ترجمات

واشنطن بوست: “الحرب في سورية تتسبب في مشكلات عدّة لتركيا”

يصلّي الناس أمام الملهى الليلي رينا يوم 3 كانون الثاني/ يناير في إسطنبول بعد أن قتل مسلح 39 شخصًا في ليلة رأس السنة الميلادية الجديدة. وقد كانت الاعتداءات الثلاثة الأخيرة بمنزلة تذكير صارخ بقرب تركيا من الحرب الدائرة في سورية المجاورة. (بولنت كيليتش/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور غيتي)

 

وقعت الهجمات في تركيا في تعاقبٍ سريع: قنبلتان في الملعب وقتل دبلوماسي روسي، وتلاهما بعد بضعة أيامٍ فقط، إطلاق النار على الناس في ملهى ليلىٍ في إسطنبول ليلة رأس السنة الميلادية الجديدة.

نُفّذت الاعتداءات على مدى ثلاثة أسابيعٍ ابتداءً من كانون الأول/ ديسمبر، حيث كانت تذكيرًا صارخًا بقرب تركيا الخطِر من الحرب الدائرة في سورية المجاورة، والسبل التي يمكن أن يستنفد فيها الصراع -باطّراد- الشؤون الداخلية والخارجية التركية.

هاجم الانفصاليون الأكراد ملعب إسطنبول، في حين أكّدت الدولة الإسلامية مسؤوليتها عن مجزرة الملهى الليلي، محذرةً تركيا من العمل العسكري في سورية، وفي أنقرة، استحضر ضابط الشرطة المجزرة في مدينة حلب السورية -ولكن على ما يبدو كان يعمل لوحده- حينما أردى بالرصاص السفير الروسي قتيلًا في 19 كانون الأول/ ديسمبر.

لقد عمّقت الأزمة في سورية خطوط الصدع السياسي والاجتماعي في تركيا، وجلبت العنف إلى مدنها وعزلتها عن حلفائها التقليديين، إذ تقاتل القوات التركية ويموت بعض عناصرها في المعارك ضدّ الدولة الإسلامية في سورية، وتوترت علاقاتها مع عدد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة، بصورةٍ ملحوظة.

“سيرتدّ أيّ جهدٍ للتصدي للصراع في سورية عائدًا إلى السياسة الداخلية لتركيا”، قال هارون شتاين، وهو زميلٌ مقيم بارز في مركز رفيق الحريري للمجلس الأطلسي في منطقة الشرق الأوسط.

 

بكاء أفراد الأسرة في جايرالان، تركيا، خلال صلاة الجنازة يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر على جندي تركيّ قتل مع 15 آخرين على يد مسلّحي الدولة الإسلامية في الباب، سورية. (صور DHA عبر وكالة أسوشيتد برس)

 

تشترك تركيا في حدود طولها 500 ميل مع سورية، ولكنَّ غيابَ أيِّ حلٍّ سياسيّ “يعني أنّنا نحن في مزيد من دورات العنف” مشيرًا إلى أنَّه “ليس لدى تركيا إجاباتٍ” لكيفية حلّ النزاعات الضخمة في الداخل أو في المنطقة.

كانت تركيا واحدةً من أوائل الدول المتضررة من النزاع السوري، مستقبلةً ما يقرب من ثلاثة ملايين لاجئٍ، وهي تقود الاتصالات لإنشاء منطقةٍ آمنة دولية للمدنيين. حثَّت تركيا في البداية الرئيس بشار الأسد على الامتناع عن اتخاذ إجراءاتٍ صارمة ضد الاحتجاجات السلمية في عام 2011، ولكن ردَّة فعل الأسد الهمجية على المظاهرات دفعت الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي كان رئيسًا للوزراء في ذلك الوقت، إلى قطع العلاقات مع النظام، وسرعان ما ألقى بثقله وراء المعارضة السورية.

زاد قراره من الاستقطاب في تركيا بصورةٍ أكثر حدّة؛ حيث تساند قاعدته السُّنية قضية التمرد، بينما اعترض خصومه اليساريّون على ما قالوا إنّها سياسةٌ خارجية مغامرة، ودعوا إردوغان وحزبه الحاكم (العدالة والتنمية) لوقف دعمهم للمتمرّدين الإسلاميين في سورية. “موقفنا من بشار الأسد هو واضحٌ: نحن لا نعتقد أنَّ سورية موحدة ومسالمةٌ ممكنةً معه” قال مسؤولٌ تركي، متحدثًا شريطة عدم الكشف عن هويته، يناقش المسائل الحكومية. ولكن بعد سنواتٍ، لا يزال الأسد في السلطة، وتركيا ناشزةٌ إقليميًّا، منبوذةٌ بسبب دبلوماسيّتها المتصلبة والدعم المزعوم للمتشددين الإسلاميين السوريين، وهو ادّعاءٌ نفاه المسؤولون الأتراك بقوة.

“لقد أصبحت الحرب في سورية أكبرَ تحدٍّ يواجه السياسة الخارجية التركية منذ نهاية الحرب الباردة”، قال سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. “ونتيجة محاولتها الفاشلة في إطاحة نظام الأسد، أدركت أنقرة بأنَّها مبغوضةٌ من جميع الأطراف الرئيسة في الصراع السوري، من الأكراد إلى نظام الأسد مرورًا بـ الدولة الإسلامية “.

 

 

في محاولةٍ لكسر عزلتها، خفّفت تركيا مؤخرًا من لهجتها ضدَّ سورية، حيث تتشارك الآن مع روسيا -حليف الأسد- لاستئناف محادثات السلام والحفاظ على وقف إطلاق النار. “توسطت تركيا، بالتعاون مع روسيا، لإخلاء شرقي حلب ووقف إطلاق النار في سورية”، قال المسؤول التركي.

“إنَّ محادثات السلام المزمعة، والتي ستعقد في العاصمة الكازاخستانية، أستانة، تهدف إلى تحقيق تقدمٍ نحو حلٍّ سياسي في البلاد” قال المسؤول، “وسَتحضر تركيا المحادثات بصفتها ضامنًا.” ولكن، في اعترافٍ علنيّ نادر، قال نائب رئيس الوزراء نعمان كورتولموش لصحيفة حرييت ديلي نيوز التركية، يتوجّب على تركيا أن “تصحّح أخطاءَها في سورية”. “أنا واحدٌ من أولئك الذين يعتقدون أننا ارتكبنا أخطاءً كبيرة في سياستنا حول سورية” قال كورتولموش في المقابلة هذا الشهر. في حين تعهدت تركيا بالتراجع عن بعض سياساتها الأكثر تشدّدًا، لا تزال علاقاتها مع الولايات المتحدة محفوفةً بالتوتر بشأن سورية.

عارضت تركيا علنًا تعاون الولايات المتحدة مع الميليشيات السورية الكردية في الحرب ضد الدولة الإسلامية، وكانت وحدات حماية الشعب الكردية، أو YPGقد اقتطعت أراضي في شمالي سورية من أجل إقامة دولة كردية في المستقبل ما أثار قلق تركيا، التي تشعر بالقلق بشأن طموحات سكانها الأكراد.

ويقول المسؤولون الأتراك، إنَّ الـ YPG لا يمكن تمييزهم عن الجماعات الكردية التي تشن الهجمات داخل تركيا، والتي تردُّ قوات الأمن عليها بشن حملةٍ مدمرة، بينما تقول الولايات المتحدة، إنّ الـ YPG هي القوةُ القتالية الأكثر فاعليةً ضد المتشددين الاسلاميين. وقال إردوغان، “نحن حليفكم في حلف شمال الأطلسي” مخاطبًا الولايات المتحدة في كلمةٍ ألقاها الشهر الماضي. “كيف يمكنكم دعم المنظمات الإرهابية على الأرض، ولا تدعمونا؟”

تركيا والولايات المتحدة حليفتان في شمال الأطلسي، وشريكتان إستراتيجيًّا، قال المسؤول التركي، ولكن هناك نقطتان عالقتان: الأولى، اختلاف البلدين على تسليم رجل الدين المسلم فتح الله غولن إلى تركيا، حيث يُشتبه بتدبيره محاولة انقلابٍ فاشلة في الصيف الماضي. “والمسألة الثانية هي دعم واشنطن لـ YPG، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني”، كما قال المسؤول السابق. الـ PKK، أو حزب العمال الكردستاني، قد دخل في صراعٍ مستمر منذ عقودٍ مع تركيا وصعَّد مؤخرًا من هجماته.

“ربما تُجبر العلاقات المهزوزة مع الولايات المتحدة تركيا على “الانتقال إلى نموذجٍ جديد من الأمن،” قال سليم كورو، وهو محلّلٌ في مؤسسة أبحاث السياسة الاقتصادية التركية، وهي مركز أبحاثٍ مقره أنقرة، وتابع قائلًا لكن “مثل هذا التحوّل لا يمكن أن يكون سلسًا”.

وعلى مدى عقودٍ فقد ترسخ الأمن التركية عبر التحالف مع حلف شمال الأطلسي. ولكن اليوم، “الجيش التركي، الذي ساعد البلاد في اجتياز الأزمات الوطنيّة السابقة، يضعف” قال جاغابتاي. وتابع “في الانقلاب الفاشل في الصيف الماضي، فصيل من الجيش، “حاول أن يطيح إردوغان، ما يشير إلى أنه حتى الجيش لا يمكن الوثوق به بوصفه مؤسسةً وطنيةً موحّدة في الأزمة الحالية”.

في آب/ أغسطس، شنَّت القوات التركية هجومًا على بلدة جرابلس السورية التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية، وأُطلق على هذا الهجوم المدعوم أمريكيّا، اسم عملية درع الفرات، لكن تركيا منذ ذلك الحين انتقلت ومن جانبٍ واحد لمحاربة المتشددين الإسلاميين في بلدة الباب الحدودية، حيث تلاقي القوات التركية مقاومةً شديدة، كما قُتل عشرات الجنود من قواتها.

إنَّ “احتلال” تركيا لبلدة الباب سيحطم وجود الدولة الإسلامية على حدود تركيا، وسيقلّل أيضًا من الأراضي التي يطالب بها الأكراد السوريين. “عمليةُ درع الفرات علامةٌ فارقة في سياسة تركيا  الخارجية” قال كورو مضيفًا، نادرًا ما “احتلت” تركيا وتمسكت لنفسها بالأراضي. أكملَ كورو قائلًا: “ولكن في الباب، ما أفهمه هو أنَّ الدولة الإسلامية  كانت أكثرَ استعدادًا لمواجهة الدبابات التركية مما توقعه المخططون في أنقرة”.

 

اسم المقالة الأصليSyria’s war creates myriad problems for Turkey
الكاتبإيرين كانينغهام، Erin Cunningham
مكان النشر وتاريخهواشنطن بوست، The Washington Post، 18/1
رابط المقالةhttps://www.washingtonpost.com/world/middle_east/syrias-war-becomes-a-bigger-problem-for-turkey/2017/01/17/ab4ba450-c7be-11e6-acda-59924caa2450_story.html?hpid=hp_hp-cards_hp-card-world%3Ahomepage%2Fcard&utm_term=.f1316f8da182
ترجمةأحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق