مقالات الرأي

في المسؤولية عن صعود “داعش” وأخواتها

أضحت الحرب الدولية على “داعش”، وأخواتها، بمنزلة اختصار للحرب على الإرهاب المنظم، والعنيف، والمؤدلج، أو المتأسلم، بيد أنها أضحت بمنزلة حرب على النفوذ الإقليمي أيضًا، على ما يتّضح من تنافس أو صراعات القوى الدولية والإقليمية في أكثر من بلد، ولا سيما في سورية والعراق.

ومثلما كان لـ “القاعدة”، ثمة آباء كثر أيضًا، ساهموا في تخليق هذا الوحش الخرافي، أو الذي جرى تصويره على هذا النحو، ووفروا له مقومات الحياة والنمو، كل بحسب أغراضه، على الرغم من رواج الحديث عن البيئات المجتمعية الحاضنة في العراق، وسورية، الذي يغفل عدم نشوء ظاهرة كهذه في بلدان عربية مشرقية أخرى، تبدو مهيأة أكثر، أو في بلدان المغرب العربي، مثلًا.

والحقيقة المعروفة هي أن معظم النظم المحيطة بسورية والعراق، أو التي تشتغل فاعلًا محليًا في هذين البلدين، ساهمت في تخليق “داعش” وأخواتها، بطريقة أو بأخرى، مباشرة أو مواربة، وهي مسؤولة عن ذلك. يأتي ضمن هذا الإطار -أيضًا- الدول الغربية التي سكتت عن المقتلة الفظيعة في سورية والعراق، وعن تدخل إيران وميليشياتها في هذين البلدين، واكتفت بمراقبة نمو ظاهرة “داعش”، من بلدانها، وسكتت عن الوافدين من مواطنيها للمشاركة في القتال، مع أنها اشتغلت على عدّهم وتنظيم أضابير لهم.

وإذا كان ينبغي الحديث عن بيئات حاضنة فإن هذه الظواهر نشأت في البيئات التي صنعتها نظم الاستبداد التي قوضت الدولة، واستخدمت آلتها الاستخبارية والعسكرية، لإخضاع المجتمع، ودفع الملايين إلى دائرة التهميش والفقر والحرمان من الحرية والكرامة، ومن ثم؛ تفاقم مشاعر اليأس والإحباط والغضب والتمرد.

ثمة أيضًا مسؤولية تقع على عاتق القوى الإسلامية المعتدلة، أو التي ترى نفسها كذلك، كونها لم تتصدّ لهذه الظاهرة، بنقدها ودحض ادعاءاتها وكشف تغطيها بالإسلام، ولا سيما أن هذه القوى مازالت تصدر مواقف متضاربة من الدولة المدنية والديموقراطية، ومن تمسكها بنظريات الحاكمية لله، وتطبيق الحدود، والخلافة، ولا تُميّز بين الديني والدنيوي، وتحاول إضفاء قدسية على ادعاءاتها السياسية.

في هذا الإطار، ثمة قسط كبير من المسؤولية يقع، أيضًا، على عاتق الإسلام السياسي الشيعي تحديدًا، المتمركز حول نظام ولاية الفقية في إيران، واصطبغ في العراق ولبنان بالصبغة الميليشياوية، وإثارة النعرة المذهبية، وهو ما يمكن ملاحظته في أشرطة الفيديو التي تصور مشاهد قتال “حزب الله” اللبناني في سورية، وتغطى بأهازيج ذات طابع ديني، ومذهبي فاقع، مع أن الأمر يتعلق بمسألة سياسية.

بناءً على ذلك؛ ربما من السذاجة الاعتقاد أن “داعش” و”النصرة”، أو أي من اشتقاقات “القاعدة”، هي بمنزلة نتاج صاف للبيئات الشعبية، وللتحولات في الجماعات الإسلامية المحلّية. هذا لا يعني أنها هبطت بالمظلة من السماء، أو أنها نبت شيطاني من الأرض، أو من غامض علم الله، ففي عالمنا بات كل شيء تقريبًا محسوبًا ومكشوفًا، وهذا ليس حديثًا عن “مؤامرة”، فالعالم غدا واضحًا “وجريئًا” إلى حد وضع أفكار و”ميديات” وأموال تحت تصرّف جماعات كهذه، التي تظهر حيث يتقرّر لها.

في حال “داعش” -مثلًا- ثمة جماعات تتنقّل داخل سورية والعراق، وعبر الحدود، بسيارات وعربات مصفحة وسلاح متوسط، وفي حال “النصرة”، كان ثمة “متطوعون” يأتون بطائرات مع تسهيلات مرور، من دول تشمل الشيشان (في روسيا الاتحادية) وتونس والسعودية والكويت والأردن وبريطانيا وألمانيا، علمًا أن الانزياح من “داعش” إلى “النصرة”، وبالعكس في سهل جدًا، خاصة في سورية. وعمومًا فالأسماء معروفة، وكان معظمها في سجون سورية والعراق والأردن مثلًا. وثمة حديث عن أن معظم رجالات بن لادن، وأفرادًا من عائلته، كانوا وجدوا ملاذًا لهم في إيران، وأن الظواهري في هذه “الضيافة” أيضًا، وحتى في بريطانيا يتحدثون بالأسماء عن عودة 300 وبقاء 500، ممن انخرطوا في هذه الجماعات.

ليس القصد تبرئة البيئات الشعبية “السنّية”، فهي تكاد تكون المتضرّر الحصري من “داعش” و”النصرة”، كما ولا مقابلة هذه الجماعات بكتائب أبي الفضل العباس وعصائب الحق وفاطميون ونجباء وحزب الله (من ميليشيات عراقية ولبنانية تتبع إيران)، وإنما القصد لفت الانتباه إلى أن البيئات الفقيرة و”المعتّرة” والمهمّشة، ماديًا وتعليميًا، لا تستطيع إنتاج جماعات كهذه، لأنها بالكاد تستوعب الفرائض الدينية وخطب “الجمعة”، فمن أين لها أن تستوعب ابن تيمية والمودودي وسيد قطب مثلًا، هذا إن سمعت بهم؟

أيضًا، معلوم أن التدين الشعبي السائد مرن ومعتدل، وأن تعاطف بعض القطاعات مع تيار “الإخوان”، لا يعني استيعاب أفكارهم. وقد شهدنا أن الوضع في سورية والعراق كشف أن “الإخوان” لا يحظون بهذه الشعبية، وأن جمهور “السنة” بالذات في مصر وتونس، وليس غيره، هو الذي أضعف وجودهم في الحكم فيهما.

هكذا الأجدى التمييز بين الحقيقي والمصطنع في نشوء هذه الظواهر، وتفسير صعودها، ومكامن قوتها، في هذه الفترة القصيرة التي لا تقتصر على عنف النظام السوري، وطائفية النظام الحاكم في العراق، فهذا جزء من الحكاية. والأرجح أن الجزء الأكبر من الحكاية يكمن في محاولات النظامين المذكورين تخليق “غول” أخر، بالتعاون مع إيران، لصدّ الحراكات الشعبية، وحرفها وتشويهها، كما يكمن في الأجندات الخارجية المتضاربة، التي تتلاعب بالوضعين: السوري والعراقي، وترسمها دوائر مخابرات دول، سواء تلك التي تدافع عن نظامي سورية والعراق، أم تلك التي تقف ضدهما.

مقالات ذات صلة

إغلاق