مقالات الرأي

أوباما “المتآمر”.. وداعًا

يُودّع أوباما البيت الأبيض وسط اتهامات من الموالاة والمعارضة السورية على السواء بالتآمر عليهما، فكل منها يتهمه بالتآمر عليه.

الموالاة: تعتقد أن أميركا هي صاحبة الفوضى الخلاقة، وقد روّجت كونداليزا رايس لهذه الفوضى، وكان شمعون بيريز قد بشّر في وقت مبكر بـ “شرق أوسط جديد”، بعد مئة عام من سايكس بيكو، التي وضعت خرائط الشرق الأوسط الحالي. وأعلن أوباما أن على الأسد أن يرحل عن السلطة، وفرضت أميركا عقوبات على سورية لإضعاف الدولة، وأن الإدارة الأميركية قد أوعزت لحلفائها في مجلس التعاون وتركيا والأردن لتقديم السلاح والمال للمعارضة، وكانت مندوبة أميركا في الأمم المتحدة تؤيد إصدار قرارات ضد الدولة السورية، كما جهّزت أميركا لتوجيه ضربة إلى سورية بحجة استخدام الكيماوي، ولولا المبادرة الروسية التي بادلت الضربة بسحب الأسلحة الكيماوية السورية لحصل المحذور. أميركا وأوباما عدوان لسورية ومتآمران عليها.

المعارضة: تعتقد أن أوباما قد أيّد الثورة السورية لفظيًا، ولكنه منع عنها أسباب النجاح فعليًا، فقد رفض التدخل العسكري في سورية على غرار ليبيا، على العلى الرغم من من أن النظام السوري يقصف ويقتل شعبه بأكثر مما فعل القذافي، ورفض قصف النظام حين استخدم الكيماوي عام 2013، ورفض أن يقدم للمعارضة أسلحة مضادة لطيران النظام الذي يقصف بالصواريخ والبراميل الأحياء السكنية، وعلى الرغم من قتل نصف مليون إنسان، وتهديم وتخريب مليوني مسكن، وتشريد 12 مليون نسمة، وقد تحكمت أميركا بغرف العمليات التي تُقدّم الدعم لفصائل المعارضة المسلحة، وقيّدت عملياتها بحدود ضيقة لا تُهدد النظام. وفي الواقع مارست أميركا، وأوباما تحديدًا، دورًا معاديًا للثورة السورية والشعب السوري، وتآمرا عليهما.

محللون قوميون وإسلاميون: يرون أن أوباما ليس أكثر من أحد رؤساء أميركا، يقود دولة تُنفّذ تلك المؤامرات على العروبة والإسلام. فسورية يجب أن تُدمَّر من وجهة نظر أميركا وإسرائيل والغرب الإمبريالي، فالشعب السوري والشعب العراقي هما الشعبان العربيان اللذان يحملان مشروعًا معاديًا لإسرائيل، بوصفه كيانًا، وقد تم تدمير العراق من قبل، والآن يجري تدمير سورية، لتكون دولة ضعيفة لا تقوم لها قائمة في المستقبل، وتستطيع إسرائيل أن تحتفظ بالجولان الذي تحتله بكل هدوء. وأن اللوبي الإسرائيلي هو من وضع سياسية أوباما تجاه الصراع في سورية، بحيث يمد في أجله، مع استمرار الصراع والقتل والتدمير. بينما يعتقد محللون إسلاميون أنها مؤامرة صليبية على الإسلام، تشنها القوى الصليبية على عدة جبهات، عسكرية، وسياسية وإعلامية وثقافية واقتصادية، وأن أميركا متحالفة مع إيران الفارسية؛ لتهديم الإسلام الصحيح.

بحسب محللين يعرفون الإدارة الأميركية: في البداية أعلن أوباما عن موقفه بتأييد التغيير في سورية، وأيد عن حق الإطاحة بالأسد ونظامه، وفرض عقوبات على نظام الأسد وشخصيات حكمه، وعملوا بجد لإصدار بيان جنيف في 30 حزيران/ يونيو 2012. ولكن أوباما رفض مسألة التدخل في سورية على النمط الليبي، وقد أبلغ الأميركان موقفهم الثابت هذا للمعارضة منذ البداية، ولكن من تسلّموا قيادة المعارضة آنذاك أوهموا أنفسهم وضللوا السوريين بعكس ذلك، وأسسوا المجلس الوطني “بنفس ليبي”، أملًا في تدخل عسكري يحسم الصراع لصالح المعارضة؛ ما أوقع المعارضة في الرهانات على الخارج، وأهملت الوضع السوري الذاتي والداخل السوري وترتيب وضع المعارضة سياسيًا وعسكريًا؛ لتكون جديرة بإقناع أوباما وإدارته بقدرتها على إدارة البلاد.

مع مرور الوقت، وخاصة منذ عام 2013 بات السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة لأوباما: ما البديل لنظام الأسد؟ فقد ترسّخ تشتت المعارضة وتشرذمها عسكريًا وسياسيًا، وتنامي توجهها الإسلامي الراديكالي المدعوم خليجيًا وتركيًا، ولم تُفلح في تشكيل قيادة سياسية فاعلة ومقنعة، وذات تأثير على الأرض وذات احترام دولي، بينما تُمسك بالأرض فصائل مسلحة كثيرة جدًا جدًا، متنافسة يقودها مدنيون لا خبرات عسكرية لديهم، ولا يمتلكون أي تأهيل سياسي أو مدني، وجاؤوا من خلفيات بسيطة، بعد أن جرى إبعاد الضباط المنشقين، وأعدادهم بالآلاف، وحبسهم في معسكرات في تركيا والأردن، وستتحول هذه الفصائل إلى القتال بعضها ضد بعض في حال سقوط النظام وذهاب الأسد، ودرس ليبيا ماثل للعيان، فقد تدخلت أميركا عسكريًا وأسقطت القذافي، فتحولت الفصائل الليبية المعارضة إلى قتال بعضها بعضًا، وكان معظمها راديكاليًا يُشكّل بيئة لإنتاج التطرف، وتحولت ليبيا إلى حرب أهلية مستمرة، تشكل خطرًا على جيرانها.

وفي المحصلة، لم تستطع المعارضة السورية أن تكون مقنعةً لأوباما، ولم تُبرهن على جدارتها وقدرتها على تحقيق الاستقرار، وإدارة سورية الجديدة في حال ذهاب الأسد ونظامه، ويكفي أوباما أنه وجّه دعوة لرئيس الائتلاف، الشيخ معاذ الخطيب، بُعيد تشكيل الائتلاف في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، ولكن الشيخ معاذ رفض مقابلة أوباما، وعندما ذهب -في ما بعد- وفد من الائتلاف برئاسة أحمد الجربا وقابل أوباما، كان هذا كافيًا لتعزيز قناعة أوباما بأن المعارضة غير قادرة على إدارة البلاد في حال سقوط النظام.

هذه الأوضاع جعلت الجواب عن سؤال أوباما عن البديل، هو أن البديل لنظام الأسد في حال سقوطه سيكون أسوأ، وسيخلق فوضى في سورية تهدد أمن إسرائيل، بينما بقاء نظام ضعيف في دمشق تطمئن إليه إسرائيل أفضل من بديل المعارضة.

في هذه الحال، كان قرار أوباما رفض تقديم دعم فاعل يساعد في الإطاحة بالنظام السوري وبالرئيس الأسد، وتغاضى عن تدخل إيران في سورية، بما يُقدّم لها، من طرف آخر، رشوةً ضمن مساعي أوباما لاجتذابها للتوقيع على اتفاق النووي، وقد عدّ أوباما هذا الاتفاق أحد أهم إنجازات فترتي رئاسته، ومع تزايد الطابع الإسلامي لفصائل المعارضة المسلحة، ثم ظهور القاعدة في سورية، وبعدها داعش، تعزز موقف أوباما الرافض لسقوط النظام وانتصار المعارضة، وأصبحت أولوية أوباما هي الحرب ضد الإرهاب، وليس إسقاط الأسد. فقد نجحت استراتيجية الأسد – إيران – الروس باستخدام الإرهاب؛ لتخويف أميركا والغرب من المعارضة السورية “التي تتأسلم راديكاليًا”، ولكن المعارضة وداعميها المباشرين قدّموا للأسد المادة التي يحتاجونها في استراتيجية تحويل أولوية الغرب من إسقاط النظام إلى الحرب ضد الإرهاب. وعلى الرغم من أن داعش والنصرة هما المصنفتان منظمات إرهابية، وأوباما يعتقد أن غالبية فصائل المعارضة، وخاصة في الشمال، تحمل فكرًا إسلاميًا راديكاليًا.

ضمن هذا السياق قَبِلَ أوباما -بسهولة- بوقف ضرب مواقع النظام في 2013، مقابل تجريد سورية من سلاحها الكيماوي، وتغاضى عن دور روسيا وتدخلها في سورية؛ لتقديم دعم فاعل للنظام عندما تهدد النظام بقوة أكبر صيف 2015. ولكن أوباما لم يستطع فرض حل وسط وفق جنيف، يقوم على شراكة في السلطة، فترك الأمر يسير بهذه الوتيرة بانتظار تعب جميع الأطراف، وبروز أوضاع جديدة تشكل مناخًا ملائمًا للحل، ولكن انتهت فترة رئاسته الثانية، ولم يتحقق ما يتمناه.

ما يمكن أن نستنتجه من كل ما سبق، أن نظرية المؤامرة لا تصلح للتحليل الصحيح والفهم الصحيح، الذي هو شرط للفعل الصحيح.

مقالات ذات صلة

إغلاق