قضايا المجتمع

السوريون بين عالمين: واقعي وافتراضي

تلفتُ نظرنا صورُ (البروفايلات) الجميلة على صفحات (فيسبوك)، فتشدُنا لنكتشف أصدقاءً جددًا، ولنبدأ بعدها بناء علاقة مع صاحب الصورة، تبدأ بمجاملة (لايك بلايك) وربما تتحول إلى صداقة فيسبوكية، وقد تُصبح أقرب إلى الحقيقة. بعضنا قد يذهب إلى الأقصى فيبني علاقة عاطفية، تبدأ افتراضية وتنتهي واقعية.

غيّر (فيسبوك) كثيرًا من نمط حياة السوريين المهجّرين حول العالم، بعدما انقطعوا عن دفء العائلة، وبعد أن فقدوا أصدقاءهم الحقيقيين، ليجدوا في هذا العالم الافتراضي أداة تواصل ميسرة مع من يشبهونهم في تفكيرهم وعواطفهم، ليشاركوهم أفراحهم وأحزانهم وتفاصيل حياتهم في غربتهم، وليبنوا من خلالهم عوائل تشبه تلك التي فقدوها في الوطن.

في هذا العالم الافتراضي، تجد المتدين والملحد والطائفي والمتسامح والمثقف والشاعر والفنان التشكيلي والموسيقي والنجار والمهندس، وبقية أطياف الناس على تنوّع خلفياتهم الثقافية والدينية، وهي تجتمع في مكان واحد، أغلبنا يُشكّل حوله قائمة من الأصدقاء ممن يستطيع التفاهم معهم، بعيدًا عن الخلافات الفكرية العميقة والمشادات الكلامية الحادة، فنبني (بروفايلاتنا) بالصور الجميلة والكلمات اللطيفة، المكتوبة بخطوط وأشكال وألوان أنيقة، ونعرض مواهبنا ونستعرض ثقافتنا، كي نجذب أكبر عدد ممكن من المعجبين الذين يدعمون ثقتنا بأنفسنا، وثقة أصدقائنا بنا، وكأن كل واحد منا تحوّل إلى خطيب على منصة يسعى للفوز بإعجاب الحاضرين في الصالة واستقطاب العابرين في الشارع (الفيسبوكي).

أكثر ما يلفت النظر في هذا العالم الافتراضي الواسع والمزدحم، هو عمق مشكلاتنا نحن السوريين، إذ تظهر تجلياتها بوضوح صادم، هناك مجاملات تصل حدَّ المبالغة، وهناك مظاهر التفاخر بشهاداتنا الجامعية، وبنجاحات أبنائنا، وبحفلات الميلاد والزفاف وغيرها، نعرضها على صفحاتنا؛ كي نتلقى الإعجاب والثناء، كما أننا في حواراتنا حول قضايانا السياسية والاجتماعية نرفض الرأي الآخر، على مبدأ: “إذا لم تكن معي فأنت ضدي”، وكلٌ يعدّ نفسه صاحب رؤيا سديدة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وقد يتطور الحوار إلى مشاحنات تذهب بعيدًا عن الموضوع الأصلي، وتغوص في استنهاض المرجعيات التاريخية، فيحدث الصدام وتبادل عبارات الشتم والسباب.

في مجتمع (فيسبوك) أيضًا تنشأ علاقات عاطفية بين السوريين المُهجّرين، كما غيرهم طبعًا من الناس، يعيش فيها العاشقان قصة حب وردية خالية من المشكلات اليومية، التي يعيشها الناس في الواقع، والمدهش أن بعض تلك العلاقات تحوّلت فعلًا إلى ارتباط شرف ووعد بالخطوبة والزواج، ما ترتب عليه من هموم جديدة بطلها مجتمع (فيسبوك)، حيث تبدأ مراقبة الحبيب لحبيبته وهي تفعل ذلك أيضًا، فيتتبع كل منهما الآخر فيما يكتب، ومن يضع له إعجابًا، ومن يُعلّق عنده ويطريه وهكذا، ما قد يؤدي إلى فشل العلاقة، قبل أن يلتقي العاشقان على أرض الواقع.

العلاقات (الفيسبوكية) تتعرض للخطر أكثر من العلاقات الواقعية، لأنها منظورة ومقروءة بوضوح، وكأنها تحت المجهر، وهذا الأمر ينطبق على الأزواج أيضًا، إذ يستطيع الزوج متابعة نشاط شريكه وتطويقه إلى حد الاختناق، ما خلق سببًا جديدًا بالغ الخطورة على استقرار العائلة، لأنَّ المراقبة تخلق الشكوك وتُثير المشاحنات وتفضي أحيانًا إلى الانفصال، ولقد حدثت بالفعل حالات طلاق كان سببها هذا العالم الأزرق.

كما أن صفحات (فيسبوك) تحتوي الكثير من الأسماء الوهمية، لأشخاص نعرفهم لكنهم يتخفّون بهدف التجسس علينا، وأيضًا هناك من يرى في هذه الصفحات الزرقاء، أداة قطع للروابط الأسرية الدافئة، التي كانت سائدة قبل أن يخترع مارك هذا العالم الأثيري الأخطبوطي، الذي استبدل تواصل الناس الحسي وجهًا لوجه، مع ما كان يرافقه من مشاعر الألفة ودفء العواطف، إلى علاقات إلكترونية يصعب البناء عليها، كما في الحياة الواقعية.

بات من المألوف مشهد أفراد العائلة الواحدة في المنزل، وقد احتل كل واحد منهم ركنًا، وأخذ يتصفح ويكتب ويقرأ ويُعلّق ويضحك أو يبكي، متأثرًا بما يتابع، بينما شقيقه وأخته وأمه وأبوه، كلٌ يتابع أمورًا أخرى ويتأثر بها، ومن ثم؛ تحوّل بيت الأسرة أحيانًا إلى مقهى، وينطبق ذلك الوضع أيضًا على الأصدقاء، فترى بعضهم يجلس مع بعض في مكان عام، دون أن يتبادلوا الحديث، ويتشاركون الجلسة وحسب، فيما عيونهم جاحظة في أجهزتهم المحمولة.

نعم، (فيسبوك) بوجهه الإيجابي جميل ممتع، ووسيلة معرفة وثقافة، وبناء صداقات جديدة، ومتابعة الأخبار وقراءة التحليلات المختلفة، ووسيلة تواصل بين السوريين في بقاع الأرض، لكن له أيضًا وجهًا مؤثرًا في الاتجاه السلبي، فقد بات واحدًا من أهم أسباب المشكلات المجتمعية والعائلية، كما بات في أحيانٍ كثيرةٍ أداة قمع لحرية الناس في التعبير عن أفكارهم، بسبب خوفهم من ردود الفعل الحادة التي قد تصل إلى حد التشهير وإطلاق الشائعات الكاذبة، التي قد تُشوّه الصورة وتؤثر في المستقبل.

إذن؛ فإن ظاهرة (فيسبوك) تحمل الجمال والقبح معًا، فهي أداة لبث سموم الكراهية والطائفية، وأداة لمراقبة الآخرين والتأثير سلبًا في خياراتهم ومستقبلهم، وهي أيضًا عينًا لا ينضب للفنون والثقافة والجمال وتبادل الأفكار وخلق الصداقات الرائعة.

القضية بيدنا، ونحن من نُقرر استغلال تلك الظاهرة العلمية المدهشة لصالحنا عندما نتحكم بها، ولكننا عندما نترك (فيسبوك) يتحكم بنا، نتحوّل إلى أشخاص “افتراضيين” يعيشون حياة وهمية مع أصدقاء وهميين. فكل الأشياء جميلة في اعتدالها، وتصبح قبيحة عند تطرّفها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق