أدب وفنون

مَدحَلَة ورَاجِمَة صواريخ

قال آرامُ السوريّ لصديقه:

– تعرف يا اصطيف أحلى مثَلٍ شعبي عن السرقة؟!

– ما يقولونه عن الحرامي الشاطر: يسرق الكُحل من العَين.

– اسمَع إذًا.. ما رأيتُهُ بأُمِّ عينيّ في مرفأ اللاذقية؛ أواخرَ السبعينات من قرنٍ مضى وما انقضى؛ حين اشتغلتُ في العطلة الصيفيّة مُساعِدَ مُخلّصٍ جُمركي؛ ذهبتُ لأطمأنَّ على حَاوِياتٍ أتتنا بالبحر؛ مَركُونَةٍ في العَرَاء؛ وبينما أُحاوِلُ الوصولَ إليها؛ رأيتُ عاملَ مُيَاوَمَة؛ قد أخرجَ من حَاوِيةٍ خشبيةٍ درَّاجةً صينيةً من ماركة: الثلاث حَيَّات؛ وعلى وَشَكِ أن ينتهي من تركيبها؛ فلمَّا صِرتُ بجانبِهِ ارتجَف؛ فطمأنتُه:

– لن أبلِّغ عنك؛ قُل لي فقط.. كيف ستخرجُ بها من الميناء؟!؛ هدأ قليلًا ثمَّ أخذَ نفسًا:

– أدخلُ رَاجِلًا من الباب الشمالي؛ وأخرجُ راكبًا الدرَّاجة من الباب الجنوبي؛ فأجبتهُ:

– لكنّها ستبدو جديدةً وسيكتشفونك.

ابتسمَ لسذاجتي فأخرَجَ صُرَّةً من تراب؛ وأخذ يَفرِكُ بها الدرَّاجة مِن عَجَلاتها إلى كلِّ جوانبها المعدنيّة اللامعة؛ وهو يُبَربِرُ ويُبَرِّر:

– سرقونا؛ سرقوا المرفأ؛ سرقوا البلد؛ وَقّفِت على هالبسكليتة يا أستاذ!

علّقَ اصطيف:

– وماذا قلتَ لهُ وقتَها يا آرام؟

– قلتُ المثلَ الذي نعرفه: من يسرق بيضةً يسرِق جَمَلًا؛ وأضفتُ: إذا رأيتكَ مرَّةً ثانيةً على درَّاجةٍ سأبلِّغ عنك.

– وبماذا رَدَّ عليك؟!

– صاحَ في وجهي: تتشاطَر على عَايِف التَنَكَة؛ رُح تشَاطَر على جماعة جميل الأسد الذين بَلَعُوا المِينا؛ تشاطَر على مَن سَرَق المَدحَلَة.

– مَدحَلَة.. مَدحَلَة تراب وبَحص وزفت؛ أنتَ تمزَح بالتأكيد؟!

– لا أمزح يا اصطيف؛ قال سارقُ الدَرَّاجات وقتها: دخلوا بسيَّارة زِفتٍ من الباب الجنوبي للميناء؛ على أنهم من دائرة الخدمات الفنية لترقيع الحُفَر في طرقات الميناء؛ دَلَقوا في المَدحَلَة كَم تنكة مازوت؛ شَغَّلوها؛ مَوَّهوا مُقَدِّمَتَهَا وأطرافَهَا بالزِفت؛ مَشَت المَدحَلَة ورائهم؛ يضعونُ في حُفرَةٍ قليلًا من الزِفت لتَدحَلَه؛ وهكذا حتى خرجوا من الباب الشماليّ للميناء.

– معقول.. وهل صَدَّقتَهُ يا آرام؟!

– صَدّقَهُ إحساسي ولم يقتنع عقلي وقتذاك؛ حتى فتحتُ جريدة “تشرين” بعد خمسِ سنواتٍ من الحادثة؛ فرأيتُ العنوان التالي: العثور في الحسكة على المدحلة المسروقة من ميناء اللاذقية!؛ وفي التفاصيل أنّ موظفًا في دائرة المواصلات؛ طَابَقَ رَقَمَ شاسيه المَدحَلَة ومُحرِّكِهَا؛ فأبلغَ عن السَرِقَة.

صاح اصطيف مُتحمِّسًا:

– برافو.. يحيا العَدل.

– طَوِّل بالك يا اصطيف؛ عن أيِّ عَدلٍ تحكي؛ اعتقلوا المُتعِّهد الذي اشترى المَدحَلة بأوراق إدخالٍ نظاميّة؛ ودَفَعَ ثمنَها وجَمَارِكَها؛ ظلّوا يضربونَهُ حتى اعترفَ بأنه هو شخصيًا مَن سرقها؛ ونجا شبيحة جميل الأسد حتى من مُجَرَّدِ الشُبهَة؛ ثم حَوَّلُوهُ إلى القضاء.

– تقصِد القضاءَ والقَدَر!

– بل دَحَلُوه دَحلًا؛ لا قيامَ لهُ بعدَه؛ غَرَّمَهُ القاضي باسترداد وزارة المواصلات لمِدحَلَتِهَا؛ وبالسجنِ عشرَ سنواتٍ؛ وبأتعابِ المحكمة والمُحَاماة.

– كلّ شيءٍ وَارِدٌ.. في زمن الاستبداد.

ضحك آرام:

– وفي زمنِ أمراءِ الحرب الذين خطفوا ثورةَ السوريين على الاستبداد والفساد؛ أمَا سمعتَ بسرقةِ رَاجِمَةِ صواريخ غراد؟!

بَلَعَ اصطيف رِيقَهُ مع دَهشَتِه:

– لا بدّ أنك تكتبُ قِصّةً على غِرَار الواقعية السحريّة في أمريكا اللاتينية.

– كلُّنا في الشرقِ والجنوب.. شرقٌ وجنوب!

– هاتِ نَوِّرنا بالتفاصيل؛ يا آرام.

– فيلم غراد آكشن؛ المشهد الأول: نهاري – خارجي.

راجِمَة غراد 40 محمولة على سيارة شحن: فورد؛ تابعة لجيش المُجَاهِدِين؛ قام مجهولونَ بسرقتها من بلدة “بابكة” غربَ بلدة “الأتارب” شمال حلب؛ يُرجَى من كافة المآذن الإعلانُ عن وَلَد ضائع اسمُهُ: فورد غرَاد.
مكافأة خاصة.. لِمَن يَجِدهُ: صاروخين غراد عَ البيعة!

ضَرَبَ اصطيف أخماسًا بأسداس:

– ولِمَن سيبيعونها الآن ؟!.

قال آرام: – لداعِشَ؛ أو للنظام؛ أو لأحفاد أوجلان!

 

*- من سلسلة: مقامات آرام السوري

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق