أدب وفنون

ألفُ طريقة.. لِقَولِ الحقيقة

سأل مصطفى صديقَهُ آرام:

– كيف كُنتُم في عصرِ الاستبداد؛ تقولونَ الحقيقةَ؛ حين تكتبون؟

– نتذكَّرُ قبل الكتابةِ قَولَ برتولد بريخت: ثمّة ألفُ طريقةٍ لنقولَ بها الحقيقة.

– لكن الرقابةً كانت شديدةً آنذاكَ.

– بلى يا اسطيف.. فقد كانت كالحَيزَبُون؛ عُمرُهَا بعُمرِ المُعتقلات والسجون؛ تتزوَّجَ كلّ استبدادٍ حتى يزولَ؛ لتتزوّجَ مِن تَوِّهَا غَيرَه؛ فلا تُنجِبُ سوى العَسَسِ والمُخبرِينَ والبَصَّاصِين؛ ينتشرون بيننا؛ ثمَّ يترفّعُ أحدُهُم في الرُتبَةِ؛ ليصيرَ رقيبًا على ما نكتُبُه.

– فما أغلظُ قصةٍ حَصَلَت معَك؟

قال آرام:

– جاءنا مديرُ تحريرٍ برُتبةِ رقيب أول؛ فقال لنا: مِن أوَّلها؛ سأحذِفُ من مقالاتكم نِصفَهَا بالتأكيد؛ فخفِّضوا من الآن سَقفَ كلماتِكُم.

– وماذا حَصَلَ بعدها؟

– اتفقنا معه: نكتبُ نحنُ ما نُرِيد؛ وتحذِفُ أنتَ ما تُرِيد.

فضحكَ مصطفى: – تلكَ يا آرامُ.. “قِسمَةٌ طَيزَى”.

– واتفقنا في ما بيننا؛ أن نرفَعَ سقفَ كتاباتنا من 100 بالمِئَة إلى 200 بالمِئَة؛ تركناهُ يُمضِي نهارَهُ وليلَهُ في تَنحِيفها؛ وقَصِّهَا؛ وتقصِيرِهَا؛ حتى صار يستبدلُ كلَّ شهرٍ نظارَتَهُ الطبيَّة بأخرى؛ ثمّ رأيناه يستخدِمُ العدسةَ المُكبِّرة؛ ثمّ ماتَ وهو على طاولته؛ مُنكبًّا بوجهِهِ على أوراقِنا؛ قابضًا على مُكَبِّرَتِه؛ لم يستطع مَن غَسَّلوهُ أن يسحبوها؛ فدفنوها معه.

– رَحِمَهُ الله؛ كم كان مِعلاقُهُ كبيرًا ليَحتَمِلَكُم!

ضحك آرامُ:

– ونحنُ صِرنا نترحَّمُ عليه؛ بعد أن جاءنا مَن هو أغلظُ مِعلاقًا منه؛ حتى صارت تأتينا قائمةُ بالمُفردات والمُصطلحات المرفوضة؛ مع بدائلها؛ حتى لا نقترحَ نحنُ بديلًا.

– وكيفَ هذا؟!.

– قبلَ مجزرةِ حماة وخلالها وبعدَهَا؛ كانت تتدرَّجُ التوصيفاتُ: جماعة الإخوان المسلمين؛ ثمَّ: عصابة الإخوانِ المسلمين؛ ومعها: عصابةُ التكفيريين الوَهَّابيين؛ ثمّ: العصابات الإرهابية المُسلّحة.

– تتدرَّجُ صُعودًا؟!.

– بل هبوطًا؛ أيضًا؛ فَمِنَ: العدوّ الصهيونيّ؛ إلى: الكيان الصهيوني؛ إلى: إسرائيل؛ وأخيرًا إلى: دولة إسرائيل!

عَلَّقَ مصطفى: – هذا اعترافٌ صريحٌ بدولة إسرائيل!

– ياليتكَ يا اسطيف تعرِفُ المَسكُوتَ عَنهُ؛ مُذ أمَرَ حافظ الوَحش؛ بالانسحابِ الكَيفِيّ من الجولان عام 1967 حين كان وزيرًا للدفاع؛ ثمَّ بكامب ديفيد السوريَّة السريَّة مع إسرائيل؛ بوساطة هنري كيسنجر بعد حرب تشرين.

– لكن إعلامَ حافظ الوحش كان الأكثرَ تنديدًا بالسادات؛ كيفَ تنسى المظاهرات المليونية ضِدَّه في كُلِّ المحافظات؟!

ضحك آرامً:

– تلك هي القُطبَةُ المَخفِيَّة كما يقولُ الخَيَّاطون؛ بل هي البَندُ السِرِّيُّ في كامب ديفيد الأسدية مع كيسنجر: أوقعُ لكُم سرًا.. وأشجُبُكُم في العلَن؛ حتى لا يثورَ عليَّ السوريُون؛ فهُم أشدُّ تَنَاحَةً من المصريين.

– لهذا.. سَكَتَت جبهةُ الجولان؛ حتى بعد أن وَرِثَ الولدُ كُرسِيَّ البلدِ من أبيه.

– وعلى هذا.. اتفق الولدُ -أيضًا- مع مادلين أولبرايت في سُرَادِقِ عَزَاءِ والده.

قال مصطفى: – كنّا في حديث الرقابة؛ فصرنا في حديث السياسة.

– لأن السياسةَ هي الأبُ الشرعيُّ لرقاباتِ الأنظمة.

– فاحكِ لي أطرَفَ ما مَرَرتَ بهِ مع الحَيزَبون!

رَدَّ آرام:

– بعد إغلاقِ جريدة “الدومري” الساخرة؛ قرَّروا تغطيةَ قرارِ إقفالها؛ بإنشاء صفحةٍ أسبوعيةِ ساخرةٍ في جريدة تشرين الحكوميّة؛ فأوكلوها لوليد معماري؛ واستعانَ المِعمَارِيُّ بي؛ فاقترحتُ إعادَةَ نَشرِ مقالاتٍ ساخرةٍ من أرشيف تشرين ذاتِهَا؛ لحسيب كيالي ومحمد الماغوط وزكريا تامر؛ وحين رآها رئيسُ التحرير رَفَضَ نشرَهَا؛ بحُجَّة أنّ ما قِيلَ البارحة لا يَصلُحُ أن يُقالَ اليوم؛ ثمّ أضاف: كنّا نسمحُ أحيانًا بالانتقادِ من بابِ تنفيسِ الجماهير؛ أمّا اليوم.. فالبلدُ استَتَبَت للسيد الرئيس؛ فأقنعه المِعمارِيُّ بأنَّ جماهيرنَا اليومَ بحاجةٍ للتنفيس بعدَ التوريث؛ فوافَقَ رئيس التحرير على مَضَضِ؛ شَرَطَ أن يُذكُرَ تاريخُ النشرِ باليومِ والشهرِ والسَنَة؛ حتى لا يتحمَّلَ هو مسؤوليةً عنها.

خَرَجَ المِعمَاريُّ مُبتهِجًا باتفاقية فَصلِ القواتِ هذه؛ لم أرتَح لابتهاجِهِ؛ فقُمتُ باستبدالِ نَصِّ المقالة التي كتبها حسيب كيالي قبل 15 عامًا؛ بمقالةٍ كتبها بعد مُغادَرَته البلاد؛ أشدَّ وأكثرَ سخريةً؛ تاركًا عنوان المقالة القديمة في أولها وتاريخَ نشرِها القديم!

سأل مصطفى: – ولم يكتشفوا ذلك؟!

– بل اكتشفوه؛ بعد 21 عددًا من الصفحة الساخرة.. فأوقفوها عن الصدور!

ضَحِكَ مصطفى.. فأردفَ آرامُ:

– ومازلتُ حتى يَومِيَ هذا؛ لا أعرِفُ إذا كنتُ خرَقتُ تقاليدَ الصحافة؛ أو ترجمتُ بطريقةٍ ساخرةٍ مَقولَةَ بريخت!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق