سورية الآن

“أستانا” وسنونو الحل

“أستانا واحد”، لا تصنع حلاً لسوريا. تماماً مثل السنونو الواحد لا يصنع الربيع. لكن الأولى تُبشّر بالحلّ والثاني بالربيع. الحلّ النهائي ما زال بعيداً. خلال المسيرة سيسقط المزيد من الضحايا والإرادات. في النهاية عندما يصل السوريون ومعهم العالم إلى «الطائف» السوري، يكون الجميع قد دفع الثمن غالياً، حتى أصبحت طموحاته واقعية متناسبة مع المعادلات الناتجة من حصاد السنوات الطويلة من الرفض والقبول، ومن سقوط قيادات كانت تعتقد حتى خروجها من «الملعب» بأنها محصّنة في دورها الطليعي. دائماً في الحروب التي تمتزج فيها الحرب الأهلية بالصراعات والمنافسات والمزاحمات بين القوى الخارجية، تكون الأثمان.

مرتفعة والنتائج مختلفة عن التوقعات لأن الصياغات النهائية بعيدة عن «الملعب» وعن الأنظار. كل ما ينتج في المجهول يكون مجهولاً.

بداية، مهم جداً أن تحصل البداية. لذلك مهما كانت النتيجة متواضعة، فإنها ستكون إيجابية. لا أحد من الأطراف المشاركة يتوقع أكثر من إعلان لوقف إطلاق النار ووضع آلية لتنفيذ ذلك. بعد ذلك يأتي اختبار الأرض، في مجموع الاختراقات من حيث العدد اليومي وحجمها، وما تخفي هذه الاختراقات من أهداف غامضة حتى يسقط غموضها. من الانقلابات الأولى سورياً، أن مَن كانوا في الصف الخلفي، أي العسكريون، أصبحوا رؤساء وفد المعارضة، ومَن كانوا في المفاوضات السابقة في الأعوام 2012 و2014 و2016 عبر الوسطاء من المدنيين شاركوا كمستشارين.. الكلمة الآن للمسلّحين، بعد أن سادت «عسكرة» الثورة وغيَّرت مسارها.

موسكو تتحكّم بكل آليات المؤتمر، بعد أن فرضت مكان وزمان انعقاده. في الظاهر تنسّق مع تركيا وإيران، لأنهما الطرفان الإقليميان الفاعلان. في الباطن تعمل مع واشنطن بقوّة وعمق. الغارة المشتركة الأولى لهما في سوريا تؤكد المتغيّر الاستراتيجي الذي يحصل. ولا شك أنه سيتعمّق ويقوى، كلما ارتفع المنسوب الإيجابي للعلاقات بين الرئيسَين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب. هذا التوجُّه، لا يحول دون اعتماد «القيصر» السرعة في الحصول على إنجازات قبل أن يلتقي بالرئيس ترامب ويضعا معاً النقاط على حروف علاقتهما. هذه السرعة في الإنجاز تسمح لـ»القيصر» بأن يتفاوض مع رئيس البيت الأبيض انطلاقاً من التغييرات الحاصلة ميدانياً وسياسياً.

«القيصر» يملك المبادرة وجرأة الاقتحام والقدرة بقرار منه وحده على إطلاق «صواريخه» حيث يشاء من دون رقيب أو حسيب، ما يدعمه ويعطيه القوّة الواسعة أن الأطراف الأخرى مشغولة أو مقيّدة:

– الولايات المتحدة الأميركية مقيّدة بفترة المائة يوم الأولى وتصاعد المشاكل الداخلية للرئيس ترامب. تجاهل ترامب للمظاهرات المعادية له، لا يمكّنه العمل وكأنّ شيئاً لا يحصل في البلاد، وإذا نسي أو تناسى أهمية ذلك، فإن الانتخابات النصفية ليست بعيدة وهي يمكن أن تقلب موازين القوى داخل الكونغرس مما يقيّده ويحدّ من اندفاعه الذي يصل إلى حدود التهوُّر. كل ذلك يمنح «القيصر» فترة زمنية إضافية ومهمّة للاندفاع بقوّة وتحقيق المزيد من الإنجازات في المفاوضات القادمة.

– تركيا وقعت بين «المطرقة والسندان». انتهت مرحلة «تصفير المشاكل». «الأردوغانية» تعاني اليوم من «مطرقة» «داعش»، و»سندان» التصعيد الكردي. لذلك أسقط اردوغان بواقعية سياسية مفروضة عليه «طموحاته» الواسعة، وهو قَبِلَ باستدارة تصل إلى 180 درجة، ليصبح «حليفاً» لـ»القيصر» وهو يتحرّك على وقع «الكراسي الموسيقية« التي وضعها ويلعبها «القيصر». ما يدفع اردوغان الذي كان يريد أن يكون «السلطان» وجود إيران ميدانياً والذهاب بعيداً في فرض نفسها بعد الأثمان الكبيرة التي دفعتها.

الطريف في العلاقة التركية – الإيرانية، أنهما لا يحبان بعضهما البعض وأنهما في منافسة مفتوحة، لكن يعملان على ألا ينزلقا في أي لحظة نحو الصدام أو العداوة الظاهرة. «رقصة التانغو» التركية – الإيرانية صعبة جداً خصوصاً أن بعض ما يصيب أحدهما أحياناً يؤلم الآخر. فـ»المسمار» الكردي مزروع في جسديهما ولا يمكن نزعه أو التعامل معه إلا بشراكة حقيقية.

– إيران تواجه مجموعة من المشاكل التي كل واحدة منها مشكلة كبيرة. فهي لا تريد أن يُسقِط ترامب الاتفاق النووي لما يسبّبه لها من ظروف اقتصادية صعبة تجبرها على تحجيم طموحاتها، وفي الوقت نفسه عليها أن تستعد وكأنه حاصل اليوم قبل الغد. ويأتي هذا وهي تقف أمام مفترق طرق داخلي كانت دقّته وحساسيته متوقعة لكنه أصبح أصعب وربما أخطر مع وفاة آية الله هاشمي رفسنجاني وانكشاف الجبهة الداخلية على مزيد من المواجهات والخيارات الكبرى، لذلك تعمل القيادة الإيرانية الآن على إعادة تدوير زوايا علاقاتها بما يحمي «خاصرتها» الإقليمية الرخوة. العقدة في هذا التوجّه هو قدرتها على تقديم التنازلات المؤلمة وهي بالتأكيد ليست صغيرة ولا محدودة.

لن تقبل موسكو بأن تُقفل أبواب أستانا على نتيجة صفر، لذلك قد تلجأ إلى تمديد المؤتمر يوماً آخر مهما رفض الآخرون وتمنّعوا فإنهم محكومون بالرضوخ لإرادة «القيصر».. أو وقوع خسائر غير محسوبة في أي طرف ممانِع.

(*) كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

إغلاق