سورية الآن

الثورة السورية في مواجهة الحروب بالوكالة وطموحات الهيمنة

«الانتصار» على حلب، لم يكن «انتصاراً» لأحد، بل كان هزيمة في جولة من جولات الحرب ضد الثورة السورية والشعب السوري، بما هو صاحب الأرض والوطن، فالشهباء بتاريخها وتاريخ ناسها ليست «مكسر عصا» لنظام أثبتت سنوات هيمنته على السلطة، أنه لا ينتمي إلى وطنه وإلى شعبه، بل إلى مصالحه ومصالح أتباعه والمستفيدين منه.

الآن، وقد دخلنا في مرحلة ما بعد حلب، لم يعد بالإمكان مواصلة الحرب أو إدارتها كما كانت منذ البداية، بعد أن تبدل العديد من التحالفات وتغيرت الرؤى عند معظم الأطراف، إلا النظام فقد بقي على قديمه، لم يتغير، بل بقي ينتظر أن تتحول المعارك والصراعات «الأصيلة» منها و«الوكيلة»، لتزيده قوة وتدفع به نحو انتظارات أخرى، على أمل أن تأتي الحروب المتنقلة داخل سورية، وجولات المفاوضات الروسية – الإيرانية – التركية – الأميركية – الأوروبية لمصلحته.

ولئن لم يكن ممكناً تجاهل صنوف الإرهاب التي حبلت بها الأزمة السورية، بدءاً من إرهاب النظام وإرهاب الوحش «الداعشي» الذي سبق وتمّت تغذيته من جانب النظام وأضرابه في المنطقة، كذلك ما كان ممكناً تجاهل أو التغاضي عن إرهاب من زج بهم النظام الإيراني من ميليشيات ومرتزقة ومحاربين طائفيين في حرب الدفاع عن نظام آل الأسد، كنظام لا يتعارض في وجوده واستمراره مع مسألة تمدد النفوذ الإقليمي لنظام له طموحات إمبراطورية وظف لها ولأطماعه في الهيمنة قوى طائفية ومذهبية، ومرتزقة من أتباع بهويات مختلفة.

حشد الروس والقوى الدولية الأخرى، إضافة لقوى إقليمية مختلفة، عديدهم في معارك الإرهاب المتواصلة ضد الشعب السوري، آملين إبقاء المعركة في إطار الحرب على الإرهاب (الداعشي)، رغم أن الإرهاب لا يقتصر على اتجاه وتوجهات طرف واحد من أطراف الجبهات المتقاتلة، ففي كلا الطرفين هناك قوى إرهابية لا تقل ظلامية وإجراماً ووحشية عن «داعش»، فالحشد أو الحشود الطائفية المدعومة من جانب ما يسمى الحرس الثوري الإيراني، هي العديد «الداعشي» المقابل للعديد «الداعشي» الذي تمّ إطلاقه تمهيداً للهيمنة الإيرانية في العراق، وها هي الهيمنة تتمدد إلى سورية، بل هناك من يحلم بـ «تحرير» الموصل والبحرين واليمن، بعد تحرير حلب، كما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) على لسان نائب قائد الحرس الثوري الإيراني العميد حسين سلاميان، كل هذا باسم ديماغوجيا تتشدق بـ «الإسلام» و «الفتوحات الإسلامية» فيما هي تنتسب للأحلام الإمبراطورية الفارسية، أي لقومية ينتمي لها نظام الولي الفقيه، وهذا أبعد ما يكون عن الإسلام كدين، وذلك نوع فاقع من خلط الدين بالسياسة، والسلطة بالمصالح والنفوذ.

وإذا كانت الثورة السورية التي انطلقت منذ البداية كثورة ضد النظام، يقوم بها الشعب السوري وقواه الوطنية والسياسية المعارضة، بالأصالة لا بالنيابة أو الوكالة، فقد تمّ الاستيلاء على أقسام منها وتحويلها إلى ثورة بالوكالة عن الشعب، من دون خيار أو اختيار، فقوى السلطة الرديفة من قوى الثورة المضادة التي تشكلت من قوى «الإسلام السياسي»، وقوى «الإسلام الإرهابي» وسلفيي النصوص الظلامية، جميعهم شكلوا العصا السلطوية الغليظة، إلى جانب عصا الاستبداد البوليسي للنظام، وسلطته القمعية وشبيحته وميليشياته المحلية، قبل أن يأتي المدد الطائفي من لبنان، ثم من العراق وباكستان وأفغانستان تحت رعاية وبدعم وإسناد متطوعين طائفيين من إيران، عبر ما يسمى «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري في إيران.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تقرير نشرته «شبــيغل أون لاين» بتاريخ 11/ 12/ 2066 ذكرت فيه أن هناك 13 ميليـــشيا عراقية تشارك في الحرب السورية إلى جانب النظام، بدعم من النظام الإيراني تسليحاً وتدريباً وتمويلاً، إلى جانب القوات الطائفية المماثلة والقادمة عبر طهران من عدد من البلدان الأخرى، وكلها تشــتغل بالنيابة عن طهران، وبالأصالة عن نفسها كميليشيات طائفية، جاءت تدافع عن النظام السوري!

كل هؤلاء شكلوا بطبيعتهم وطبعهم، إلى جانب «داعش» و«النصرة» وأضرابهم من ألوية الإرهاب المتأسلم، الثورة المضادة التي وقفت سداً منيعاً في مواجهة ثورة الشعب السوري وفق حسابات دقيقة تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأمنية الإسرائيلية، فالولايات المتحدة وقفت منذ البداية بالأصالة عن نفسها وبالنيابة عن إسرائيل، موقفاً متلوناً، ولاعباً بدا في أحيان كثيرة محايداً، على الرغم من تورطها في تدريب وتزويد «قوات سورية الديموقراطية» المشكلة في معظمها من الأكراد. وفي المقابل دعمت تركيا بعض فصائل الجيش الحر، الذي أنابته عنها، أو شاركته في الدفاع عن المناطق الحدودية، ووقف أحياناً في مواجهة قوات كردية أو ذات غالبية كردية، منعاً لتقدم تلك القوات من الحدود التركية، وإمكان قيام إقليم كردي يكون نواة دولة بالتنسيق مع أكراد تركيا.

ولهذا من المؤكد أن نهاية الحرب في حلب، لن تضع حداً للحرب في سورية وعليها، فإن حروب الوكالة وبالنيابة عن الأطراف الأساسية، سوف تستمر طويلاً ليس شرطاً بالسلاح، بل وعبر المفاوضات والمساومات الجارية في جنيف والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وعبر إعلان موسكو في العشرين من كانون الأول (ديسمبر) الماضي. فالولايات المتحدة لم تعبر عن استيائها مما حصل في موسكو، ومن قبلها في حلب، فهي بين إدارتين فضلت الإقرار بأن غيابها، إن لم يكن تغييبها، يعود إلى رغبة موسكو في إظهار نفسها وكأنها استعادت نفوذها في المنطقة، وبالتالي باتت تتحكم بإدارة الصراع وبإمكان التوصل إلى اتفاق تسوية بين النظام وبعض قوى المعارضة.

في هذه المعمعة، باتت بعض التحليلات الغربية في الآونة الأخيرة، تدرك أن ما يجرى في سورية، ليس حرباً أهلية محضة، إنما هو تشكيلة من حروب الوكالة، حتى النظام ذاته يخوضها بالأصالة عن نفسه وفي الوقت نفسه بدوافع «الشراكة» والتبعية لحلفاء له في الفضاء الإقليمي والدولي، هم بدورهم يدافعون عنه بدافع المصالح والنفوذ والطموحات الاستثمارية اللاحقة في «مشروع مارشال السوري»، سواء بقي النظام أو تمّ تعديله أو حتى تغييره. أما الثورات كالثورة السورية فهي لا تموت أو تندحر، طالما أن شعبها بإرادته الحرة، يعبر من خلالها عن أصالته وحاجته الماسة للحرية والكرامة، والخلاص من نظام التسلط والاستبداد السياسي والديني، فالثورة هي الضرورة الملحة لإبداع مسارب للتغيير والتحول، ومن ثم للانتقال إلى فضاءات الخلاص والحرية، وبناء مجتمع الأحرار والسلطة الشعبية المستقلة التي تمثل شعبها حقاً، من دون وسيط أو وساطة.

(*) كاتب فلسطيني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق