تحقيقات وتقارير سياسية

الرئيس المؤمن وزوجتاه الشيوعيتان.. استراتيجية البديل الأيديولوجي

لو لم تكن السلوفينية الأصل، ميلانيا كناوس، هي السيدة الأميركية الأولى لكانت زوج الرئيس دونالد ترمب السابقة، التشيكية المولد، إيفانا تزيلينيكوف قد أخذت هذه الصفة. لكن المفارقة أن ما يجمع هاتين السيدتين هو أنهما مهاجرتان، ولطالما توعد الرئيس ترمب في حملته الانتخابية بطرد جميع المهاجرينن ومن بينهم المسلمين، من الولايات المتحدة في حال انتخابه، مُلقيًا عليهم مسؤولية أزمات بلاده.

الرئيس ترمب لن ينقل السيدة ميلانيا إلى البيت الأبيض؛ لتعيش معه كما هو متبع، ما يُعدّ سابقة في تاريخ الولايات المتحدة، ليس بسبب الحرج من كونها مهاجرة، فقد حصلت على الجنسية الأميركية كزوجه السابقة، وليس رسالة حول التزامه بما كان وعد به، فهو غير ملزم إلا في سياسة الإدارة الجديدة التي بدأ رئاستها من كاتدرائية، استمع خلالها إلى آيات قرآنية أيضًا، وبدا خاشعًا لها أكثر من خشوعه للمليارات التي يملكها.

لا يبدو الرئيس ترمب راغبًا في بيت زوجية يجمعه مع ميلانيا، لكنه شديد الحرص على إظهار التقوى والإيمان، وبدء حياته، بوصفه رئيسًا للولايات المتحدة، بعيدًا عن زوجه المنحدرة، كما زوجه السابقة، ليس من بيئة شيوعية فحسب، بل من أضواء دور عروض الأزياء، فللبيت الأبيض قوانينه المدروسة بدقة، نسبة الارتياب فيها لا تتجاوز هامش الخطأ في الساعة الرقمية، وبعناية مركبة فضائية تمسح الأرض وتراقبها ليل نهار، دون تجاهل متر واحد منها.

ثمة مؤسسات وشركات ذات أذرع مترامية، وأعين تمتد وترى أبعد من غرفة نوم في البيت الأبيض، فهي عملية صوغ رئيس أقوى دولة في العالم، وليس بالضرورة أن يكون مدلول تجاوزه زوجيه: السلوفينية والتشيكية، يعني رسالة تنم عن طيّ مرحلة حقبة الحرب الباردة وذروة نهايتها البيروسترويكا، لكن بالضرورة أن يحمل استماع الرئيس لآيات من القرآن في كاتدرائية، رسالة أقل ما فيها من معنى ما نسجت شخصية سلفه، باراك حسين أوباما من تأثير دولي وإقليمي باتباع حمية روحانية دقيقة.

المؤسسات والشركات تلك لا تتحدث بلغة عائلية قبلية اجتماعية، فلها عناوينها المحددة التي أبرز ما فيها المصالح التي لا تعبأ للمضمون الاجتماعي، فلا يوجد في قاموسها سوق اجتماعي، وهذا منطقي في سياق عالم صنميته المال، كما يقول ماركس، فإما سوق بعلاقاته وإما اجتماعي بتقاليده، ولا يجوز الدمج أكثر من اتباع المصالح، فلن يقابل بالمثل الرئيس الروسي فلايمير بوتين على سبيل المثال خطوة نظيره أوباما بطرده خمسة وثلاثين دبلوماسيًا بمن فيهم أحد عمال المطبخ، بل خفّف من وطأته وعده ممازحًا دبلوماسية المطابخ، فيما التقط  الرئيس ترمب رسالة بوتين الخاشعة لعظمة بلاده، والخاضعة لمصالحه، وكتب على صفحته في موقع تويتر “لطالما علمت أن بوتين شخص ذكي جدًا”. فزاد بوتين من ولائه لجبروت الولايات المتحدة، ودعا أبناء الدبلوماسيين الأميركيين في روسيا إلى الاحتفال التقليدي الذي يقام سنويًا في الكرملين، بمناسبة عيد رأس السنة وعيد الميلاد لدى الطائفة الارثوذكسية.

لم يكن ليحدث الأمر ذاته في زمن كان فيه كيان اسمه الاتحاد السوفياتي، بل على الأرجح كانت قوبلت خطوة أوباما بإشعال حرب عالمية ثالثة وأكثر، لكن بديله الآن هو روسيا الاتحادية، التي ورثت بعض الأسلحة في اقتصاد منهك، وقد عرفت حجمها الحقيقي أمام تلك القوة وكان موقفها براغماتيًا، بلغة السوق الأميركي، فليس لديها أيديولوجيا كما في الحقبة الشيوعية، لكن يحسب للرئيس بوتين أنه دافع اجتماعيًا عن النساء الروسيات التي ترددت شائعات بأن ترمب كان على علاقات بكثير منهن في وقت سابق في موسكو، وقال: “ترمب رجل راشد، وينظم مسابقات لملكات الجمال منذ سنين عديدة، واختلط مع أجمل نساء العالم، و من الصعب تصديق أنه ركض إلى فندق ليلتقي بفتياتنا الآتيات من طبقة اجتماعية متدنية، مع أنهن الأفضل في العالم”.

لحظات الرئيس ترمب الصعبة

لم يكن ليقبل ليونيد بريجنيف، أو حتى صاحب البيروسترويكا، ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفياتي بأن يصل ترمب إلى موسكو بأي صفة كانت، ولا أن يسمح بإشاعة عن علاقة مع الفتيات الروس، فهذا الأمر لم يكن يعد مساسًا بكرامة الحزب الشيوعي السوفياتي فحسب، بل بالماركسية اللينينية برمتها، بيد أن تفكيك منظومة الدول الاشتراكية، الذي استغرق أكثر من أربعة عقود مع مليارات الدولارات التي ضخت بها المؤسسات والشركات الغربية، والأميركية خصوصًا، والكوارث التي فعلها الحزب بتغليبه السياسي على الفلسفي بالنسبة للماركسية، أتاح لترمب الاسترخاء في غرف فنادق موسكو.

ربما كانت أصعب لحظات الرئيس ترمب هي تلك التي أبدى فيها خشوعًا كاملًا وهو يستمع لآيات من الذكر الحكيم، فهي واجب شكلي عليه أن يؤديه، فالمظلة الإلهية لطالما تلطى بها سابقوه لإعطاء صفة القداسة للحروب التي قاموا بها، ومن بين هؤلاء جورج بوش الابن، عندما غزا العراق، وحتى التابعون الخاضعون من أمثال بوتين، حين بدأت قواته بتدمير سورية، وتكفلت كنيسته وزعيمها بوصف تلك الحرب بأنها حرب مقدسة.

فـ “بسم الله” يبدأ الرئيس ترمب رئاسته، حتى وإن كان مستشاره للأمن القومي المعين، مايكل تي فلين، قد هاجم الإسلام والقرآن وعدّهما يتناقضان مع الحداثة. وصوغ الرئيس متطلبات مرحلة استراتيجية للولايات المتحدة أكثر منها سلوكًا شخصيًا، فالخطوط والألوان التي تشكل تلك الصورة تبدو استمرارًا لمتطلبات مصالح شركات المال والسلاح والنفط والأعمال، فلم تكن -على سبيل المثال الحرب- على أفغانستان والعراق للرد على اعتداءات 11 أيلول/ سبتمبر فحسب، التي ضربت الاقتصاد الأميركي وقتلت آلاف الأشخاص، بل لشنّ ما يسمى الحرب الكبرى ضد الإسلام الراديكالي، وصوغ عالم ما بعد الحرب الباردة، بحسب مفهومات ورغبات تلك الشركات، وبعد العدو الشيوعي المهزوم، أو العدو الأحمر، لماذا لا يكون هناك عدو أخضر؟

من الصعب فهم خشوع ترمب، وهو يستمع لآيات من القرآن إلا في إطار إثارة الأزمة، والاستمرار أميركيًا في طرح الإسلام عنوانًا لها، فثمة صورة تناقض الفعل، ولم يأت الآن كما في السابق إقحام الإسلام والعامل الديني في الاستراتيجية الأميركية من فراغ، بل ضمن الحرب الكبرى التي تشنها على البديل الشيوعي في منطقة الشرق الأوسط التي هي أحد أهم مصادر الطاقة، والهدف هو استمرار الولايات المتحدة في التحكم بالقرار العالمي، وامتلاك تلك المصادر امتلاكًا مستدامًا، فمستشاره، مايكل تي فلين، يقول: “إن العالم في أمسّ الحاجة إلى حركة إصلاح ديني في الإسلام، ولا ينبغي أن نستغرب إذا ما وقع اللجوء إلى العنف. وآن لنا أن نتوقف عن الشعور بأي ذنب، لأننا ندعوهم بالاسم وننعتهم بالقتلة المجرمين الذين يتصرفون بالنيابة عن حضارة فاشلة”، وبحسب تقرير لموقع “لوبلوغ” الأميركي المتخصص بتغطية قضايا السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فإن فلين، قال في وقت سابق إن “الخوف من الإسلام أمر عقلاني” ووصف الإسلام بالسرطان.

ثالوث الرئيس الجديد

ثالوث المال والقوة العسكرية وغطاء الدين، يتجمع الآن في إدارة ترمب، ولن تكون قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان عائقًا أمام استراتيجية ليس أقل ملامحها المديح الذي أغدقه مايكل تي فلين، على نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي كان أول من هنأ ترمب، على فوزه بالانتخابات، ولا أكثرها تأكيد ترمب بوجوب تجنب الإطاحة بنظام الأسد، لاستخدامه لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ومهاجمته دول الخليج، ومطالبته السعودية بتسديد ما أسماه تكلفة حماية الولايات المتحدة لها “وأن تقوم بتمويل إسكان السوريين في مناطقهم، بدلًا من أن يصبحوا مهاجرين، وأيضًا مطالبته خلال حملته الانتخابية بأن تدفع السعودية تعويضات لضحايا أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وهو ما استجاب له الكونغرس قبل أن يصل ترمب إلى الرئاسة، وأصدر قانون “جاستا” الذي يصب في هذا الاتجاه.

لا شيء اجتماعيًا، أو قيميًا كقضايا الحقوق والديمقراطية في ذلك الثالوث، بل هو لغة المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة ومن أهمها العداء للبديل الشيوعي، وهذا ما التقطه النظام السوري بكل خبث وحنكة، وألصق بالثورة السورية المباركة صفة الإرهاب، بعد أن هيأ البلاد ساحة لتدفق الإسلاميين الراديكاليين من مختلف دول العالم، ولا سيما الغربي منها، للقتال فيها تماهيًا مع تلك الاستراتيجية، وإذا كان طلب إدارة الرئيس أوباما الفصل فيما بين المعتدلين وبين الإرهابيين قد بدا أمرًا مبالغًا فيه، فإن ترمب سيذهب أبعد من ذلك، فهو كما أعلن لا يرى ذلك مهما، بل يؤكد أهمية “الابتعاد عن سياسة إدارة أوباما التي ترتكز على إيجاد جماعات معارضة سورية معتدلة لدعم الحرب”، وتعهد منذ بداية حملته الانتخابية بسحق الإرهاب “الإسلام الراديكالي” وانهائه عن وجه الأرض.

رفع الرئيس ترمب السقف أكثر بتعهده بطرد ملايين المهاجرين، ومن بينهم المسلمون، من بلاده، إذ رأى أن إدارة أوباما عملت من أجل مصالح مجتمعات أخرى أكثر من الالتفاف إلى قضايا الأميركيين، إلا أن مواقف ترمب تلك أججت، بحسب  وزير الأمن الداخلي الأمريكي، جيه جنسون، المشاعر المعادية للمسلمين، وشبّه ذلك  بمشاعر معاداة الشيوعية أو الخطر الأحمر في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وهو الخطر الذي دفع جده الشيوعي لكتابة تعهد بعدم اتهامه بالإرهاب آنذاك بأنه لا يحب السوفيات، بل هو أميركي.

العقائدي الإسلامي الذي هو الآن بديل الإيديولوجي الشيوعي، باتت محاربته التي بدأت بُعيد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، أكثر إلحاحًا بالنسبة لإدارة ترمب، ودخلت في مرحلة جديدة، فهو لم يتحدث عن الديمقراطية والحرية والكرامة، وهي الشعارات التي خرجت من أجلها الشعوب العربية في كل من تونس وليبيا واليمن وسورية، وهو لا يبدو معنيًا بها بقدر ما تعنيه المصالح الأميركية، لكن التخاذل أو صناعة الإرهاب، الذي تبديه الأنظمة ازاء استراتيجية الولايات المتحدة، وهو مصلحة مشتركة بين الجانبين، هو خارج حسابات الشعوب، فهي لن تتراجع عن مطالبها على الرغم من الانتكاسات، لأنها بكل تأكيد ليست إرهابية، وبينها وبين تلك الأنظمة نهر من دماء مئات آلاف شهداء الإنسانية ، ولا يمكن المقارنة بين العقائدي الإسلامي وبين الإيديولوجي الشيوعي، إلا بالنسبة للاستراتيجية الأميركية في خلق عدو تبنى على محاربته مصالح المؤسسات والشركات الكبرى، المتمثلة بشخص ترمب اليميني المتطرف، الذي يوصف بالجهل السياسي والانعزال، وربما العدوانية، وكلا النهجين لا يمثلان مطالب الشعوب إلا في تلك الجوانب التي يحملها كل منهما ضمن عناوين القيم الإنسانية المسالمة والمحقة والمشروعة، وهي تقاطع أخلاقي اجتماعي بين جميع البشر.

ليس لدى الشعوب العربية جبروت أذرع الثالوث من شركات ومؤسسات وأموال وأعمال وقوة السلاح، وذهب ترصع به كاتدرائية أو مسجد، بل لديها إرادة الحق، وهي دفعت الغالي والنفيس من أجل حريتها، ولكي تعيش الأجيال المقبلة بكرامة، كباقي المجتمعات، ومن بينها المجتمع الأميركي، وليس من أجل أن تختار المدارس للأجيال كحال أبناء أركان الأنظمة، بل من أجل بناء المدارس والجامعات والتنمية في بيت عربي مشرق، كما تاريخ العرب وأهل المنطقة بشكل عام، لا أسود الرايات كقلوب الغلاة، ولا أبيض كالبيت الأميركي.

قد يكون السبب وراء عدم انتقال بارون، ابن ترمب، من نيويورك للسكن في البيت الأبيض في واشنطن هو الرغبة في البقاء في مدرسته، كما تقول أمه السيدة الأولى، وقد يكون لسيد البيت الأبيض فرصة، هي خلوة  ليفكر بالمجتمعات ليس من منطلق مصالح الشركات والمؤسسات التي بنت ثرواتها بالحروب وعلى حساب الشعوب، بل على أساس مصالح الإنسانية، فلم يقصد بابا الفاتيكان عائلة ترمب حين دعاه إلى الاهتمام بالعائلة البشرية التي وصفها في رسالة التهنئة له، بأنها تواجه أزمة انسانية خطرة في هذا الزمن الصعب، وأيضًا إلى اهتمامه بالفقراء والمهمشين، ألم يستهل ترمب بداية عهده في الكاتدرائية التابعة للفاتيكان روحيًا على الأقل، وبالاستفتاح “بسم الله”؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق