أدب وفنون

تقاسيم منفردة:

أطفالكَ ينامون داخل ثيابك/ تكتب عمرَكَ في الهواء/ أصابع قدميك ترسم نافذةً في السقف…

 

عتم الزنزانة المنفردة

ليسَ عتمًا بالمعنى الحرفيّ للكلمة، المجاز في هذه الخُلوة أقوى الكائنات، أظنُّ أن بيضة المجاز تكسّرت هنا، تحت ريش البصيرة الدافئ، أجنحتُه أخذت شكل مجدافٍ، ثم خفقت بقوة وهي ترى وجهها للمرة الأولى.

تتمددُ، ترى ضوءًا يموجُ على سطحه طحينُ أمّكَ، أطفالُكَ يذهبون إلى المدرسة بجيوب فارغة، يمرون بمحاذاة جسدك، فجأًة يقف ابنكَ عند ركبتك كما لو كانت سورَ حديقة، يقطف وردًة ويمضي، جسدكَ هو الطريق الآن، طريق كل الذين تركتَهم ولم تخبرهم يومًا بأنّك تحبّهم.

ساعةُ يدٍ، ساعةُ حائطٍ، منبّهٍ، الوقتُ عارٍ، تخبركَ التفاصيل في ذاكرتك أن الساعة الآن هي السابعة صباحًا:

صوت الماء المغليّ في ركوة القهوة، خطوات العمّال السريعة تحت نافذتكَ، زوجتكَ تغيّرُ منشفة الحمّام، يد طفلتكَ تغلقُ فمكَ كلّما تثاءبتَ، ضحكات متقطّعة تحت الغطاء، جوربٌ على الأرض وآخرٌ في قدمك، سعالٌ ينزلُ على درج بيتك.

في العتم تتدلّى شيفرة حياتك كمشنقة.

زوجتُك تطعمُك الحساء وتردّ على الهاتف، تتأسف لصديقكَ، إنكَ متعبٌ هذا اليوم وبحاجةٍ إلى الاسترخاء، خذ الصحنَ الحديديّ من أسفل الباب الحديديّ، وارجع إلى ذاكرتك.

 

حيطان الزنزانة المنفردة

في روحك قلمٌ، لم تستعمله يومًا، لم يحِطه كلُّ هذا الصمت في الماضي كي ينطق، لم تُطفئ له الضوء بما يكفي كي يظهر، كان يكتبُ سرًّا عنكَ. بين حبال من الأمنيات يتدلّى الآن، تلتقطهُ وتكتب كصبيٍّ يخربشُ على جدار مدرسته، تكتب عمرَكَ في الهواء، ليشطبَه صراخٌ قادمٌ من البعيد، ترسمُ وجه صديقكَ في راحة يدك، وعندما تصل إلى عينيه، تغمض يديك كأنك تغمضُ له عينيه.

تنهض وتقيس عرض الزنزانة، المسافة بين جسدكَ والباب، جسدكَ والحائط، جسدكَ والهواء، ثم تكتب أرقامًا أسفل قدميك.

تتصاعد مرايا روحك أمام وجهكَ وتعكس لكَ تلك اللّقطة:

نظاراتكَ فوق الطاولة، ستارة بيتكَ تلوح في الظهيرة وتغطي وجه الكنبة البنيّة، علبُ أدويةٍ مبعثرة حول التلفاز، صديقكَ الذي رسمت وجهه على راحة يدك، يرن جرس الباب، بيتكَ مهجورٌ الآن.

عجّل وامسح كلَّ شيء، كما فعلَ غيرك هنا، يجب أن تتعلم الحذف، أن تربي في عينيك ممحاة، كنت تهرب من امتلاكها وأنت في الخارج، لديكَ الكثير لتقوله يا صديقي؛ كثير لدرجة أنك كتبت وصرختَ ولم تفكر بوجع هذه الجدران، إنك لست هنا الآن.

 

باب الزنزانة المنفردة

تغني في قلبك كعتبة، تقفزُ قطة أمكَ إلى ذراعيك، تنزعُ قميصكَ عن حبل الغسيل وتلبسُه، يرتفع غناؤك وأنت تبحث عن حذاءكَ تحت الأريكة، الأبواب تذكركَ بلحظاتٍ عاديّة لكنكَ كنتَ فيها تغنّي.

في الأغنية مفتاح السجن، يتسلّل غناؤك داخل الثقوب، مجاورًا الممرَّ المظلم، ظل السجان، حرّاس السطح، الأغنية التي في قلبكَ، أولُّ محاولةٍ لكَ للهروب على ظهرها، وضعتَ باب غرفة نومك، باب غرفة أطفالك، باب قبر أبيك، ساعدها كي تعبر الطوابق العلويّة ولا تصرخ، صرختَ كثيرًا فيما مضى.

إطلاق رصاصٍ في البعيد، أغنيات سجناءٍ قدامى هربت مع أغنيتكَ، كانت حزينًة بما يكفي كي يرى الحراس بريق دمعها، ويطلقون عليها النار، لم تيأس، الشقوق حول الباب اتسعتْ ودخلتْ منها قطة أمّكَ مجددًا، تغني مجددًا، الأغنية التي هتفَتَ معكَ للمرة الأولى.

 

أرضيّة الزنزانة المنفردة

مستلقيًا على ظهركَ، تتخيّل الشمس أمام فسحة دارك، وكرسيًّا مكسورًا، تهبُّ الريح فجأًة فتستوي، تسندُ ظهرك على الحائط، الأعشابُ تنبتُ من حولك، لتتأكد أنّك لست جثًّة، أعشاب خطواتك الوافرة، التربة خصبة هنا، وتحت لسانك بذور لم ترها من قبل، لم تتوفر لها مساحة وتربة، كما الآن، تمرّرُ يدك فوق نتوءات الأرض الخشنة، كأنها سنابل قمح تتمايل في الهواء، تقلّمُ يدُك الأخرى صفصافةَ الحائط، في الصباح توقظكَ الأغصان الطريّة الخارجة من جسدكَ، يحطُّ عصفور على كتفيك، ثمرةٌ أخرى تسقطُ منكَ، في جوفها كتابةٌ بخطّ يدك، الثمارُ هي الذكريات التي بقيت على قيد الحياة هنا.

أخبركَ والدكَ مرةً: الجذور لن تجعلك وحيدًا أبدًا.

 

الفأرة في الزنزانة المنفردة

في حصّةِ العلومِ، عندما كنتَ تلميذًا حدثَ أن شرّحوا أمامكَ جسد فأرة، قالوا إنها تتقاسم أكثر من ستين بالمئة من الجينات معنا نحن البشر، ولم يخبركَ أحدهم أنها تستطيع -رغم كل ذلك التشابه- أن تتنقلَ ببساطة قربك؛ كما لو كانت سجانًا، تسحبُ نتف طعامكَ ببساطة، تنظر إلى وجهك الذابلِ مطوّلًا وتودعُكَ، لم يعلّموكَ أن تشبهها ولو قليلًا، كيف لكَ أن تملك تلك الخفّة وهي تعصرُ جسدها كي تنفذَ بلقمة صغيرة داخل ذلك الثقب.

اليوم، أخبرتْكَ فأرة جديدة، أن الشتاء في الخارج قاسٍ جدًّا، والريح التي أطفأت مصابيح الشوارع، حرّكتْ الرمل والأغصان وطمَرَت جثّة أخرى.

من حسن الحظ أنك تعيشُ مسبقًا تحت الأرض، في العمق ترى الخارج على حقيقته، بوسعك شتمهُ، ليس هناك شيءٌ تخافه، شيء تتألّم لأجله أكثر من تلكَ الأنفاس، تأتيك من آخر السرداب، تخنقُ صوتكَ ثم تمضي.

 

أظافرك في الزنزانة المنفردة

بقايا ضوضاء، تخربشُ فوق جسدك، تخرجُ رقصةٌ قديمةٌ لكَ بالأبيض والأسود، تدقُّ على الباب بقوةٍ، تنادي السجان وتطلبُ منه أن يغيّر تلكَ الأغنيةَ الحزينة.

بقايا ألوان، تحتَ أظافركَ، شاردًا بين زوايا المقهى، كنت ترسمُ أنف فتاةٍ مرتبكةٍ جلست قبالتك، تخرجُ اللوحة من تحت أظافركَ، تعلقها على البابَ، ثم ترسمُ بما تبقى من ألوانٍ: الحائط واللوحة وبينهما جسدكَ النحيل.

 

النّافذةُ في الزنزانة المنفردة

أصابع قدميك الباردة ترسم نافذةً في السقف، ترى منها الغيوم والمطر، الرسائل، والدموع، وتسمع الخطوات جيّدا، وحدتُكَ تحت الأرض علّمتكَ أن تعرف الناس من أصوات خطواتهم، هناكَ في البعيد صوتُ كعب امرأةٍ تفكرُّ في الانتحار، بالقرب منكَ يدوسُ بائع يانصيبٍ سيجارته ويمضي، على المفرق عائلةُ تحملُ الزهور، تسيرُ بخطواتٍ منتظمةٍ كرتلٍ عسكريّ صوب المقبرة، رجلٌ وامرأةٌ ترتعش خطواتهما كلما اقتربا.

الأرواح في وحدتكَ تحت الأرض، علّمتكَ الفرق بين صوت الميّت، ومن ينتظر موته، بين من ذهب إلى موته خائفًا، ومن ماتَ ولسانه ممدود خارج فمه.

 

المخيّلة في الزنزانة المنفردة

تدوّرُ لسانك في الهواء، ثم تدخل في الثقب الذي حفره لسانك، جاركَ الأعمى يقودُ الناس إلى النهر، رؤوس أصدقائك تتطاير مع الغيم ضاحكًة، أمك تطلقُ سراح الكناريّ داخل القفص، ثم تُدخلُ يدها وتحاول سجنَها، مكتبتكَ تنتصبُ كفزّاعةٍ في حقل الذّرة الواسع، امرأةٌ نحيلةُ تنفض الغبار عن كتبك ومن تحت إبطها تتدلى سنبلةٌ ذهبيّة، أطفالكَ ينامون داخل ثيابك، يكتبُ بيتكَ وصيًّة، يطلبُ فيها أن يموتَ حرقًا وأن ينثَرَ رمادهُ في عينيك.

مقالات ذات صلة

إغلاق