سورية الآن

الرؤية التركية لمفاوضات أستانا وسبل نجاحها

في الساعات الأخيرة من عام 2016 أثمرت اللقاءات السياسية بين روسيا مع وفد المعارضة السورية المسلحة في أنقرة عن التوصل إلى تفاهمات سياسية حول مستقبل سورية، تبدأ بتوقيع هدنة لوقف إطلاق النار، بدأت في حلب، ثم باقي سورية، ثم الدعوة إلى مفاوضات سياسية بين وفد من المعارضة السورية العسكرية والسياسية مع ممثلي بشار الأسد في العاصمة الكازاخية أستانا بتاريخ 23 كانون الثاني/يناير الجاري، وحيث أن التحضيرات لمفاوضات أنقرة للهدنة تمت بضمانة تركية لجهة المعارضة السورية، وضمانة روسية لجهة قوات الأسد، وحيث أن فكرة اللقاء بين الروس والمعارضة السورية الداخلية المسلحة تمت بتفاهمات تركية وروسية فإن الرؤية التركية هي الترحيب بهذه المفاوضات أولًا، والعمل على انجاحها لصالح الشعب السوري ثانيا، بالرغم مما يعترضها من صعاب، ليس فيما يضعه وفد بشار الأسد من شروط تعجيزية، وإنما بما تضعه إيران أمام روسيا من صعاب أيضًا، وبما تفعله الميليشيات الطائفية اللبنانية والعــراقية من قتل وإرهاب للمدنيين.

حاولت إيران ولا تزال تحاول إفشال مفاوضات أستانا، وسبق الإشارة في مقال سابق ان أمريكا لن تجد أفضل من بشار الأسد وإيران وتوابعها الميليشياوية المقاتلة على الأرض من فرص لافشال المفاوضات في أستانا، وقد حاولت إيران الضغط على روسيا بإعلانها منفردة بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير الجاري بأنها أي إيران وحكومة الأسد ترفضان دعوة أمريكا لمفاوضات أستانا، وقد شملوا في الرفض السعودية وقطر، وربما كان عليهما أن يرفضا حضور تركيا أيضًا، لأن تركيا وقطر والسعودية تشكل الثالوث المتهم بدعم الثورة السورية من قبل إعلام محور إيران وقوات الأسد، ولكن هذا الموقف الإيراني من رفض دعوة واشنطن تلقى صفعة قوية من موسكو، إذ أعلن وزير الخارجية الروسي لافروف في اليوم التالي أي يوم 19 كانون الثاني/يناير الجاري دعوة الأمم المتحدة وواشنطن لحضور مفاوضات أستانا، فهذا الاعلان من لافروف يتوافق مع الرؤية التركية، التي أعلنت مرارا أنها تريد حضور الولايات المتحدة الأمريكية مؤتمر أستانا على لسان وزير خارجيتها جاويش أوغلو، والصفعة التي تلقتها إيران من روسيا بهذا الصدد قوية جدا، لأن من رفضوا حضور واشطن هم أكبر المسؤولين الإيرانيين من قبيل علي شمخاني رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، ومستشار خامنئي علي أكبر ولايتي، ووزير الخارجية جواد ظريف الذي قال «لم ندع الولايات المتحدة ونعارض وجودها» فهذه الشخصيات الإيرانية الكبرى تعلن رفضها حضور أمريكا يوم الأربعاء، ثم يأتي الرد الروسي يوم الخميس برفض الموقف الإيراني، للدلالة على ان روسيا ترفض تدخل إيران بتولي أمور المؤتمر والتحكم فيه، لأن الدعوة الروسية لأمريكا جاءت بعد الرفض الإيراني، فهذه من خيبات إيران الكبرى في المؤتمر قبل انعقاده، وعندما استغرب الصحافيون الموقف الروسي بعد الاعلان الإيراني قال لافروف للصحافيين «لقد دعوناهم بالفعل»، أي أن روسيا لن تفكر أو تناقش إيران بالأمر ولن تسمع لرأيها بدعوة أمريكا أو غيرها.

الأمم المتحدة ستحضر:

كذلك أعلنت الأمم المتحدة أن مبعوثها إلى سورية ستيفان دي ميستورا سوف يحضر المؤتمر بعد تلقيها دعوة من روسيا، وقد عللت الأمم المتحدة تغيير موقفها بحضور دي ميستورا بان هناك قضايا مهمة سوف تبحث في هذا المؤتمر ينبغي أن تكون متابعة لها. فالمتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفن دوجاريك قال: «إن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس طلب من دي ميستورا المشاركة في المحادثات نظرا لتعقيد وأهمية القضايا المرجح أن تناقش في أستانا».

هذه المواقف الروسية مؤشر على توافق أكبر بين روسيا وتركيا في أهداف مؤتمر أستانا، ولعل إعلان تركيا وروسيا في اليوم نفسه وهو 18 كانون ثاني/يناير عن قيامهما بأول طلعات جوية مشتركة فوق الأراضي السورية واستهداف تنظيم «الدولة» مؤشر أكبر على هذا التفاهم التركي الروسي في سماء سورية وليس على أرضها فقط، ولذلك نرجح صدق تحليلات بعض السياسيين بأن إيران ستكون مهمشة في مؤتمر أستانا لمصلحة الرؤية التركية، والرؤية التركية تقوم أساسا على ان كل معاناة الست سنوات الماضية كان يمكن اختزالها بستة أشهر من الإصلاحات التي كان يمكن ان يقوم بها بشار الأسد عام 2011، ولكنه رفض ذلك في ذلك الوقت، وهو اليوم يتمنى ذلك، ولكنه لن يجـــده، ولذلك سيأتي إلى مؤتمر أستــانا صاغرا بعد فشله في تخريب الهدنة، لأن روسيا ترفض تخريب مؤتمر أستانا أولًا، وسوف تحاسب من يفشل المؤتمر ولو بعد حين.

ولذلك كان إعلان وزير الخارجية الروسي لافروف يوم 17 كانون الثاني/ يناير الجاري مهم جدا، والذي قال فيه بانه:» لولا تدخل روسيا لسقط نظام الأسد خلال أسبوعين» وهو بذلك يوصل رسالة إلى بشار الأسد بأن يلتزم حدوده، فلم يتمكن من حماية نفسه أولًا، ولم تتمكن إيران بالرغم من كل حربها الطائفية طوال أربع سنوات من إنقاذه، فذهب الجنرال قاسم سليماني يتسول المساعدة العسـكرية من روســيا في تموز/يوليو 2015 قبل أن يخسر المعركة في سورية، وبالتالي فلا يملكان أن يمليا شروطهما على روسيا، فروسيا تتصرف كدولة مسؤولة عن تدخلها العسكري في سورية أمام الشعب السوري والعالم العربي والإسلامي والعالم أجمع، ولن تقبل بعد الآن خوض معركة لا أفق لها.

لذلك ينبغي النظر إلى مقولات إيران وبشار الأسد الإعلامية حتى مؤتمر أستانا بكثير من الأسى على مخاوفهما مما ستؤول إليه الأمور في سورية، فقد أدركت روسيا قدراتهم العسكرية والقتالية خلال السنة ونصف الماضية ميدانيا، وعلمت أن انسحاب روسيا من سورية سيعني نهاية المشروع الإيراني في سورية والمنطقة، لأنه احتلال خارجي أجنبي مرفوض ومكروه من الشعب السوري والأمة العربية والإسلامية، ولا مصلحة لروسيا أن تضحي من أجل الاحتلال الإيراني في سورية.

ما يشهد لذلك ذعر إيران مما يجري، فقد أخذت إيران على غير عادتها تعلن أنها فقدت الآلاف من جنودها وضباطها في سورية، وأنها صرفت خلال هذه الحرب التي شنتها على سورية 175 مليار دولار، وانها لن تقبل بخسارة هذه المعركة بالمفاوضات السياسية، وقامت يوم 18 كانون الثاني/ يناير الجاري أيضًا بتوقيع اتفاقيات شراء ما تظن أنه يعوض خسارتها المالية، ولكنها اخطأت عندما كان البائع لها هو بشار الأسد الذي لا يملك ما يبيع، ولكن إيران تريد هذه العقود لتقول لروسيا والعالم بان لها حقوقًا وصكوكًا في سورية، وكأنها ستضع هذه الصكوك المالية والاتفاقيات الاقتصادية على طاولة المفاوضات وتطالب بتسويتها قبل الخروج من سورية، وهي لا تدرك أن دم طفل سوري واحد أغلى ثمنا من كل المال الذي خسرته في حربها الطائفية.

جبهات المعارضة:

لذلك فإن ما يجري في أستانا لن يكون محاولة لضم مجموعات إرهابية للمصالحة الوطنية وإلقائها السلاح كما يدعي بشار الأسد مع وكالة أنباء يابانية، لأن المجموعات المسلحة القادمة ترى نفسها أنها قادمة على جبهة أخرى من جبهات المعارضة السياسية لا تقل أهمية عن جبهات القتال الداخلية، وهدفها بناء سورية الجديدة الخالية من الميليشيات الطائفية والإرهابية معًا، وتركيا وروسيا تؤيدان هذا التوجه للمعارضة السورية، وتدركان أيضًا أن شخص بشار الأسد أصبح عنوان الأزمة السورية وبقائها، وان الحل النهائي ليس لوقف الصراع في سورية فقط، وإنما لمستقبل سورية ونوعية الدولة التي ينبغي السعي لإيجادها، فإذا أبت إيران وأمريكا إلا مواصلة الصراع في سورية حتى تقسيمها، فإن لروسيا طريقها في البحث عن مصالحها أيضا، كما أن لتركيا طريقها في البحث عن أمنها ومصالحها معًا، فتركيا تعمل بكل جد لنجاح مفاوضات أستانا، ولكن تدرك صعوبتها، وفشلها يفرض على تركيا تأمين حدودها الجنوبية وشمال سورية مع سكانها الأصليين من الشعب السوري العربي، ورفض كل الكانتونات الانفصالية شمال سورية، وهو ما تأمل ان تشاركها فيه روسيا والإدارة الأمريكية الجديدة في عهد ترامب، بعد أن أخلت إدارة أوباما بكل تعهداتها مع تركيا بخصوص أوضاع شمال سورية.

(*) كاتب تركي

مقالات ذات صلة

إغلاق