ترجمات

واشنطن بوست: “نعرف ما فعلته روسيا. ولكن ما نحتاجه حقًّا هو أن نفهم لماذا فعلته.”

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوجه رسالته السنوية المتلفزة بمناسبة السنة الجديدة. (ميخائيل كليمينتييف/ سوشيتد برس)

 

أنا سعيدٌ لأنَّ دونالد ترامب سيحاط بمعلومات في النهاية بشأن الخلاصة التي توصلت إليها بالإجماع وكالات الاستخبارات الأميركية، بأنَّ الحكومة الروسية كانت وراء القرصنة تجاه اللجنة الوطنية الديمقراطية، ورئيسة الحملة هيلاري كلينتون، ولكن يجب عليه أيضًا أن يطلب ويتلقى إحاطةً سياسية حول روسيا، إحاطة يمكنها من تسليط الضوء على خلفية تصرفات روسيا، فما نحتاجه هو أن نفهم لماذا تصرفت روسيا بالطريقة التي سلكتها.

 

بدأ كل شيء مع الربيع العربي، حيث فاجأت التظاهرات الحاشدة المفاجئة والمطالبة بالديمقراطية معظَم دول العالم، وعلى وجه الخصوص، فإنها (التظاهرات) هزّت موسكو في لحظةٍ محفوفةٍ بالمخاطر، حيث كان الكرملين في خضَمّ إدارة المستقبل السياسي للبلاد، قلقًا من المعارضة في الداخل، إذ تمَّ تحديد موعد الانتخابات البرلمانية بعد أقلَّ من عام، على أن تليها انتخاباتٌ رئاسية. لم يكن فلاديمير بوتين وقتذاك الرئيس، بعد أن تنحى جانبًا تماشيًا مع الدستور الروسي، سامحًا لـ ديمتري ميدفيديف بارتقاء المنصب.

يشير رولان دانرويثير من جامعة وستمنستر في لندن، إلى أنَّ “الأزماتَ في كلٍّ من ليبيا وسورية تزامنت مع صعود المعارضة المطالبة بإعادة انتخاب بوتين، بمسيراتٍ ضخمة غيرِ مسبوقةٍ للمعارضة في موسكو، وفي مدنٍ أخرى من روسيا خلال عامي 2011-2012.” ويتابع قائلًا: إنَّ الكرملين راقب تلك الدول حيث تحولت احتجاجاتُ الشوارع إلى معارضةٍ أوسع، وأدّت إلى عدم الاستقرار، ومن ثمَّ جذبت انتباهَ القوى الغربية وتدخّلها. كانت موسكو مصممةً أنه لن يستمر مثل هذا السيناريو حتى النهاية في روسيا، أو في أيّ من الدول المجاورة لها، مثل أوكرانيا.

في الواقع، كان هناك تعارضٌ استثنائيّ بين بوتين وميدفيديف حول كيفية الرد على ليبيا، حيث هاجم بوتين بشدةٍ رئيسه لعدم استخدامه حق النقض على قرار مجلس الامن يمنع التدخل في ليبيا، وانتقد الغرب لإطلاق “حملةٍ صليبية” ضد بلدٍ مسلم. ميدفيديف، الذي كان تقنيًّا هو المسؤول عن السياسة الخارجية، عارضه معارضةً قاطعة، واصفًا خطابه بأنه “غير مبرر”. ويرى بعض قادةِ روسيا أنَّ هذا الخلاف حدَّد مصير ميدفيديف، ضامنًا أنه يخدم لفترةٍ واحدة فقط، ومن ثم يشق الطريق لعودة بوتين إلى الرئاسة. عمومًا، وكما يكتب دانرويثير، “بالنسبة إلى النخب الروسية المحافظة، يؤكد دليل الربيع العربي أنَّ مثلَ هذه الانقسامات الحزبية تحت مظهر الترويج للديمقراطية لن تؤدي إلّا إلى الفوضى الداخلية، والصراع الاجتماعي، وفقدان الكبرياء السيادية للدولة”. (وحقيقة أنَّ كلينتون شجّعت متظاهري الديمقراطية الروسية في هذه اللحظة الحساسة، وصفتها بـ العدو اللدود في عيون نخبة الكرملين).

بعد عامٍ تقريبًا، وفي عام 2013، كتب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الروسية الجنرال فاليري غيراسيموف، مقالًا يشير إلى أنَّ التحدي الرئيس في روسيا هو الاستجابة للديناميات الكامنة وراء “الثورات الملونة” لـ الربيع العربي وشمالي أفريقيا قائلًا: يجب ألّا ينظر إليها على أنَّها أحداثٌ غيرُ عسكريةٍ لأنه “يمكن لدولةٍ مزدهرةٍ تمامًا، وفي غضونِ أشهرٍ، وحتى أيام، تدخل ساحة للصراع المسلح العنيف، في أن تصبح ضحيةً للتدخل الأجنبي، وتغرق في شبكةٍ من الفوضى وفي كارثةٍ إنسانية وحرب أهلية”. ودعا روسيا لفهم أفضل، وتطوير الأساليب غير العسكرية، وغير المتماثلة، بما في ذلك العمليات الخاصة، وحرب المعلومات، واستخدام المعارضة الداخلية لشَّل المجتمع.

ومنذ ذلك الحين، وضعت موسكو المعلومات والحرب غير المتكافئة، قضيةً مركزية في سياستها الخارجية والعسكرية. عندما فرضت نفسها في جورجيا وأوكرانيا، فقد استخدمت روسيا استراتيجيةً هجينة تنطوي على تمويل السياسيين والميليشيات المحلية، والأخبار الوهمية والهجمات الإلكترونية، ويؤكد القادة السياسيون الألمان والبولنديين أنَّ روسيا شاركت في بعض هذه الأنشطة في بلدانهم أيضًا، والآن هناك التوَّرط الواضح في الانتخابات الأميركية.

    

  رئاسي، الاذاعة: استكشاف تراث كل رئيس أميركي

 

ليست فكرة حرب المعلومات جديدةً، حيث طوَّر الاتحاد السوفيتي ومارسَ إستراتيجيةَ “التضليل” خلال الحرب الباردة، كاملةً مع الأخبار الوهمية واختراق الأحزاب السياسية الغربية والمؤسسات الإعلامية، لكنَّ إحياء هذا النهج، والنمط العدواني والمتطور الذي يجري استخدامه حاليًّا في المشهد الإعلامي الاجتماعي، يميّز اتجاهًا جديدًا وخطِرًا في الجغرافيا السياسية.

هذه هي الخلفية السياسية وراء الدليل الفني لتدخل روسيا في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر. لا بد من أن نتحرك خارج إطار حزبي، ويُنظر إليه في سياقٍ أوسع من ذلك بكثير، فمنذ نهاية الحرب الباردة، لم تتحدَّ أيُّ دولةٍ كبرى النظام الدولي الناشئ، ولكنَّ ذلك الآن، إستراتيجيةُ قوةٍ عظمى، مصممةٍ على أن تعمل بدهاءٍ، وقد تنجح في زرع الشك والفرقة والفتنة -والدمار في نهاية المطاف-  في الغرب.

 

اسم المقالةWe know what Russia did. But what we really need to understand is why.
الكاتبفريد زكريا، Fareed Zakaria
مكان النشر وتاريخهواشنطن بوست، The Washington Post، 5/1/2017
رابط المقالةhttps://www.washingtonpost.com/opinions/global-opinions/we-know-what-russia-did-but-what-trump-really-needs-to-understand-is-why/2017/01/05/ef57febe-d37b-11e6-9cb0-54ab630851e8_story.html?utm_term=.06544cb30fb4
ترجمةأحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق