تحقيقات وتقارير سياسية

موسكو تقلص وجودها العسكري… رسائل الكرملين لمن؟

قال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية، فاليري غيراسيموف: “وفقًا لقرار القائد الأعلى للقوات المسلحة الروسية فلاديمير بوتين، فإن وزارة الدفاع بدأت في تقليص حجم قواتها المسلحة في سورية”.

ونقلت وكالة (إيتار تاس) الروسية للأنباء عن غيراسيموف قوله أيضًا: “إن الأسطول البحري، بقيادة حاملة الطائرات (أدميرال كوزنيتسوف)، العامل قُبالة الساحل السوري، سيكون أول القطع العائدة”.

هذه الأخبار التي تواترت مساء أمس (الجمعة)، جاءت بعد أن أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في 29 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أنه “جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار في سورية، بضمانة روسية وتركية”، وأن روسيا “وافقت على خفض انتشارها العسكري في سورية، بحسب بنود وقف إطلاق النار بين المعارضة والحكومة السورية”.

الإعلان عن تقليص القوات الروسية، سبقه إعلان آخر في 15 آذار/ مارس 2015، بعد الاتفاق على هدنة بضمانة روسية – أميركية في شباط/ فبراير من العام نفسه، إلا أن تلك الهدنة لم تصمد؛ بسبب الخروقات الروسية، فيما بدا واضحًا أن روسيا بدلًا من تقليص عديد قواتها، زادت حجم تدخلها العسكري، وعملت على تثبيت اتفاقات عسكرية حول قواعد لها في الساحل السوري مع الأسد.

يُفسّر بعضهم التدخل الروسي العنيف في حلب بأنه جاء انطلاقًا من شعور موسكو أنها لم تحقق مكاسب حقيقية في سورية، ولا سيما بعد تلك الهدنة التي أعلنها وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، مع نظيره الأميركي، جون كيري. وقف إطلاق النار في تلك الفترة قد يُعطي المكاسب لإيران وأميركا، وتُصبح هي في الدرجة الثانية، على الرغم من بيان الكرملين من أن “المهمات الرئيسة المطلوبة من القوات المسلحة قد أُنجزت، وجرى الاتفاق على سحب القسم الأكبر من القوات الجوية الروسية”.

قد يكون الإعلان الروسي الأخير، عن بدء تقليص الوجود العسكري الروسي في سورية، رسالة لإيران وللنظام بأن روسيا ماضية نحو اتفاق أستانة، وأن خرق الهدنة المُستمر يعني تواصل القتال، ولكن روسيا لم تعد طرفًا فيه، وبذلك؛ فإن الميزان على الأرض قد يتحول لصالح المعارضة؛ لأن الطائرات الروسية لن تتدخل.

يُمكن أيضًا فهم الرسالة الروسية على أنها تطمينات للأتراك بأن موسكو ماضية بالشراكة معهم في الملف السوري، وأن الجديّة التي تعاملت بها تركيا لإنجاز اتفاق وقف النار، ستقابله روسيا بالجدية نفسها.

في هذا السياق، قد يكون القرار خطوة استباقية قبل تولي دونالد ترامب مهماته الرئاسية، وتحسبًا من مواجهة أي قرارات قد يتخذها تجاه إيران وأذرعها في المنطقة، كما كان قد صرّح سابقًا في حملته الانتخابية.

على الرغم من ذلك، فالسوريون المنكوبون من هذا النظام وداعميه، وعلى رأسهم روسيا، لا يمكنهم -حتى الآن- النظر بصورة بنّاءة إلى أي نوع من أنواع المواقف والتصريحات الروسية، إذ لم يسبق أن التزمت بإعلانها السابق، ولم تعط مبررات حقيقية لعدم الوفاء به.

يمكن القول بأن شروط ومعطيات هذه الهدنة التي ستعقبها مفاوضات أستانة، تختلف عن سابقتها من حيث الجدّية، أو الرغبة الروسية في متابعتها، فقد عمدت روسيا سريعًا إلى دعمها بقرار من مجلس الأمن، حصد إجماعًا من الأعضاء كافة، وهي تريد بذلك القول إنها تستطيع قيادة عملية عسكرية وسياسية معًا.

الأيام المقبلة ستحمل -وحدها- في جعبتها الأجوبة، ولكن مجرّد سحب ذلك الأسطول العسكري الروسي من قبالة الشواطئ السورية، بعد كل تلك المجازر التي ارتكبها، بحد ذاته مؤشر جيد للسوريين، قد يستطيعون البناء عليه في المستقبل، في حال واكبت الأفعال الأقوال.

دخلت القوات الروسية لدعم قوات النظام، في 30 أيلول/ سبتمبر 2015، ووسعت قاعدة (حميميم) العسكرية في اللاذقية على الساحل السوري، وباتت بمنزلة مقر قيادة لها، ولأسطولها الجوي والبحري، كما نشرت منظومة دفاع جوي من نوع (إس إيه – 22).

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق