هموم ثقافية

عن جوائزهم وجوائزنا

لا يحلُّ موسم الجوائز الأدبية التي تُمنح في فرنسا، أو في بعض البلدان العربية، للإبداع الروائي بدءًا من خريف كل عام، من دون أن يثير كل مرة كثيرًا من الشجون والتساؤلات، ويدفع إلى عقد المقارنات حول وضع الجوائز وبيئتها الثقافية في فرنسا وفي عالمنا العربي.

ففي فرنسا مثلًا، يصير اسم كاتبة أو كاتب في مقتبل حياتها أو حياته الأدبية بين ليلة وضحاها ملء السمع والبصر حين يمنح عن آخر رواية كتبها، وقد تكون الأولى أو الثانية، أعرق جائزة تمنح للرواية في فرنسا، جائزة غونكور، لا تتجاوز قيمتها النقدية عشرة يورو! لكنها بعد إعلان الفائز بها تدفع بالناشر إلى طبع عدد من نسخ الرواية يصل إلى وربما يتجاوز في الغالبية العظمى من الحالات ثلاثمئة ألف نسخة؛ استجابة لطلب غير مسبوق من عشرات الآلاف من القراء الذين يقبلون على شراء الرواية الفائزة وقراءتها. هكذا تكون الجائزة متعددة الأهداف. فهي أولًا وأساسًا وبالنظر إلى صدقيتها التي اكتسبتها مع السنين تحمل عددًا هائلًا وفوريًا من القراء على قراءة مُبدع الكاتب من جهة، وتفتح للكاتب الفائز ثانيًا أفق حرية ذات أساس اقتصادي إذ يصير كاتبًا محترفًا من جهة ثانية، وتدر على من تلقاها ثالثًا، بفعل ما يكتسبه من حقوقه الأدبية التي نص عليها العقد بينه وبين الناشر، دخلًا يعفيه من هموم الحياة المادية اليومية ويمنحه كذلك حرية الانصراف إلى عمله وقد تخلص من قلق أيام الشهر الأخيرة.

إلا أنه ما كان لهذه الأهداف أن تتحقق على النحو المشار إليه لولا تضافر عمل مجموعة من العناصر التي تؤلف في نهاية الأمر البيئة الثقافية التي تحضن هذه الجائزة الأشهر وسواها من أمثالها مما بات يتصدر مشهد الحياة الأدبية الفرنسية.

ذلك أن مفهوم الجائزة في فرنسا يستدعي بيئة تعمل وفق قوانين وأعراف يقوم ضمنها المعنيون كلٌّ في مجاله بعمل يشارك به الجهد الجماعي: من الناشر إلى صاحب المكتبة إلى القارئ مرورًا بالكاتب والصحفي والقارئ.

تنظم القوانين معايير النشر وحقوق الناشر والكاتب المحفوظة بموجبها بعد إبرام العقد الذي يحدد التزامات وواجبات طرفيْه. وتحول الرقابة المالية دون أي محاولة التفاف على تطبيق القانون. هكذا لا يحتاج الكاتب للمطالبة بحقوقه؛ فهي تصله دوريًا وبانتظام مع كشوف رسمية بالمبيعات وحصته العقدية منها التي تحول آليًا إلى حسابه المصرفي. بذلك تسمح الجائزة لجميع عناصر هذه السلسلة الاستفادة من جائزة منحت أصلًا لكاتب، لكنها في حقيقة الأمر تمنح أيضًا ـ كمردود مالي ـ إلى الناشر والموزع وصاحب المكتبة وكل منهم ينال حصته من الجائزة على الصعيد المالي. هذا المردود عابر أيضًا للحدود الفرنسية حين يأتي من الخارج بعد أن تسارع دور النشر في العالم إلى شراء حقوق ترجمة الرواية الفائزة التي ستصل إلى قراء ما لا يقل عن خمسة وعشرين لغة في العالم.

تنظم معظم هذه الجوائز وتمنحها مؤسسات خاصة. لكن القوانين العامة توجِّه مختلف العلاقات التي يستدعيها منحها. أما المعايير المتبعة، فهي تتسق وتنسجم بطبيعة الحال مع الأهداف التي تود تحقيقها المؤسسة أو المنظمة التي تنشئ الجائزة وتضع قواعد منحها ودوريتها واللجنة المناط بها تقرير الفائزين بها.

إذا كانت هذه هي الصورة الوصفية الإجمالية لجائزة الرواية خصوصًا في فرنسا وللمشهد الأدبي الذي يرتسم بسببها سنويًا، فإن الصورة الوصفية المقابلة لجوائز الرواية في العالم العربي تختلف اختلافًا يكاد يكون جذريًا.

كان أول بلد عربي خصص منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي ما عرف بجائزة الدولة التقديرية في الآداب تمنح سنويًا لكبار المفكرين والعلماء والأدباء والفنانين عن مجمل إنتاجهم هو مصر. وهي جائزة تكريمية تمنح تقديرًا لمسيرة فكرية أو أدبية طويلة فاعلة وفعالة في المشهد الثقافي المصري والعربي، أي أن آثارها تبقى محصورة ضمن حدود الأهداف المنشودة منها والتي تقتصر بطبيعة الحال على من ينالها دون أيِّ أثر حقيقي آخر على المشهد الثقافي أو الأدبي. بعد ذلك توالى إنشاء جوائز رسمية في دول عربية أخرى حملت بوجه خاص أسماء ملوك وأمراء وخصصت لمختلف مجالات النتاج الأدبي. لكنها هي الأخرى بقيت ذات طابع تكريمي وقاصرة بالتالي عن إحداث أي تأثير في المشهد الثقافي داخل البلد الذي يمنحها أو خارجه في المجال العربي العام.

أما الرواية، ولأنها، وإن دخلت بين الأجناس الأدبية العربية على حذر مع مطلع القرن الماضي، لم تنتشر كجنس أدبي حديث في الأدب العربي المعاصر إلا مع منتصف القرن، ولم تنتشر كتابتها في معظم الدول العربية إلا في السنوات العشرين الأخيرة من القرن الماضي، فلم يكن من الممكن أن تنشأ جوائز خاصة بها إلا قبل سنوات معدودات، وكانت أول جائزة منحت لرواية عربية هي جائزة البوكر في عام 2007، أي قبل عشر سنوات، أي بعد ما يزيد عن قرن على إنشاء جائزة الغونكور (1903).

لا شك في أن من أهم أهداف هذه الجائزة الإنكليزية الأصل والتي تبنتها الإمارات العربية المتحدة من أجل الرواية العربية والتشجيع على انتشار هذا الفن في أدبنا المعاصر وعلى قراءته ثم على ترجمة الأعمال الفائزة إلى اللغة الإنكليزية التي ستفتح الطريق أمام ترجمتها إلى لغات أخرى. وقد اتبع منظمو الجائزة مسارًا يجعل منها موضع اهتمام المجتمع الثقافي العربي طوال فترة تبدأ من إعلان لقائمة الطويلة، ثم القائمة القصيرة، وأخيرًا بإعلان الفائز بالجائزة. لكن الملاحظ أن هذا الاهتمام اقتصر على بيئة صغيرة تضمّ عددًا من الكتاب المعنيين وأصحاب دور النشر ومحرري الصفحات الثقافية.

لكن العناصر الأخرى في البيئة الثقافية العربية التي تستقبل الجائزة وتنشر آثارها لا تزال تفتقر إلى معظم ما يمكن أن يجعلها تقوم بوظيفتها على نحو يتلاءم ويتكامل مع أهداف الجائزة المعلنة. ففي محاولة لتقويم عشر سنوات من منح هذه الجائزة، لا يمكن لأحد أن يعثر على إحصائيات صحيحة أو قريبة من الصحة عن عدد النسخ المطبوعة من الرواية الفائزة وعدد النسخ المباعة. ومن ثم؛ فلا نعلم عدد القراء الذين قرؤوا الرواية والبلدان التي ينتمون إليها أو المناطق التي يسكنونها في بلدانهم. ولا شيء كذلك يفيد عن الحصيلة المالية الناتجة عن مبيعاتها. لا شيء أيضًا عن قراءة الرواية باللغة العربية في العالم العربي أو خارجه. فشروط توزيع الكتاب العربي خارج حدود الدولة التي نشر فيها والمنحصرة في بيعها بأعداد تبقى محدودة خلال معارض الكتب المتوالية في مدن العالم العربي تشير إلى بؤس ما فرضته أنظمة الرقابة في مجال الكتاب العربي وانتشاره!

عشرات السنين والناشرون العرب يجهدون للاعتراف بمهنتهم من قبل السلطات العامة. وقد نجحوا نسبيًا في ذلك. لكنهم لا يزالون حتى الآن عاجزين عن فرض احترام حقوق النشر على أعضاء اتحادهم أو على اعتماد هذه الحقوق من قبل الدولة بواسطة قوانين تسري على الجميع، الحقوق التي تخص الكاتب مثل تلك التي تخص الناشر. وعشرات السنين ولا يزال احترام هذه الحقوق مبادرة من الناشر وعلى استحياء وليس تطبيقًا لقانون. لا نعني هنا احترام حقوق دور النشر الأجنبية عند ترجمة الأعمال التي نشرتها. فقد مهدت المكاتب الثقافية إلى احترام هذه الحقوق عن طريق الدعم المالي تارة والقضاء تارة أخرى. بل نعني حقوق الكاتب العربي نفسها والتي بات إنكارها أو تجاهلها عرفًا سائرًا.

ذلك ما يجعل من جائزة الرواية أو سواها في العالم العربي قاصرة عن أداء وظيفتها الأساس واقتصارها بالضرورة على فعل تكريم مالي لهذا الروائي أو ذاك، حتى بدا وكأن كتابة الرواية في السنوات العشر الأخيرة لا تستهدف إلا الجائزة بوصفها وسيلة إلى ثراء فرديّ عابر وسريع.

ولا أمل في الواقع من إمكان تحقيق هذه الجوائز ما تسعى إليه على الأقل من أهداف معلنة في غياب البيئة الثقافية والاجتماعية الحاضنة والضرورية. بيئة تسهم في وجودها مؤسسات رسمية وخاصة، وقوانين ناظمة، ومعايير صارمة.

وبدون ذلك كله، تبقى جوائزهم بعيدة كل البعد عن جوائزنا هنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق