سورية الآن

حلب تحاصر إيران

يبدو جليًا أن إيران لا تنظر بارتياح إلى التطورات الأخيرة في سورية، وأن وقف إطلاق النار قبل عشرة أيام لم يرق لملالي إيران وقادة الحرس الثوري الذين يشعرون بأن نفوذهم في سورية يتضاءل لمصلحة تحالف بين روسيا وتركيا، وتقاربٍ في وجهات النظر الروسية – التركية حول المسارات المستقبلية للأزمة السورية بعد أن غيرت تركيا سلوكها، وهو ما يتعارض مع ما خطط له الإيرانيون منذ تدخلهم العسكري المبكر في الصراع، وهو تحويل سورية إلى منطقة نفوذ إيراني صرف على النحو الذي طُبِّق في العراق، وإعطاء الصراع السوري بعدًا طائفيًا خالصًا على رغم أنه لم يكن كذلك في بداياته، وكان تدخل «حزب الله» اللبناني عسكريًا جزءًا من هذا المخطط.

وعبّرت إيران عن غضبها من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 23288 الذي قدمته روسيا، الذي ضمن حماية للمدنيين من العنف، إدراكًا من طهران لحقيقة أن الأمور تسير لغير مصلحتها. ويعد وصف علي شمخاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، القرار بأنه يمهّد لمزيد من التوتر في سورية و»يُنقذ الإرهابيين»، أول إخراج للخلافات الروسية – الإيرانية إلى العلن، بعد أن تمت تنحيتها جانبًا لفترة طويلة. وتوالت مواقف روسية بعد انتهاء معركة حلب، لتؤكد أن المدينة لن تُترك للنظام السوري أو لميليشيات إيران و «حزب الله» اللبناني لتفعل بها ما تشاء، فيما كانت طهران تأمل أن يُلقى من حلب خطاب دعائي لـ «النصر الإلهي» يؤكد هيمنة إيران على مستقبل سورية، وينسب الانتصار الذي تحقق في حلب إلى الميليشيات الإيرانية حصرًا. وبدلًا من أن تحاصر إيران حلب، كما كان الوضع من قبل، أصبحت حلب الآن هي من يحاصر إيران ويدفعها إلى الزاوية.

إيران ترى مصلحتها في استمرار التصعيد العسكري ومواصلة المعارك إلى حين إتمام خطة تغيير التركيبة الديموغرافية، عبر مواصلة إبرام الاتفاقات حول خروج المسلحين وعائلاتهم من مدن ومناطق معينة، بفعل الضغط العسكري والحصار الخانق، إلى إدلب أو غيرها ليحل محلهم سكان من الشيعة، وصولًا إلى تفريغ المنطقة الواقعة بين دمشق والحدود اللبنانية من السنة على نحو تام.
من أجل ذلك، فإن اختلاق الأسباب والذرائع من أجل مواصلة العمليات العسكرية هدف لإيران و«حزب الله» اللبناني، وكذلك للنظام السوري الذي يشعر بضعف موقفه أيضًا، وهذا ما يفسر محاولات إشعال الموقف وخرق اتفاق وقف إطلاق النار. وبدا التقارب الروسي – التركي على حساب إيران في تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الذي طالب إيران بالضغط على «الميليشيات الشيعية والنظام السوري» لوقف إطلاق النار، موضحًا أن جهودًا تجرى لعقوبات روسية – تركية ستُفرض على منتهكي الاتفاق. وكما هو مُتوقع، جاء الرد على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عصبيًا ومتشنِّجًا وكاشفًا عن الغضب المكبوت، ولم يزد عن اتهام الأتراك بـ «تعقيد الظروف وزيادة المشكلات في طريق الحل السياسي للأزمة».

على رغم أن إيران وروسيا كانتا تخوضان الحرب في سورية في خندق واحد، فإن اختلاف الأهداف كان يجعل لحظة افتراق المصالح حتمية، وحانت هذه اللحظة الآن. وما يُدركه الإيرانيون تمامًا، أن روسيا هي صاحبة الدور الأهم في تغيير موازين القوة لمصلحة النظام، إذ حشدت جهودها العسكرية والسياسية والديبلوماسية خلال العامين الأخيرين من أجل تحويل مسار الحرب التي شهدتها سورية، ونجحت في ذلك. ولم تُنقذ روسيا النظام السوري فحسب، بل إنها أنقذت إيران وذراعها «حزب الله» وجنبتهما هزيمة كانت تبدو وشيكة، إذ كانت المعارضة السورية قريبة جدًا من إسقاط النظام لولا أن جاء التدخل الروسي القوي ليغير المعادلة تغييرًا كليًا.

تسعى روسيا من تدخلها في سورية إلى تعظيم نفوذها واستعادة جزء من صورة القوة العظمى القادرة على فرض مصالحها بالقوة، وبناء أسس لنفوذها في المنطقة بعد أن كادت تغادرها تمامًا. واقتربت روسيا من تحقيق هذه الأهداف، فهي ذات كلمة مسموعة لدى النظام السوري، ويمكنها التفاهم مع تركيا صاحبة النفوذ على قطاعات مهمة من الميليشيات التي تقاتل النظام، كما أن كثيرًا من فصائل المعارضة السورية ليس لديها مانع من التعامل مع روسيا وإبرام الاتفاقات معها، فيما ترفض تمامًا أي تعامل مع إيران. ولذا فإن روسيا ستُنجز مهمة وترحل، بعد أن تحصل على ما تشاء من قواعد وتسهيلات عسكرية واتفاقات تضمن لها النفوذ الذي تسعى إليه.

وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى إيران التي لم تدخل سورية لتخرج منها، بل دخلت لتبقى. ومشروع إيران في سورية هو إقامة نظام طائفي تابع لطهران يتلقى منها الأوامر ويعمل لمصلحة تحقيق أهدافها الإقليمية والدولية. وسورية في التصور الإيراني جزء من الهلال الشيعي الذي يضمن لها أن تكمل اختراقها للدول العربية وتمد سطوتها ونفوذها بشكل متصل ليبلغ البحر الأبيض المتوسط. ومساحة السيطرة الممتدة جغرافيًا واستراتيجيًا ستتيح تحقيق اختراقات أسرع في دول ومناطق عربية أخرى، وتدعم محاولات طهران من أجل زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى في دول الخليج العربي، وتشكيل طوق حول دول الخليج العربية من خلال تكثيف الدعم للميليشيات الحوثية في اليمن، وتشجيعها على مواصلة اعتداءاتها على الشرعية ومد أمد الحرب ما أمكن.

تختلف أهداف روسيا وإيران كذلك في ما يخص طبيعة العلاقات مع دول الخليج العربي والعالم العربي بشكل عام. وتتطلع روسيا إلى علاقات سياسية واقتصادية جيدة مع دول الخليج العربي، أما إيران فهي تغذي حال العداء مع محيطها العربي بمزيد من التدخلات والتحرشات والإساءات، وتفتعل المشكلات التي تقف بالمنطقة دائمًا على حافة التوتر والمواجهة. ومن المعروف أن جزءًا من أوراق حل الأزمة السورية تمتلكه دول خليجية، ودور هذه الدول ضروري للوصول إلى تفاهمات واتفاقات بين النظام وفصائل كبرى ومؤثرة في المعارضة السورية، وتستطيع روسيا أن تكون وسيطًا يحظى بدرجة من القبول، في حين أن وجود إيران يمكن أن يعقد أي جهود على هذا الطريق.

من جهة ثانية، فإن ترتيب الساحة لمقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يتحدث كثيرون عن علاقة جيدة تربطه بالروس، يقتضي تحجيم الدور الإيراني في سورية، فالرئيس الأميركي الجديد ينوي وقف سياسة سلفه باراك أوباما التي سمحت لإيران بالتمدُّد وتحقيق أهدافها من دون أن تجني الولايات المتحدة الأميركية شيئًا، وسيتبع سياسة أكثر تشددًا تجاه إيران على مستويات عدة. ولن يكون من السهل ضمان تعاون الولايات المتحدة الأميركية في الوصول إلى حلول للأزمة السورية إذا كان لإيران حضور مؤثر فيها، على العكس من تركيا التي يمكن أن تكون عاملًا مساعدًا في هذا الشأن.

الدور الإيراني في سورية، وهو دور تراه طهران محوريًا، يوشك أن يدخل مرحلة أفول، على رغم العدد الهائل للقتلى من الحرس الثوري و «حزب الله» والميليشيات التي اجتلبتها إيران من مناطق عدة. والمخطط الإيراني للهيمنة على سورية على وشك التهاوي، وزمن التغاضي الأميركي عن التمدد الإيراني أو تأييده ضمنيًا انتهى مع رحيل أوباما، وكل ذلك سيعود بإيران إلى موقع المحاصر. ومثل هذا الموقع سيضعف إيران، لكنه في الوقت نفسه سيجعلها أكثر تخبطًا وشراسة وإقدامًا على خطوات متشنجة وعنيفة، وهذا ما يجب أن نكون مستعدين له في دول الخليج العربي.

(*) كاتب إماراتي

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق