ترجمات

نيويورك تايمز: “التهديد المتنامي للديمقراطية غير الليبرالية”

ماذا يحدث عندما تستبعد صراعات الناس الحقوق الفردية؟

السيدة الأولى اليانور روزفلت مع نسخة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. صور غيتي

 

مع بدايةِ عام 2017، نرى أنَّ التهديدَ الأكثر إلحاحًا للديمقراطية الليبرالية ليس هو الاستبداد، إنما الديمقراطية غير الليبرالية، ولمعرفةِ السبب، يتوجب علينا أن نُذكّر أنفسنا ببعضِ المبادئ الأساسية.

تجمع عبارةُ “الديمقراطية الليبرالية” بين فكرتين متميزتين، إذ يرمز الجزء الأوّل (الديمقراطية) إلى بنيةٍ خاصة من الحكم حيث تؤخذ القراراتُ فيها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من الشعب -وعلى نطاق أوسع- في مفهوم السياسة حيث تنبثق السلطة الشرعية من الشعب. بينما يبدو الجزء الثاني (الليبرالية) على النقيض من ذلك، إذ تشير إلى فهمٍ خاصٍ للسياسة؛ حيث تكون سلطة التشريع العامة -بطبيعتها- مقيدة، حتى إن كانت تُعبّر هذه السلطة عن إرادة الأغلبية الديمقراطية.

تجرّأ عددٌ قليل من القادة والحركات في الغرب على تحدي فكرة الديمقراطية ذاتها، ليس من أجل الليبرالية، التي تعرّضت لانتقاداتٍ متزايدة خلال العقد الماضي، حيث عدّ كثيرون أنَّ المؤسّسات الليبرالية من مثل الصحافة الحرة، والمحاكم الدستورية، والحقوق الفردية، ليست حماياتٍ ضد السلطة العامة، إنّما عقبات في طريق الحكم الفاعل. ولحل المشكلات الكبيرة، -ومن دون مناقشة- يجب أن تملك الحكومة القدرة على العمل بشكلٍ فاعل، حيث تتقوض قيود الليبرالية

يمتد النقد لما بعد المؤسسات، إلى المثل العليا، فالليبرالية تمثل مطالبةً عامة تتجاوز الحدود الوطنية، عبرت عنها ما بعد الحرب ولمكافحة الاستبداد، بشكلٍ قانوني، وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى الرغم من أنَّ “القومية الليبرالية” ليست “تناقضًا لفظيًّا”، لكنها مشكلةً -جزئيا لأن الدول/ الأمم تقاوم القيودَ على سيادتها التي ترفضها كل المبادئ العالمية، ولكن لأن معظم الدول تعطي الصدارة لجماعاتٍ معينة تشترك معها في النسب واللغة الأصلية والدين أو العرق، بينما تقف الليبراليةُ ضدَ جميعِ أشكال الخصوصيةِ باسم المساواة؛ لأن البشر متساوون، وأيُّ شكلٍ من أشكال التعصب العرقي ينكر مساواتهم يجب أن يُرفض.

ترتكز الثورة ضد الليبرالية إذًا، على تلك الشكاوى الثلاث؛ المؤسسات الليبرالية تقوضُ فاعليةَ الحكم، في حين تضعِف مبادئ الليبرالية السيادة الوطنية، وتجبر المواطنين على إعطاءِ مكانةً متساوية للأشخاص الذين هم على خلاف معهم.

تُوّلد المطالبة باتخاذ إجراءاتٍ حاسمة عادةً نفاد الصبر من الإجراءات الشكلية، ففي عام 2014، وفي خطابٍ مؤيدٍ للديمقراطية غير الليبرالية، سخرَ رئيس وزراء هنغاريا المزمن، فيكتور أوربان من الحكومة الديمقراطية الليبرالية السابقة لعدم قدرتها على تعزيز المصلحة الوطنية، مشيرًا إلى بلدانٍ مثل روسيا وتركيا وسنغافورة كأمثلةٍ على الحكم الفاعل. هذا، هو السبب في أن حكومته تخلّت عن “العقائد الأوروبية الغربية” لمصلحة شكلٍ جديد من تنظيمٍ سياسي متمكّن من “جعلنا قادرين على المنافسة في هذا السباق العالمي الكبير”.

تكسب مقاربة السيد أوربان الأرض، حيث في وقتٍ مبكر من عام 2011، قال ياروسلاف كاتشينسكي، زعيم حزب القانون والعدالة البولندي، حزب الأقلية آنذاك، أنه “سيجلب بودابست إلى وارسو.” اليوم، تقوم حكومة أغلبية يقودها حزبه، بما وعد به، بدءًا بالهجوم على المحكمة الدستورية البولندية قبل أن ينتقل إلى فرض القيود على وسائل الإعلام العامة والنيابة العامة وحرية التجمع. وهناك مؤشراتٌ على نفاد الصبر من قيود الديمقراطية الليبرالية حتى في الولايات المتحدة، حيث الدستورية وسيادة القانون مترسخةٌ بعمقٍ أكثر مما هي عليه في الديمقراطيات الأوروبية الجديدة.

وقد وجدَ استطلاعٌ للرأي في حزيران/ يونيو عام 2016، أجراه معهد البحوث العامة للدين، أنَّ 49 في المئة من الناخبين متوافقون “لأن الأمور قد ذهبت بعيدًا عن مسارها في هذا البلد، ونحن في حاجةٍ إلى زعيمٍ يكون مستعدًا لكسر بعض القواعد إن كانت تؤدي إلى وضع الأمور في نصابها”. ويشمل هذا الاستطلاع 57 في المئة من الجمهوريين و60 في المئة من ناخبي الطبقة العاملة البيض و72 في المئة من مؤيدي ترامب، -الذي ينم عن كثير- أنَّ 59 في المئة من أولئك شعروا بأنَّ طريقة الحياة الأمريكية تحتاج إلى الحماية من التأثيرات الخارجية. والأمر الأكثر إثارةً للقلق من الهجوم على المؤسسات الديمقراطية الليبرالية هو إعادة تشريع الكراهيات المكبوتة منذ فترةٍ طويلة للأقليات العرقية والدينية.

نال الصحفي تسزولت باير وسام الاستحقاق في هنغاريا، وهو ثاني أعلى وسام شرف فيها، وتكافئ فيه الدولة للأفراد الذين يثبتون تميّزًا في خدمة هنغاريا، وتعزيز “القيم الإنسانية العالمية”، وقد قدمته حكومة السيد أوربان إلى باير جائزةً إلى السيد باير، في آب/ أغسطس الماضي، وكان الصحفي المذكور قد عزَّز القيم الإنسانية بكتابات نقتبس منها:

يكتب في عام 2008 عن “الصحفيين اليهود في بودابست”، قائلًا إنَّ “وجودهم يُبرر معاداة السامية.” وفي شباط/ فبراير وآذار/ مارس من عام 2016، نشر افتتاحية متسلسلة من 18 جزءًا حول أصولِ معاداة السامية في هنغاريا، مؤكدًا بأنَّها كانت ردّة فعلٍ طبيعي على الإجراءات التي اتّخذها اليهود ضد غير اليهود. ويكتب في عام 2013 حول الغجر، وهم مجموعةٌ متباينة من الأقليات العرقية، قائلًا: “لا ينبغي أن يُسمح لهذه الحيوانات بالوجود”، ويضيف إنَّ هذا “يحتاج إلى حلٍ فورًا، وبأي وسيلة ضرورية”. وفي حشدٍ جماهيري في بودابست في عام 2015، وصف أزمة اللاجئين السوريين بوصفه سلاحًا توجهه مؤامرةً خفية ضد “العرق الأبيض”.

هل هذا ما تبشر به الديمقراطية غير الليبرالية، العداء تجاه الأقليات المضطهدة تاريخيًا، العداء المؤيد من الدولة؟ هل نحن أمام مستقبلٍ يمكن فيه لأيُّ أغلبيةٍ وطنية أن تتصرف من دونِ ضوابط، ومهما كانت التكاليف البشرية؟

اسم المقالة الأصليThe Growing Threat of ‘Illiberal Democracy’
الكاتبوليم غالستون، William Galston
مكان النشر وتاريخهنيويورك تايمز، The New York Times، 3/1/2017
رابط المقالةhttp://www.wsj.com/articles/the-growing-threat-of-illiberal-democracy-1483488245
ترجمةأحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق