تحقيقات وتقارير سياسية

النظام وطموحات الهيمنة على موارد المياه

وجد النظام السوري أن سياسة التهجير وتفريغ البلدات من أهلها، واستمرار خرق الهدن التي وقّع عليها، بتغطية روسية وتشجيع إيراني، بات أمرًا سهلًا لا يُحاسب عليه، ولا سيما في ظل إمكانات قوات المعارضة المتواضعة بالعدة والعتاد، وتحديدًا في منطقة وادي بردى، إذ تجاوز حصار النظام لها الأربع سنوات، ولم يكن من ميزة لقوات المعارضة في الوادي سوى سيطرتها على نبع عين الفيجة، الذي يشرب منه نحو خمسة ملايين إنسان في دمشق وبعض ريفها.

أراد النظام السوري أن يُنهي هذه الحالة، وينتزع من أهالي وادي بردى تلك الورقة الاستراتيجية المهمة، اقتنص الفرصة وانقضّ على نبع الفيجة دمارًا وتدميرًا، في وقت عجز فيه الضامن الروسي، ومعه التركي، عن إيقاف هذه العدوانية التي تتذرع بوجود “فتح الشام”، بينما يعرف الأميركيون، والروس أيضًا، أن لا وجود لأي فصيل يصنفونه إرهابيًا ضمن كل وادي بردى، من بسيمة إلى عين الفيجة؛ وصولًا إلى دير مقرن والحسينية ودير قانون. فالمنطقة خالية تمامًا من التنظيمين: “فتح الشام” و “تنظيم الدولة”، ومع ذلك؛ تستمر المعارك والقذائف بجميع أنواعها موقعة مزيدًا من المجازر في صفوف المدنيين، وسط صمت عالمي مريب، وهو تكرار لما جرى من خذلان وصمت في أثناء حصار حلب، والمعارك التي دارت فوق رؤوس أهليها وضدهم.

من جهته، يرى الناشط مهند معتوق، وهو من أبناء المنطقة أن “الوادي (إضافة إلى كونه منطقة خصبة وجميلة)، فإنه يشكل حلقة وصل جغرافية بين مناطق سيطرة (حزب الله) في لبنان ودمشق.. ولو نجح النظام والحزب في الاستيلاء عليه وإجراء تغيير ديمغرافي فيه، فهذا يعني أن دمشق -هي الأخرى- ستخضع -لاحقًا- لعملية تطهير ديمغرافي شبيه، خصوصًا إذا استمر هذا الوضع المتآكل في صفوف المعارضة المترافق مع خذلان دولي”.

لعل الذرائع الواهية والادعاءات اليومية التي يطلقها النظام من قبيل أن قوات المعارضة هي من فجّر النبع لتعطيش العاصمة وإغراقها في أزمة مياه غير مسبوقة، في الوقت الذي يوثق الناشطون أكاذيب النظام، إذ يؤكد سالم نصر الله أن “طيران النظام أسقط برميلًا متفجرًا على منشأة ضخ مياه عين الفيجة المقامة على النبع، ما أوقف المضخات عن العمل وفجر قساطل المياه ما جعل مياه النبع تصب في وادي بردى مباشرة”.

يرمي النظام من وراء ذلك، إلى خلق أزمة مائية في دمشق من أجل تحقيق هدفين رئيسين: أولهما تنفيذ توجيهات إيرانية بتهجير ما لا يقل عن 3 ملايين دمشقي من العاصمة، وضواحيها الفقيرة، إضافة إلى تحقيق مكاسب مالية هائلة لمافيات النظام ومؤسسات ما يسمى (التدخل الإيجابي) من بيع المياه للمواطنين المقتدرين بأسعار خيالية”.

إن واقع الدولة الأمنية المنبثقة من مستنقع الاستبداد المشرقي والطغيان الطائفي الذي يتجاوز كل معطى، هو ما أدى إلى ما وصلت إليه الحال في سورية.

في هذا المضمار، من المفيد العودة إلى ما قاله مصطفى حجازي في كتابه (الإنسان المهدور): “الطغيان هو السلطة المحضة، ليس على مستوى الحكم والسياسة وحدهما، بل على مستوى المجتمع ذاته. الطاغية باختصار يفترس المجتمع بما فيه من مؤسسات وهيئات وناس. إنه يلتهم الجميع، ولا يقبل أن يترك شيئًا خارجه. قوّته وسطوته تتغذى من عملية الالتهام المستمرة هذه؛ حتى ليصبح هو البلد والبلد هو: هو المؤسسات، والهيئات جميعًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق