أدب وفنون

الغربة والسجن في رواية دروز بلغراد

من فضائل الأدب وفوائده، أن النص، يدخل الممرات الصعبة، يعري ويتعرى، يكشف وينكشف على المجهول، والنائم تحت الركام. يدخل تلك العتمة، الأماكن الأكثر قسوة في حياة الإنسان، والطبيعة، وبقية الكائنات. في داخله، داخل النص، مخزون هائل، ومتراكم من الألم الإنساني، وجعه، حاجاته الوجدانية والعاطفية، كتلة القيم والمعارف والمواقف.

وهو ميدان ثقافي مستقل بذاته، ومرتبط بالقارئ، في هذه اللعبة المقدسة، حالة متأثرة ومؤثرة في الأن ذاته. إن المقدار الذي يبقي النص الروائي في حالة انتشار مفتوح، هو مقدار تعدد أوجه حضوره في المجاز الذي يمنحه حيوات متنوعة، مؤتلفة، ومختلفة، تحتمل المسألة القرائية متعددة الوجوه والتوجهات.

رواية “دروز بلغراد، حكاية حنا يعقوب” للروائي اللبناني ربيع جابر، تدخل مسرحًا مهمًا في الحياة كالغربة والسجن، العلاقات الاجتماعية والسياسية في القرن التاسع عشر، التعذيب الممنهج، بوصفها ظاهرة سياسية عقابية منظمة، تقوم بها السلطة لتحطيم كينونة السجين وتدميره.

يدخل النص السردي متاهة السجن، ليصور لنا حال المعتقلين فيه: “نقلوه بعد فترة إلى قبو آخر. مكان يتسع لعشرة محابيس فيه سبعين درزيًا”. ينفتح السرد على الواقع الجديد، كمكان وواقع، معريًا السلطة من خلال السجن، شكل الألم الذي يقع على الموقوف.

عندما أراد السجين الجديد، القادم من الخارج، من الحياة الطبيعية، البريء براءة الإنسان الفطري، أن يطرح سؤالًا بريئًا على سجانه، حول وضعهم في القبو المعتم. غير مدرك عمق مصيبته، وشروط واقعه الجديد، مربوطًا بحلقة حديدية في الجدار، لم ير إلا السجان مقتربًا منه بوجه عبوس” فكّه عن الحلقة في الحائط وأمسك به من رقبته مثل أرنب ورفعه ودفعه وهزه”. ثم “قيده وذهب”.

لم يكن هناك لغة مشتركة بين السجان والسجين، كل واحد منهما له لغته.

عاش الدروز، والمسيحي حنا يعقوب، في غربة قاتلة، في سجن بعيد، في بلغراد. وضعوا في ظلمة قاتمة كجزء مهم من حفلة التعذيب الذي مارسته السلطة بحق الجناة “في الظلمة الجديدة الضيقة سمع حنا يعقوب الدروز يسأل بعضهم عن بعض ويتبادلون السلام”.

تتحول اللغة، لغتهم الأم في هذه الاصقاع الغريبة، البعيدة عن موطنم، في ظل شروط جديدة التي تفرضها الأوضاع الاجتاعية السياسية في البلدان الاستبدادية، التي ترزح تحت ثقل الانقسام الاجتماعي، والفكر الغيبي، والطائفي، والمذهبي، في زمن الانفصال عن المجتمع، إلى رسول سلام وألفة وود وتواصل ورحمة ” أصواتهم بدت أليفة هذه المرة، محببة، على الأقل يتكلمون لغة يفهمها”

الغربة والسجن، فعلت فعلها في الضحايا، رفعت الحواجز النفسية والذاتية عن بعضهم، تعويضًا عن الحرمان العام في جميع المجالات. لم يبق في هذا المكان، دروز ومسيحي، قاتل ومقتول، واستعاد عن ذلك بالحميمية والتعاضد الإنساني العام، ومحاولة مساندة بعضهم البعض في هذه المحنة القاتلة.

في هذا المكان الضيق، في هذه الأجواء المريضة، لم يبق هناك انتماء إلى الطائفة، أو تخندق على الذات، ولم نر أي تفاخر أو إحساس بالذاتية الشخصية. كما أن الهزيمة النفسية، التي منيوا بها -نتيجة البعد عن وطنهم-، جعلتهم ينصرفون عن تذكر ما فعلوه. هناك رغبة في تمرير الأيام بأقل قدر ممكن من القهر، والحاجة الماسة للبقاء على قيد الحياة.

بيد أن هناك تواطؤًا بين الضحية حنا والدروز، أن يبقى حنا متسترًا على الاسم النكرة الذي لقب به: سليمان عبد الغفار.

إن وضع الإنسان في مكان ضيق، ومعتم، وتحت الأرض، هي عقوبة بحد ذاتها. كي لا يرى الإنسان الضوء والشمس، محرومًا من الطعام، ويبقى معزولًا، منعزلًا، جائعًا، يسمع صوت بطنه تقرقر، في مكان منفصل عن العالم، دون أية شروط إنسانية، أو طبيعية، أو الاتصال بأي إنسان، سوى سجانه الذي يمر عليهم بسرعة، أو خلال لحظة قصيرة، من دون أن يمرر أي بقعة ضوء، عند دخوله أو خروجه، أو عند إدخال الطعام.

كان الظلام، عقابًا بحد ذاته، كاملًا ومتواصلًا. حتى عند توزيع الأكل، لا يدخل الضوء إلى القبو. وحشروا معًا: “كانوا مكبوسين بعضهم إلى بعض، والرؤوس تواجه الأقدام، وحنا، مكبوس بينهم، وإذا أراد أن ينقلب في الليل تستغرق هذه الحركة وقتًا”. والمأساة الكبرى أن دورة المياه أو المرحاض راقد داخل القبو بجوار السجناء، ويصدر روائح كريهة. وعندما تريد إدارة السجن تنظيف المرحاض: “في هذا الوقت بالذات لا أحد يرغب أن ينظر وكثر يسدوّن أنوفهم ويجربون العودة إلى النوم” ويضيف: “عبدان ولدان ضئيلا الحجم يدخلان لتنظيف الجورة”

في هذه الأجواء المشحونة بالتوتر والقهر، وحالة العجز التي هم فيها، دفعت بعضهم إلى الانتحار. أحدهم، انتابته موجة هستيريا عنيفة، وصل إلى مرحلة لم يعد يسيطر على قواه العقلية، والنفسية. مضى يضرب رأسه بالجدار إلى حد النزف والموت، لكون المكان يعدم أي وسيلة أخرى للانتحار، للشروط العدمية التي وضعوا فيها:

“استيقظ حنا، مرة على طرقات غريبة، وقبل أن يدرك أن أحدهم يقرع جمجمته، سمع صرخات وأنينًا ثم ماجت الأجسام وارتطم بعضها ببعض، وهم يتسلقون الظلام ويحاولون الوصول إلى نقطة محددة”. مضوا إلى مصدر الصوت وصراخ المنتحر: ” اتركوني. أريد أن أموت. اتركوني”

إن السجن جزء من أيديولوجية السلطة، لها قدرة على التسبب بألم المسجون المعذب، إعلانًا عن حضورها، وإظهارها بمظهر القوة، أو أنها، تملك الأدوات التي يعجز الفرد عن مقاومتها؛ وبخاصة في ظل الأنظمة الاستبدادية التي تمتلك شرعيتها عبر العنف المعلن، وتشرعن العنف في كل مواقع الحياة، للامساك بالحياة من خلال إدخال الألم إلى المجتمع.

إن طقوس السجن اليومية، تُدخل الإنسان في أزمة ذاتية، تعيد تشكيله وفق الشروط التي تفرضها السلطة. في هذه العتمة المدلهمة، تغزو المرء كتلة من الأحزان المتضاربة تأخذ بلبه وعقله. يجلس السجين مع ذاته وذاكرته، يراجع ماضيه، وحاضره، ويقارن الأمس باليوم. تدخل الكآبة روحه وتسيطر عليه، يشعر بعدمية الحياة أمام هول الظروف الجديدة، التي فرضتها الشروط التاريخية والسياسية على الفرد، سيما إذا لم يكن يملك وعيًا بذاته، بقضيته أو كانت قضية هشة ومعيبة. يعلن الندم والتوبة أمام نفسه والحجارة التي تسد أنفاسه. وتبدأ مرحلة الهزيمة، يعود إلى كونه إنسانًا مأزومًا، مكسورًا ومهملًا، بيد أن عين السلطة تراقب انهياره وانكساره بالكامل. وتكمل عليه لتغرقه بالألم وتبعد عنه أي أمل بالمستقبل.

أغلب السجناء الدروز، وحنا يعقوب، كانوا من الفئات الاجتماعية المهمشة، من الفئات الفقيرة، التي لم تتلقى تعليمًا. قسم كبير منهم مجرد فلاح أو راعي غنم أو ماعز أو بياع بيض. ومن السهل استثارة هذه الفئة أو توظيفها سياسيًا في أي معادلة سياسية، أو تغييرها من أجل تعويم النخبة لتحسين شروطها في المعادلة الداخلية والخارجية في لبنان.

يتبادر إلى عقلي سؤال:

لماذا وظف الروائي ربيع جابر تجربة السجن في هذه القضية وأهمل باقي القضايا؟ بمعنى، لماذا أعطى تجربة السجن حيزًا كبيرًا، أو اهتمامًا كاملًا في الرواية، وأهمل الجانب الأهم، وهو الطائفية في لبنان؟ لماذا لم يحاول أن يدخل إلى الأسباب التي أدت إلى المذبحة؟ أو محاولة تعرية الطائفية؟ ألم يكن هذا الأجدى والأجدر بالاهتمام.؟

يعوم النص، يجرفنا، يملأ قلوبنا بالحزن والألم، يضعنا في أجواء البلقان، من بعيد لبعيد، دون أن يدخل في النسيج الاجتماعي هناك، لكون السجناء يعيشون في مكان معزول عن العالم، يمنعهم من الاحتكاك بالمجتمع احتكاكًا مباشرًا.

لم يعرج النص إلى الأسباب التي أدت إلى المذبحة، مكتفيًا بإعلانها دون الدخول في تفاصيلها. لم يشفِ غليلنا عن تلك المرحلة. بقي يحجب الحقيقة والواقع، وممارساته وأفعاله، كأنه قام بدور وظيفي! مارس التورية في إخفاء الموضوع، وبقي النص غريبًا يخبئ موضوعه، معريًا الألم الذي وقع على السجناء الدروز، كأنهم سجنوا دون قضية أو مشكلة.

كان الأجدى بالنص أن يدخل المنطقة الأهم، مستنطقًا الواقع، يطرح سؤاله: من هو الضحية في هذه الرواية؟ هل هم المسيحيون الذين قتلوا، أم القاتل الذي سجن وعذب إلى أن مات، أم أن القاتل والمقتول ضحايا واقع اجتماعي سياسي فرض نفسه على الجميع؟

برأي أن السرد الروائي كانت لديه مادة خام دسمة، لبنان، وسورية، يستطيع أن يتوغل فيهما، يغوص في أعماق توازناتهما، وصراعاتهما، وقوة الجماعات الاجتماعية الفاعلة فيهما، وتعرية أزماتهما المفتعلة والفاعلة.

يمكننا طرح سؤال أخر: هل المذبحة التي قام بها الدروز والمسلمون بأخوتهم المسيحيين، من أبناء جلدتهم، هي ظاهرة سياسية موقتة أم قابلة للتكرار؟ هل هي نتاج أزمة اجتماعية سياسية اقتصادية آنية أم عميقة؟ هل جاءت من فراغ أم كان لها تحضير مسبق؟ هل هي ظاهرة تاريخية عابرة أو مستمرة؟ أم أن البنية الاجتماعية التقليدية المتكلّسة، بدأت تتصدع، وتنكسر أمام هول التغييرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت وتطرأ على العالم، لهذا تقاوم أي تغير للإبقاء على امتيازات النخبة الماضوية التي تريد الإبقاء على امتيازاتها وترفض أي تغيير؟ أم أن هذه البنية الاجتماعية مولدة لمثل هذه الظاهرة؟ متى تنتعش الطائفية وتبرز قضيةً تحت سياسي اجتماعي؟ وهل تكون فاعلة عندما تكون دولة الاستبداد قوية، وتستطيع أن تفرض شروطها على التوازنات الاجتماعية؟ أم تنتعش عندما تضعف قبضة الدولة الاستبدادية؟

الحقل الاجتماعي العام في لبنان في العام 1860، كان مفتوحًا على وسعه. خلال ثلاثة أسابيع، قامت القوات الدرزية، وبتشجيع من العثمانيين، بحملة إبادة كاملة ضد مسيحيي الجبل والبقاع. ومجازر في مئات القرى كدير القمر وراشيا وحاصبيا وجزين وزحلة، قتل في إثر ذلك بحدود عشرة آلاف إنسان أو أكثر، ونُهبت وسُرقت البيوت والكنائس، ثم انتقلت الطائفية المقيتة إلى دمشق، عندما هجم المسلمون والدروز والأكراد على الأحياء المسيحية، والناس العزل، بالسيوف والسكاكين والفؤوس والعصي والخناجر، وانضم إليهم جنود الحراسة العثمانيين. وفي حالة من الاختفاء الكامل للسياسيين وعلماء الدين وأعضاء المجلس الحاكم، في إشارة لقبولهم بالأمر الواقع. جرى خلال المذبحة قتل أكثر من عشرة آلاف إنسان ما بين رجل وشيخ وطفل، واغتصاب مئات النساء وحرق الأحياء.

الرواية تضامنت مع الدروز في الجانب الإنساني وأهملت الجانب السياسي، بل غيبته بالكامل. وكأن القضية السياسية، الـ تحت سياسي، يعتد بها، ويؤخذ بها على أنها جانب سياسي، تصل إلى مرحلة المستوى الرئيس، أي الدولة. وكأن قضية الدروز، القتل العمد، قضية حق وعدالة.

هناك -دائمًا- غايات تقف أمامنا، تفرض نفسها علينا: فما الغاية من الكتابة؟ وإلى أين يريد أن يصل الكاتب؟ هل الدخول في ممرات النص، معرفة أبعاده ومعانيه هو الغاية، أم الولوج في عقل الكاتب ومعرفة نياته؟ وهل المعاني التي يدونها الكاتب أو يجسدها في النص هي ذاتها المقروءة كما يُظن ويُعتقد؟

لماذا لم يكن هناك حوار داخلي بين السجناء حول ما حدث؟ لماذا لم يكن هناك منولوج داخلي لكل فرد؟ بقي السجناء خرسًا، صامتين أمام هو ما فعلوه، وتحملوا عذابات واقعهم الجديد بصمت.

لماذا ولد النص محجوبًا، غريبًا، يخبئ ذاته وموضوعه عن القارئ؟ لماذا ولد غريبًا منفصلًا عن ذاته، يدخل القارئ والمتلقي في حيرة، يشعران خلالها أنهما أمام سلطة مهيمنة تفرض شروطها عليهم؟

مقالات ذات صلة

إغلاق