجتمعاتنا بثقافة التكفير والتفجير والتدمير أكثر، ونوقف شلال الدم باسم الدين، فإن ذلك يتطلب وعيًا مجتمعيًا قائمًا على العقلانية، يفهم مقاصد الدين الإنسانية وحاجة المجتمعات البشرية للتدين كثقافة حياة لا ثقافة موت؟ وأن هذا العصر هو عصر الإنسان الذي قال الله عنه عندما استفهمت استنكاريًا الملائكة عن علة (إني أعلم مالا تعلمون) وأن البشر كلهم إخوة لا يحق لأحد قهر الآخر على فكر أو معتقد أو أيديولوجيا، كما هي دعوة القرآن الرافضة للإكراه بكل صوره.

حتى يتم ذلك، لا بد من مصالحة في مجتمعاتنا تاريخية وشجاعة بين الإسلاميين والعلمانيين؛ تُنتِج مشروعًا وطنيًا؛ كي نبدأ خطواتنا نحو نهضة نستحقها بعد عصور من الاستبداد والقهر وثقافة القطيعة فيما بيننا بمُسميات طائفية ومذهبية وعرقية، وإيمان بأنّ المواطنة لم ولن يقف ضدها الإسلام؛ لأنه يقوم على مبدأ أساسي هو العدل. فهل ستكون ظاهرة “الإسلاموية” المتوحشة مقدمة لعصر التنوير؟ كل ما نحتاجه يتمثل بقابلية الاستجابة للتنوير حتى يحدث التغيير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق