أدب وفنون

تدمر.. السجن الذي مازال يفرّخ سجونًا

صحيح أن سجن تدمر المروع قد أخرج من الخدمة، وهدمته داعش بعد سيطرتها الأولى على المدينة العام الماضي، ولكن النظام بنى بدلًا عنه مئات السجون الشبيهة، إن لم يكن آلافا. ففي كل مكان تطؤه قدمك في سورية، قد يكون تحتك أقبية وسراديب لسلخ الجلود البشرية، وسجون لسرقة أعمار الناس، وسحق إرادتهم.

ذلك السجن، هو حديثنا اليوم في كتاب تدمر شاهد ومشهود الذي نُشر عام 98، وصدر عن مركز الدراسات السورية، موثقًا قصة اعتقال طالب هندسة أردني يدرس في سورية، كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين الأردنية، يدعى محمد سليم حماد، وسُجن لمدة 12 سنة في سجن تدمر، حيث حكم عليه بالإعدام وانتظر دوره، بالفرج، فالموت في أماكن كهذه أمر يتمناه المرء، ولكن الإعدامات قد انتهت من دون أن يتم التنفيذ بهذا المعتقل، ليُطلق سراحه نتيجة ما يسمى عفوا، بعد ما نهش السجن زهوة سنوات شبابه.

وأنت تقرأ كتابًا يوثق شيئًا مما كان يجري داخل سجون نظام الأسد، من الطبيعي أن تدهمك الكوابيس وأنت نائم، وتلاحقك الأشباح حال اليقظة، فضلًا عن حالة من الغثيان الممزوج بأنواع مختلفة من القهر والعجز. فالتعذيب في هذا السجن كما هو معروف يجري على مدار الساعة، جيئة وذهابًا، حتى في أثناء الاستحمام الذي هو بالماء البارد. كانت السياط تحفر أخاديد القهر على جلود النزلاء، من دون أن يُسمح للسجين بفتح عينيه، فيظل مغمّضًا وهو يتلقى أصنافًا جديدة من السادية، وفي كل يوم يلفظ سجين أنفاسه الأخيرة نتيجة التعذيب، “وصار أمرًا معتادًا أن ننادي الشرطي صباح كل بضعة أيام ونخبره بوفاة أحد المرضى، ثم نلتفت إلى برنامجنا ذاته، نكاد لا نحس تجاه الأخ الفقيد بالحسرة؛ قدر إحساسنا بالغبطة؛ لأن الله قبضه إليه فاستراح من هذا العذاب”!!

ومن لم يمت بالركل والرفس والجلد كانت تقام له محاكمة صورية، يحكم خلالها بالإعدام، فمثلًا كان أحد المساجين طبيبًا بيطريًا، وعالج في إحدى المرات بقرة أبي سليمان الخطيب –والد رئيس المحكمة الهزلية- ولكن البقرة ماتت بقدرة قادر، وعندما وقف الطبيب أمام القاضي عرفه، فاصفر وجهه واستفز صائحًا ” آبتذكر يوم جبنالك البقرة وقتلتها ولا. روح بدي أعدمك”!

إذن، التعذيب أمر مسلم به في هذا الجحيم، أما الأوبئة والجائحات فتلك قيمة مضافة. فعندما كانت الكوليرا أو السل أو غيرها من الأوبئة تجتاح السجن نتيجة قلة العناية، ما كانوا يعالجون السجناء إلا خوفًا من وصول الوباء إليهم، وحتى الدواء كانوا يعطونه للسجناء شهرًا ويقطعونه شهرًا آخر، فيما كمية الطعام ونوعيته كانت عقوبة أخرى، فالبيضة الواحدة مخصصة لستة مساجين! “لكن قلة الكمية وسوء النوعية كانت تثير فينا الشعور بالجوع أكثر من أن تلبي حاجتنا للشبع”.

يذكر الكاتب كثيرًا من القصص التي ما إن تقرأها حتى تصاب بالخوف، فكلما تأوه وأنّ المعتقل تحت التعذيب؛ كلما ازداد فرح السجان السادي وظهرت نشوته، وازداد التفنن بالتعذيب! والإساءة لكبار العمر ومقدساتهم من أولوياتهم كما يقول الكاتب، فقد كان هناك عميد معتقل، وكان المجندون ينتشون بتعذيبه، ويحلون به عقد نقصهم كونهم يعذبون رتبة عسكرية كبرى.

وفي إحدى الزنازين كانت الجرذان التي يقارب حجمها حجم القط تتساقط من السقف على السجناء، فكانت حالة من الهستيريا تصيب المساجين، المنهكين أساسًا تحت لسع السياط والكرابيج، وفي كل مرة يستطيعون قتل الجرذ، ولكن بعد أن يكون قد عض عددًا منهم، ولا بأس لإشباع سادية السجان من إجبار سجين على أكل فأر ميت”!

يوثق الكاتب ضمن ما يوثقه قصة الطبيب الحلبي زاهد داخل، الذي استطاع أن يخطف قلب زميلة في كلية الطب ويتزوجها بحسب الأصول، وهو ما عجز عنه زميلٌ لهما يدعى يونس العلي وهو الطبيب المسؤول في سجن تدمر، كان مغرمًا بتلك الزميلة لكنه عندما طلبها قوبل بالرفض، فخبأ القصة في نفسه حتى إذا علم أن زاهد داخل السجن، نفّس عن كل حقده وعقد نقصه حيث أوصى السجانين شرًا بزاهد، فظلوا يضربونه زيادة حتى مات!

في إحدى المرات جمع مدير سجن تدمر فيصل الغانم المساجين وخطب فيهم خطبة عصماء عن مزايا القائد ونضاله وصموده ووقوفه في وجه الرجعية والامبريالية، ولكن هذه الخطبة كانت إيذانا ببدء عملية فساد جديدة، ففي سورية الأسد كل شيء ممكن بالرشوة، حيث كانت تدير والدة غانم عملية زيارة الأهالي الموسرين حصرًا لأبنائهم، مقابل مبالغ خضمة من المال والمجوهرات، وكان غانم يضع سماسرة له داخل السجن، كي يسوقوا هذه العملية، وفي أثناء الزيارات كان يصادر كل ما يعطيه الأهل من المأكل المشرب لأبنائهم، ثم يبيعهم إياه بالمبالغ التي أعطاها الأهل لأولادهم، بحيث تفرغ جيوب المعتقلين وتمتلئ جيوبهم.. ومن يفعل كل هذا لن يتوانى عن تعذيب سجين لإجباره على التوقيع على طلاق زوجته منه!

عندما دخل حافظ الأسد في غيبوبة عام ١٩٨٤ وجهز أخوه رفعت نفسه ليرث السلطة، زاد من عملية الإعدامات، كي يتخلص من أكبر قدر ممكن من السجناء، وينهي كل خطر مستقبلي محتمل، حيث أعدم في بعض الأيام نحو مئتي سجين، ولكنهم كمموا أفواه المعتقلين حتى لا يتلفظ المعدوم بالتكبير قبل شنقه، وبالتالي يرفع معنويات رفاقه الذين هم في السجن.

كي لا ينهار السجين في هكذا مسلخ، هو بطبيعة الحال بحاجة لإيمان يداني إيمان الأنبياء، وهو ما يشير الكاتب إليه، ولكن الخلافات بين الإخوان المسلمين أنفسهم، كانت حاضرة في الكتاب، فالخلاف بين الإخوان والطليعة التي تكفر الإخوان وتتهمهم بالخيانة، فضلاَ عن الخلافات بالمسائل الفقهية، والجغرافية، كتيار العطار الشامي، وتيار أبو غدة الحلبي حضر بطريقة مدهشة في ظل هذه الظروف!!

عندما خرج سليم حماد من السجن كان ينظر إلى الناس في الشارع، فكانت الحياة عادية، وكأن ليس هناك سراديب يُسام الناس فيها سوء العذاب. هذا كان في بداية تسعينيات القرن الماضي. فما بالنا اليوم. وهناك مئات آلاف المعتقلين لا يعلم بحالهم إلا الله.

مقالات ذات صلة

إغلاق