مقالات الرأي

ثقافتنا وثقافتكم (في سياسات الاندماج الأوروبية)

تهيئ معظم الدول الأوربية برامج للوافدين عليها بقصد الإقامة، وخاصة من الهاربين من جحيم الحروب ومصارع الاستبداد وكوارث التجويع والإفقار، وهي برامج تتوزع بين تعليم اللغة، والتعريف بالقوانين، إضافة إلى مناهج فكرية تبين طبائع مجتمعاتها ومفهوماتها، لا شك في أن هذه البرامج على قدر عال من التنظيم والدقة تدل على الأبواب المشرعة، أحيانًا ليست مشرعة تمامًا، إنما يجري ضبطها قبل وبعد المرور منها.

في المناهج التي تُعرِّف بالقوانين والمجتمعات الأوربية، يُفتح باب الجدال في الاختلاف الثقافي، ومهما طال الجدل، فإن الجملة الحاسمة تكون للقانون، وهو أمر منطقي في بلاد تقر قوانينها أو تغير من خلال عملية ديمقراطية، إلا أن ما يصاحبها من استعلاء ثقافي سواء في الجمل الشارحة، أو في مجريات الحوار بين المحاضر وفئة الوافدين المنتظمين في دورات التعريف. فثمة إشارات كثيرة ومتزاحمة حول الانتقال من ثقافة دنيا إلى ثقافة أعلى، يمكن حصرها بسؤال جوهري: انظروا أين نحن بفضل ثقافتنا، وأين أنتم بسبب ثقافتكم السيئة؟!

في أثناء زيارة لبلدية في ضواحي مدينة ستوكهولم، كان السؤال مباشرًا من مسؤولة في البلدية، وخاصة حول مسائل العنف الأسري، وإشارتها الواضحة إلى تفشي هذا العنف في بلدان الشرق الأوسط، وكذلك بين الوافدين من هذه البلدان، كان علي ربما أن أعرض عن نقاش الأمر طالما أن الإحصائيات تؤيد ما ذهبت إليه، لكن نبرة الكلام المشوبة بالتعالي، كانت مستفزة جدًا، فقلت لها علينا أن ندقق في هذه الظواهر، ونتحقق إن كانت ناتجة عن ثقافة هذه البلدان أم ناتجة عن سياسات وثقافات مجتمعاتكم. ليس ما يرتبط بالعنف الأسري فحسب، وإنما كل القضايا المؤلمة والمدمرة في مجتمعات الأطراف بالنسبة إلى المركزية الغربية. وأشرت لها إلى أمر ذكرته مثالًا، حول تعنيف الأطفال والنساء، فالتراث التربوي المدون بالعربية، فيه اتفاق عام على مراحل ستة في عقاب الأطفال، تبدأ بالإعراض عن الفعل المشين، وتصل في حدها الأعلى إلى التنبيه المباشر، دون أن تصل إلى التوبيخ الذي هو درجة من درجات الإهانة. وأن هذا التراث حتى في شقه الديني لا يعاقب المرأة ولا يكلفها أي مسؤولية حتى وإن رفضت أن تخدم منزلها، وعلى زوجها أن يجد من يعتني بأولاده إذا رفضت العناية بهم. صحيح أن هناك بعض الرؤى والآراء الأخرى، لكن الثقافة العامة والغالبة لا تتفق معها. وصحيح أن محك أي ثقافة هو الواقع الذي تفرزه، لكن علينا أن ندقق في هذا الواقع، وأن نتعرف بدقة إلى البنى الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تفرزه.

لا يمكن للعنف الأسري أن ينتشر في مجتمعات مستقرة ونامية، إنما هو سمة للمجتمعات المأزومة، سواء أكانت مجتمعات تعيش تحت وطأة أوضاع قاهرة، أو حكومات مستبدة، أو جاليات تعاني الضغوط والإهمال. وبدلًا من توجيه الاتهام إلى الثقافة، على من يروم الإنصاف أن يدقق في البيئة التي تنتج هذا العنف، والتأثيرات التي تجعل هذه البيئات تقسو وتضيق على من يعيش بين ظهرانيها، وتسم حياتهم بالأزمات والقلق والتوتر، وتؤدي إلى ظهور العنف في الأسرة والمجتمع.

إن الأوضاع التي تعاني منها مجتمعات، كمجتمعات الشرق الأوسط وإفريقيا، ليست ناتجة عن ثقافاتها فحسب، إنما الجزء الأكبر من هذه الأوضاع يعود إلى النظم الاستبدادية والفاسدة المدعومة من الغرب خاصة، وهي نتاج ثقافة الغرب التمييزية والمتسلطة، والداعمة للأنظمة الحاكمة، أكثر من كونها نتاج ثقافات محلية.

هي نتاج اقتصاديات قائمة على مبيعات الأسلحة، تنتعش بانتعاش تجارة السلاح، وتوسع وانتشار الأزمات في العالم، اقتصاديات تعمل مع الإدارات السياسية على نشر الحروب والصراعات، اقتصاديات متحالفة تفرض شروطًا اقتصادية صعبة على أي مجتمع يسعى إلى الاكتفاء الذاتي، وتدخل في مواجهات مدمرة مع أي مجتمع يروم المنافسة. أكثر دول الغرب شهرة بطابعها الإنساني يعتمد اقتصادها على تجارة السلاح، بوصفه أكبر مصدر للدخل القومي، وسلاحها يستهلك في مناطق النزاعات مهما ادعت أنها تتجنب مبيعات الأسلحة إلى مناطق النزاعات أو الأنظمة المستبدة، ومهما زينت ادعاءاتها هذه، فإنها تعلم أن سوق سلاحها ينمو بنمو الصراعات وتفشي الحروب وتفاقم الاستبداد.

وفي بلدان الهجرة واللجوء، تكون أحوال القادمين نتاج إجراءات إدارية لمجتمعات الهجرة، والأوضاع الصعبة التي يعانيها هؤلاء، نتاج جهلهم بالقوانين أو مرحلة التأقلم مع البيئات الجديدة، فبعد صدمة الوصول، تبدأ صعوبات التكيف والاستقرار المضنية والمذلة، يضاف إليها ضغط المراقبة والإجراءات الصارمة، التي تحول يومهم إلى أزمات متزاحمة، لا شك في أنها ستفرز سلوكيات غير محمودة، سواء تجاه الأسرة، أو تجاه المجتمع. وغالبًا ما يجري إهمال عنصر فهم معنى الأسرة واختلافه الكبير بين ثقافة الوافدين وثقافة أهل البلاد؛ ما يفرز مزيدًا من التشتت والتأزم. هذه الأحوال ليست لأسباب ثقافية محضة تتعلق بثقافات الوافدين، إنما تنتج في معظمها عن الشروط التي تفرض عليهم. هي نتاج ثقافات مجتمعات الهجرة في المقام الأول، وهذا ما يتغافل عنه المسؤولون فيها، إذ يربطون الأزمات وسلوك العنف مع الثقافة، بدلًا من الإقرار بالإجراءات المجحفة والمهينة والصارمة التي تفرزها، يتغافلون عن أن هذه المظاهر السلبية لا تظهر مطلقًا في البيئات المستقرة والأسر التي تتمتع بالاستقرار المادي والاجتماعي، إنما تظهر في البيئات المضطربة اقتصاديًا واجتماعيًا بغض النظر عن الخلفيات الثقافية.

وأكثر ما يعقد إيجاد الحلول الكفيلة حالة الاستعلاء الثقافي، وسياسات الاندماج التي تعني مسخ الذات الوافدة ومسحها، وتحت شعارات الحرية التي تخنق الخيارات الخاصة لصالح حريات مؤولة ومفروضة ومعزولة عن أي معتقد وأخلاق خاصة، وهي في صلبها لا تختلف في نتيجتها عن سياسات الإكراه القمعية، إلا بكونها منضبطة في إطار قانوني بالغ الحساسية، وضمن إجراءات ملزمة وضيقة وصماء.

قد يلجأ بعضهم إلى مقارنة هذه الدول بالدول الإقليمية المجاورة للمجتمعات التي تدمرها الحروب، وهذه المقارنة بحد ذاتها دليل على أن العنصر الأساسي في الأزمات ليس نتاج ثقافة محلية، إنما نتاج الأنظمة التي تحكم هذه الدول الإقليمية، وتبعيتها للسياسات الغربية، والدول الكبرى الحريصة على بقائها واستمرارها خارج أي فضاء تنموي أو ديمقراطي.

عندما نتأمل قاع المجتمعات الغربية من حيث المهن أو الأحوال المعيشية، وسكان أحزمة الفقر نجد أن معظمهم من الوافدين أو المهاجرين، ذلك أن الإجراءات تفسد صلتهم بالفرص المتكافئة. أما سكان تلك البلاد، فالأمر لا يتعلق بالشكليات والشعارات، إنما بحقيقة الممارسات والإجراءات التي تضيق عليهم إلى أن (يندمجوا) بقبول الحياة في قاع المجتمع. ثمة حاجة سكانية تدفع نحو فتح الأبواب وإغلاقها، لكنها حاجة موجهة ومهينة تستند في جذورها إلى استعلاء مقيت، ومصالح بالتأكيد لا صلة لها بالمشاعر الإنسانية الفياضة، إنما ترتبط ارتباطًا مباشرًا ووثيقًا بدورة المال في نظام ضريبي محكم، وبحاجة هذه المجتمعات إلى من يرضى بالخدمة في القاع، بعد أن ضاقت عليه سبل العيش في بلاده أو الكرامة في البلاد التي لجأ إليها مضطرًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق