تحقيقات وتقارير سياسية

“الائتلاف السوري” المعارض يواجه امتحانًا داخليًّا

يسري في دماء “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” توجه جديد ينطوي على انسحابات متتالية لأعضاء قدامى فيه، يحمل في طياته رسالتين اثنتين: أولاهما أن الائتلاف بات في حالة خريف مزمن، جعل بعض أعضائه يهجرونه، أو أن هذه الانسحابات المتتالية ربما تشير إلى إمكانية نشوء كيان معارض جديد.

وحول هذه المواقف، قال عضو الهيئة السياسية في الائتلاف، فايز سارة: “تجاوزت محنة قرار، كثيرًا ما تهيبت اتخاذه بترك الائتلاف، لأني ما وددت أن أوجه سهمًا واحدًا إلى فكرته التي كانت ضرورية في السابق، وضرورية في مستقبل سورية والسوريين، إذ دون تحالف حقيقي وواسع، لن يستطيع بلدنا ولا أهلنا تجاوز ما أصابهم من كوارث على أيدي نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين ومليشياتهم، وحلفائهم المستترين والعلنيين من متطرفي (داعش) و(جبهة فتح الشام) وأخواتهم قتلاً واعتقالاً وتهجيرًا، وتدميرًا للقدرات الفردية والاجتماعية للسوريين”.

وأضاف سارة في مقال له بعنوان (قبل أن أغادر الائتلاف) “بذلنا من مواقع مختلفة جهدًا كبيرًا من أجل إصلاح الائتلاف الذي عرفنا واعترفنا مرات ومرات، أنه يحتاج إلى إصلاح جدي وعميق، ووضعنا مشروعات وخططًا لإصلاحه، لكن كل المشروعات والخطط، جرى تعطيلها وحرفها عن غاياتها في جعل الائتلاف أفضل لخدمة ثورة سورية والسوريين”، موضحًا أن أصحاب المصالح استطاعوا “أن يُفشلوا جهد الإصلاح، وذهبوا بالائتلاف إلى مزيد من الإضعاف إلى الدرجة التي صار إليها”.

وتابع “أود أن أُشير بشكل سريع إلى أسباب منعت إصلاح الائتلاف الذي ولد مريضًا بفيروسات المجلس الوطني، وبينها تدخلات إقليمية ودولية رسمته وفق أجنداتها، وضمت في عداده شخصيات وجماعات، لم تكن في سورية، ولا تكاد تعرفها قبل انطلاق الثورة ولا قبلها، وأصحاب مصالح راهنوا على التدخلات الدولية طريقًا لإزاحة نظام الاستبداد والقتل، والحلول محله، عبر سعيهم إلى عسكرة الثورة، ثم أسلمتها وتطييفها، واتبعوا كل السبل وارخصها، من أجل الحفاظ على وجودهم بأي مكان في قيادة (المعارضة)، وكله بخلاف روح الدفق المدني والشعبي، الذي أظهرته الثورة بوجهها الشبابي الديمقراطي والشعبي الوطني عند انطلاقتها في وجه نظام الأسد وعصابته. ولم يكتفِ حاملو فيروسات المجلس الوطني بما حملوه من التجربة المرة، بل أضافوا إليها تجديداتهم، عند تأسيس الائتلاف، بأن حولوه الى شركة خاصة، ما لبثت أن أعلنت إفلاسها بعد أشهر قليلة، فكانت التوسعة بهدف الإنقاذ، لكن الفئة المسيطرة والداعمين الأساسيين تلاعبوا بالتوسعة منعًا لتجاوز أخطاء تشكيل الائتلاف، وأقاموا سدودًا في وجه تطويره، ومنعوا صيرورته أداة في خدمة الثورة والشعب السوري”.

من جهته قال مصدر في الائتلاف لـ (جيرون): إن ما أشار إليه سارة “يُجسّد بطبيعة الحال موقف أكثر من تركوا الائتلاف في الفترة الماضية، بدءًا من نورا الأمير، ثم سمير نشار، مرورًا بنغم الغادري وخطيب بدلة وميشيل كيلو، وربما ليس انتهاء بسارة نفسه”.

وأضاف: “هذه الانسحابات يجب أن تُوصل رسالة واضحة إلى الائتلاف بأنه في حال لم يدرك حقيقة مشكلاته الداخلية، ويحاول بالسرعة الممكنة إصلاحها، فإنه بلا شك يضع نفسه على طريق التشرذم والتفتت أكثر فأكثر”.

وحول إمكانية أن تكون هذه الانسحابات هي بهدف تشكيل بنية معارضة جديدة، قال المصدر “هذا وارد لكن مستبعد، خصوصًا وأن من يمشي في أروقة الائتلاف يدرك تمامًا أن هذا الجسم بات مريضًا جدًا، وبحاجة حقيقية وملحة للعلاج لا الإماتة”.

وعلى الرغم من أن كل من نغم الغادري وخطيب بدلة لم يعلنا صراحة أسباب الانسحاب، إلا أن المصدر عد أسبابهما قد لا تختلف كثيرًا عن أسباب فايز سارة.

وكان سمير نشار قد أعلن في وقت سابق، في تصريحات صحافية، أن “هذا الجسم العليل (الائتلاف) لا يمكن إصلاحه، على الرغم من كل المحاولات من الهيئات الرئاسية المتعاقبة على تقديم عمليات إصلاح حقيقية فيه”، موضحًا أن “هناك أسبابًا بنيوية نشأت مع الائتلاف، حيث لم يكن لهذا الجسم السياسي أي (إرادة حرة للدفع نحو الحل السوري)، وأن هناك عدة إرادات دولية وإقليمية هي التي تتدخل في الشأن السوري، بداية من قرارات التسليح إلى إقرار إنشاء الحكومة السورية المؤقتة”.

كما كتب ميشيل كيلو في مقال له بعنوان “لماذا تركت الائتلاف؟” يقول: إن عائد جهده في محاولة إصلاح الائتلاف من مشكلاته “كان محدودًا إلى أبعد حدّ، وضاع في التحزبات والخلافات والصراعات الانتخابية، والتدخلات الخارجية المتعدّدة أطرافها، بينما كان الائتلاف يبتعد أكثر فأكثر عن دوره المفترض قائدًا للثورة، ويكتفي بصفته التمثيلية التي تقلصت، بمرور الوقت، إلى اتصالاتٍ خارجية، ازدادت تدنيًّا وهامشية، وعلاقات داخلية برّانية، أخذت دومًا صورة أحاديث مرسلة مع العسكر، لم يترتّب عليها أي نتائج عملية بالنسبة إلى نظرتهم إليه، أو إلى أنفسهم وأدوارهم. أما الأسباب؛ فترجع إلى أن التنظيمات المسلحة الكبيرة لم تعترف به، وبمشروع الحرية الذي أعلن تبنيه، لكن إكراهاتٍ عمليةً ألزمته بمراعاة الواقع الميداني/ الداخلي الذي تسيطر هي، وليس هو، عليه”.

وأضاف قائلًا “وبما أن معظم هذه التنظيمات كان معاديًا لمشروع الثورة الأصلي، أي للحرية، فقد أحجم الائتلاف عن مواجهتها، ومارس حيالها موقفًا جعل مشروعه الثوري كلاميًّا، وأرغمه على التساهل في تبنيه فعليًّا وعمليًّا، وفي النضال من أجل انفراده بالساحة، مع أن الموقف منه كان وسيبقى الموقف من الثورة الذي يجب أن يوضع في مرتبةٍ أعلى من أي علاقة جزئية أو دنيا، يقيمها مع أي تنظيم، فكيف إذا كان تنظيمًا إرهابيًا”.

ختم المصدر حديثه لـ (جيرون) قائلًا: إن “الائتلاف اليوم أمام امتحان كبير، فإما أن ينجح فيه، ويعيد إلى نفسه العافية التي بات يفقدها شيئًا فشيئًا، أو أن يخسر الامتحان، وتتساقط أوراقه، واحدة تلو الأخرى، والزمن هو الذي سيكشف لنا المآل”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق