تحقيقات وتقارير سياسية

“رسائل الأسماك”… الإيرانيون يوثقون إنقاذهم الأسد

يقول حسن نصر الله: “أولاً يجب إخراج بشار والحكومة السورية من المستنقع، وبعد ذلك نُنظفهم، ونُلبسهم، ونُطعمهم، ليقرؤوا درسهم ويؤدوا عباداتهم، الآن يجب إخراجهم من المستنقع، هذه أول وأهم خطوة استراتيجية”.

كان هذا مُقتطفًا من مراجعة نُشرت في العدد المؤرخ بـ 22 أيلول/ سبتمبر 2016 من مجلة “سياسات عربية”، وهي مجلة مُحكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يُصدرها “المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات” كل شهرين.

المراجعة التي أعدّتها فاطمة الصمادي، هي لكتاب “رسائل الأسماك”، من تأليف كَلعلى بابايى، الصادر عن إحدى مطابع “الحرس الثوري الإيراني”، يؤرخ فيه شهادات من العميد في (الحرس) حسين همداني، الذي كُلف بالخدمة في سورية؛ لإنقاذ بشار الأسد ونظامه، وقُتل في حلب في تشرين الأول/ أكتوبر 2015.

استعرضت المراجعة، تجارب بعض القادة السياسيين في إيران بتدوين مذكراتهم، بوصفها عادة باتت مُتّبعة بعد “الثورة الإسلامية”، واستعرضت عناوين بعض التجارب والأسماء، وأشارت إلى أن القادة العسكريين بدؤوا -أيضًا- يسيرون على هذا النهج، بتدوين تجاربهم ومذكراتهم التي تتناول أمورًا مختلفة، منها الحرب مع العراق، وإنهاء الاحتجاجات الإيرانية على انتخاب أحمدي نجاد عام 2009، وغير ذلك من أدوار لهم في الخطط الأمنية والعسكرية التي خاضوها.

كتاب “رسائل الأسماك” الذي أضاءت عليه المراجعة يستدعي التوقّف والتأمل في تلك المعلومات الخاصة والمهمة التي قدّمها حول تجربة همداني في سورية حتى مقتله، ومن المهم التذكير بها.

يقول همداني: إن قائد “الحرس الثوري الإيراني”، محمد علي جعفري، استدعاه وسأله: “هل تذهب إلى سورية”، كان هذا في 3 كانون الثاني/ يناير 2012، أي: بعد نحو عشرة أشهر من قيام الثورة السورية.

يوضح همداني -بحسب ما كتبه مؤلف الكتاب نقلًا عنه- “كنت وقتها مسؤولًا للحرس في طهران، وكانت آثار فتنة عام 2009 والمشكلات الناشئة عنها لا تزال باقية”، حيث يعمل على “توسعة فيلق (محمد رسول الله) التابع للحرس؛ ليصبح موجودًا في 22 موقعًا، بدلاً من 6 مواقع”.

أجاب همداني عن طلب قائد الحرس بالذهاب إلى سورية بسؤال: “لماذا أذهب؟”.

أجابه جعفري: إن “النظام والجيش السوري طلبوا العون والمساعدة، وأنت تذهب إلى هناك بصفتك قائدًا في الحرس”.

ما قاله -إذن- جعفري يؤكد ما يقوله السوريون دائمًا، عن أن النظام قارب على السقوط تحت الضغط الشعبي، في نهاية عام 2011، وبحسب هذه المراجعة، فإن همداني جاء -أيضًا- “بدوافع مذهبية”؛ حيث ينقل الكتاب عنه قوله: “لدي دافع قوي في الوجود في سورية، والدفاع عن حرم عمّة الأسياد، “وحضرة رقية وافقت على الذهاب”.

“اتصل قائد الحرس الثوري بالجنرال قاسم سليماني، ليبلغه موافقة همداني على الذهاب إلى سورية”، وبعد وصوله إلى دمشق، وزيارته لمقام السيدة زينب والسيدة رقية، نظّم “سليماني اجتماعًا، جرى خلاله إيكال مهمة إدارة الأمور في سورية إلى العميد همداني، وفي اليوم التالي، قام همداني بزيارة محافظة حمص”.

كان النظام يتراجع في محافظة حمص تحت ضربات المعارضة، ومن الواضح أن زيارته لحمص حينذاك، تُعبّر عن أهمية الموقع الذي تتمتع به بالنسبة للخريطة السورية، وإلى لبنان أيضًا، كونها تُمثّل صلة وصل في أكثر من اتجاه.

عقد همداني اجتماعات “برفقة شيخ يُسمّيه في مذكراته الشيخ محسن، مع شباب علويين وشيعة”، ويشير إلى أنه “جرى تنظيم 500 شاب شيعي، و2000 من العلويين، وجرى تسليحهم”.

قال همداني: “إن المسؤولين الأمنيين في سورية، كانوا يعارضون بوضوح تدخل الإيرانيين في الجيش، وكانوا يقولون لنا: نريد منكم أن تزودونا بالإمكانيات فقط”.

ويوضّح “كنا نقول لهم: لا، نريد أن نهديكم تجربة ثماني سنوات من الحرب، وتجربة التعامل مع الأزمات وأعمال الشغب، فالعدو الذي خطط هذه المؤامرة لبلادكم، هو نفسه الذي كان حاك المخططات ضدنا”؛ ليؤكد أنهم استطاعوا -في النهاية- إقناع السوريين بالأمر، وابتدأت عمليات التدريب.

سورية “البلد المريض”

في مرحلة لاحقة عدّ همداني أن السوريين لا يستفيدون منهم، وطلب من “المرشد الأعلى للثورة”، علي خامنئي، أن يسمح له بالعودة إلى إيران، فجاء “رفض خامنئي حاسمًا”، وأصدر أمرًا لسليماني قال فيه: لا يجب أن تعودوا، سورية بلد مريض، لكنه لا يعرف أنه مريض، وهذا المرض يجب شرحه وتفهيمه للساسة ورجال الدولة في سورية، وإذا رفض هذا المريض الذهاب إلى الطبيب فيجب أن تأخذوه، هو لن يخبر الطبيب بمرضه، وإذا رفض أخذ الذي وصفه الطبيب، عليكم أن تجرعوه الدواء بأنفسكم، وتراقبوه لتتأكدوا أنه يأخذ الدواء حتى يشفى.

تجرّعت سورية السم الإيراني الذي عدّه خامنئي دواء، بتآمر جزء من أبنائها، وفي ظل صمتٍ دولي مريع، وبغيابٍ واضح للنظام السوري عن أي قرار داخلي، مهما كان حجمه وأثره.

أعدّ همداني خطة عُدّت “وثيقة استراتيجية” للتعامل مع الوضع في سورية، وقدّمها إلى سليماني حيث تمت دراستها وتعديل بعض بنودها، ثم طلب منه سليماني تقديمها إلى حسن نصر الله، قائلًا له: “إن المرشد أمر بأن تكون السياسات الكلية لمحور المقاومة وسورية، تحت إشراف الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله”.

تدل هذه الجملة على أن من يقود ويُدير الأمور المتعلقة بسورية هو نصر الله، وعلى هذا طلب سليماني من همداني التوجه إلى بيروت والاجتماع به “وأخذ موافقته على الخطة”.

استمر الاجتماع مع نصر الله ونقاش الخطة “من الغروب حتى صباح اليوم التالي”، بحضور “السيد زاهدي قائد الحرس الثوري الإيراني في لبنان”.

تذكر المراجعة أنه في تلك الفترة “كان 75 بالمئة من سورية، قد وقعت تحت سيطرة “الإرهابين/ الجماعات المسلحة”، فيما بقي 25 بالمئة فقط تحت إدارة الحكومة المركزية في دمشق”.

عدّ نصر الله أن الخطة “جيدة جدًا”، لكنه طلب إلغاء الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية منها، وقال لهمداني: بشار الآن وحزب البعث الحاكم في سورية غارقون في المستنقع حتى أعناقهم، ولم يبق شيء حتى يغرقوا بالكامل، في مثل هذه الظروف تريدون أن تقوموا بعمل ثقافي؟ وتفتحون لهم صفوفًا وتعلمونهم؟ وتحدثونهم عن الأمور المعنوية؟ المجال الآن ليس مناسبًا للعمل الثقافي أصلًا، فهم يغرقون”.

وتابع نصر الله: “اقتصاديًا، تريدون أن تخيطوا لهم لباسًا؟ تعطونهم غذاء؟ هؤلاء لا يحتاجون غذاء فهم يغرقون ويتلاشون”.

وأضاف: “سياسيًا، تريدون التباحث معهم حول بنية الحكم وتصحيح هيكليته؟ إنهم يفقدون كل شيء”. وبذلك أبقى نصر الله في تلك الخطة على الجوانب الأمنية والعسكرية.

ناقش همداني مع بشار الأسد “اجتذاب الشباب وتجنيدهم في محافظات دمشق وطرطوس واللاذقية، وقسم من محافظة حمص”، وقال: “كان يتم في كل أسبوع اجتذاب ما يقرب من 600 نفر، وكانت تُقدّم لهم دورات تثقيفية لمدة 12 يومًا، ينتقلوا بعدها إلى دورة للتعلم على الأسلحة لمدة ثلاثة أشهر، كدورة ابتدائية، يلحقها دورات تكميلية ومراحل لاحقة”. وبسبب الأوضاع اختُزلت المدة إلى “12 يومًا”.

يذكر همداني في الكتاب حادثة وضع السم في الطعام لوزير الدفاع السوري -العماد داوود راجحة- وبعض الضباط والمسؤولين في “مجلس الأمن القومي”، حيث نفّذها طباخ يعمل في وزارة الدفاع منذ 20 عامًا، واستطاع الهرب إلى الأردن.

ثم يُوضح حادثة التفجير التي أودت بحياة آصف شوكت وآخرين ويقول: “إن (الجماعات الإرهابية) استطاعت أن تجند بالمال موظفًا قام بوضع متفجرات، تحت طاولة الاجتماع الذي عقده وزير الدفاع وصهر الأسد آصف شوكت، وهو الاجتماع الذي تزامن مع خطة لاستهداف دمشق”.

يذكر همداني أن آصف شوكت عارض في البداية تدخل إيران، “لكنه لاحقًا طلب مساعدتها”.

في الكتاب يقول همداني: إنه قدّم مُقترحًا إلى بشار الأسد “حال دون سقوط النظام”، وأوضح أنه في “آذار/ مارس 2013، أحكم (الإرهابيون) الطوق على بشار الأسد، وصاروا قريبين من القصر الجمهوري”.

ويُضيف: “قمنا بنقل العائلات إلى مكان آمن، وصار بشار الأسد يبحث عن بلد ليلجأ إليه”، ليتابع: “”قلت له افتح مخازن السلاح وسلّح العامة، -الحمد لله- لقد أنقذ هذا الاقتراح النظام من السقوط، فبعد ذلك بدأت (المجموعات الإرهابية) بالتراجع، وشكلت المجموعات التي جرى تسليحها النواة الأولى لمجموعات (الدفاع الوطني) التي تقاتل (داعش) و(النصرة) الآن“.

تشير المراجعة إلى أن كتاب “رسائل الأسماك”، يساعد في “فهم الأبعاد الاستراتيجية للفعل الإيراني في سورية”، وتوضح أن همداني كان قد عدّ أن “منافع الثورة الإسلامية في سورية هي التي تجعل إيران تُقاتل هنا” ويعدّه همداني “دفاعًا مقدّسًا”.

تنقل عنه-أيضًا- قوله: إن “42 فرقة و128 كتيبة من 70000 من الشباب الإسلامي من العلويين والسنة والشيعة، تُشكّل قوات التعبئة، تأخذ على عاتقها أمن المدن والقرى السورية، وهناك 130 ألف (باسيجي) مُدرب ينتظرون الإذن للذهاب إلى سورية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق