مقالات الرأي

الهجرة وآثارها النفسيّة

الهجرة ليست عمليّة بسيطة وحسب، تتمثّل بمغادرة الفرد لبلد معيّن من أجل الاستقرار في بلد آخر، وإنما سيرورة وآليات لها عدّة مراحل متداخلة ومتتالية يمرّ بها المهاجر، ولكلّ مرحلة من هذه المراحل المرتبط بعضها ببعض خصوصياتها وميكانيزماتها النفسيّة والاجتماعيّة المختلفة. وتتجلّى هذه الخصوصيات والميكانزمات في ثلاث مراحل يمكن تلخيصها على الشكل الآتي: أولًا، مرحلة اتخاذ قرار الهجرة، فقبل أن يغادر الفرد وطنه يتّخذ قراره بذلك وغالبًا لا يجري هذا الأمر بين ليلة وضحاها، وإنّما يأخذ وقتًا تتفاوت مدّته بحسب الأوضاع الشخصية والاجتماعية والسّياسية. فعمليّة اتخاذ القرار -بحدّ ذاتها- سيرورة معرفيّة معقّدة يُختار من خلالها تصرّف معيّن، أو فعل معيّن، من بين عدّة احتمالات ممكنة.

أمّا الأسباب الّتي تدفع الفرد إلى التفكير بالهجرة فمتعدّدة ومتداخلة، منها ما هو اقتصادي ومنها ما هو اجتماعي وآخر سياسي. وفي وجه عام يُعد السعي إلى حياة أفضل، والرغبة في التحرّر من البؤس والأوضاع الاقتصاديّة التي لا تطاق من أهمّ الدوافع للهجرة. أمّا من حيث طبيعة قرار الهجرة وكيفيّة اتخاذه، فيمكننا -هنا- الحديث عن الهجرة الطوعية، وهي تعتمد على الاختيار الحرّ للفرد وغالبًا ما تكون اقتصاديّة، وعن الهجرة القسريّة، أيّ: الإجباريّة، وتكون نتيجة الحروب والكوارث الطبيعية والمواقف السياسيّة والصراعات الأهليّة. وفي رأينا، القول بأنّ هناك هجرة طوعيّة ينطوي ضمنًا على نوعٍ من الإجحاف، فحتّى حين يتخذ الفرد قراره بتركِ وطنه من أجل تحسين وضعه، ووضع عائلته الاقتصادي فإنه بشكل أو بآخر مدفوع إلى ذلك، ولو كانت أوضاع وطنه الاقتصاديّة جيّدة، ومن ثم؛ وضعه هو جيّد، لما اختار الهجرة وترك وطنه وأهله. إذن، يحق لنا التساؤل عن مدى حريّة الفرد في ما يتعلّق بقرار الهجرة وبناءً عليه؛ يمكننا القول بأنّ جميع المهاجرين هم في وجه أو آخر مُهجَّرين، فجميع الهجرات قسريّة ولكن بدرجات متفاوتة، وذلك؛ بحسب العوامل والأحوال الّتي دفعت إليها.

إنّ اتّخاذ قرار الهجرة ليس بالأمر السّهل والبسيط، وفي جميع الأحول، تترافق هذه المرحلة مع مشاعر الخوف من المستقبل والتردّد واليأس من الوضع الحالي والإحباط وفقدان الأمل في تحسّن الأحوال، فتصبح المغامرة والهجرة هي الطريق الوحيد للنجاة أو على الأقل أفضل الخيارات الممكنة.

أمّا المرحلة الثانية، فهي مرحلة التنفيذ، فبعد اتّخاذ القرار بالهجرة تبدأ مرحلة وضع آليات وخطط لمغاردة الوطن الأم والوصول إلى الوطن الهدف أو المضيف. وطرق الوصول للهدف إمّا أن تكون بطرق قانونيّة وتُسمى حينئذ هجرة شرعيّة ويتمّ ذلك عن طريق الحصول على تأشيرة الدخول من سفارة البلد المُضيف، أو بطرق غير قانونيّة وغير نظاميّة ويُطلق عليها اسم الهجرة غير الشرعيّة.

تؤثّر الأساليب التي اتّبعها المهاجر من أجل الوصول للوطن المُضيف تأثيرًا كبيرًا في تكيّفه واندماجه وبنيته النفسيّة فيما بعد، فبعض هذا الأساليب تتّصف بالمخاطرة الكبيرة حيث تكون حياة المهاجر بخطر كعبور الحدود البرّية والبحرية عن طريق شبكات مافيات التهريب وبالطبع تُعتبر قوارب الموت المكتظّة التي يستقلّها السّوريون، على سبيل المثال لا الحصر، من أخطر الطرق المتّبعة من أجل تحقيق هدف الوصول إلى أوروبا. فكلّ من عاش تجربة هذه القوارب، حتّى وإن مرّت بسلام، يتحدّث عنها بألم وحزن وبأنّها قد شكّلت له صدمةً لم يكن يتوقّعها. ولكن الصّدمة الأكبر التي تترك أثرًا سلبيًّا كبيرًا في الصحة النفسية، والإحساس بالأمان النفسي لدى المهاجرين، تبقى من نصيب أولئك الذين نجوا من أحداث قوارب الموت، فالدراسات العلمية تؤكد على معاناتهم النفسيّة والشخصيّة لسنواتٍ عديدة بعد نجاتهم من الحادث.

إنّ تجربة الهجرة الغير شرعيّة قاسية ومريرة ومحفوفة بالمخاطر ومع ذلك يؤكّد معظم المهاجرين الذين لجؤوا إليها أنّهم غير نادمين؛ لأنّه لم يكن لديهم أيّ خيارٍ أو بديلٍ آخر.

والمرحلة الثالثة والأخيرة هي مرحلة الوصول والاستقرار، وعلى عكس ما يتوقّعه المهاجر، تُعدّ هذه المرحلة من أصعب المراحل وأطولها وأكثرها تعقيدًا. فعلى الرّغم من أنّه قد وصل برّ الأمان ولم يعد هناك من مخاطر حقيقيّة أو مباشرة على حياته، إلّا أنّه سرعان ما يصطدم بالواقع ويكتشف أنّ هذا الأمان أبعد ممّا كان يتصوّر وأن الاستقرار والطمأنينة المنشودتان أعقد وأطول ممّا كان يتخيّله، لا بل خلافًا لما كان يتخيّله، فأغلب المهاجرين رسموا صورة مثالية مبالغ بها عن هذه المرحلة ولم يتصوّروا مدى الصّعوبات، حتّى في أدق تفاصيل الحياة الّتي سيلاقونها في هذه المرحلة. وهذا البون الشاسع بين الصّورة المُتخيّلة والواقع يترك أثرًا كبيرًا على توازنهم النفسيّ والشخصيّ. فلقد أظهرت الدراسات بأنّ الهجرة سواء كانت طوعيّة أو قسريّة، كما هي الحال في أثناء الحروب والكوارث الطبيعيّة، وفرديّة أو جماعيّة فإن لها آثارها النفسيّة على الفرد المهاجر. فأولى هذه الدراسات كانت في عام 1912 حيث أشار بولاك إلى أنّ الاضطرابات العقلية هي أكثر شيوعًا بمرّتين في أوساط المهاجرين في مدينة نيويورك مقارنةً بالسكان الأصليّين، وأيضًا أودغار توصّل إلى النتيجة نفسها في دراسة قام بها على المهاجرين النرويجيين إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة في عام 1932 إذ أظهرت دراسته أن هؤلاء المهاجرين هم أكثر إصابةً بالأمراض النفسية مقارنةً بالنرويجيين الذين مازالوا يعيشون في النرويج. وفي دراسات أخرى حديثة توصّل الباحثون إلى النتيجة نفسها أيضًا.

في عام 1997 أجرى العالم مورفي Murphy بدراسة نقديّة تحليليّة لهذه الدراسات، وميّز بين نوعين من الباحثين في مجال علم نفس المهاجرين: أولئك الّذين قدّموا فرضيّات عن جاهزيّة المهاجرين للإصابة بالأمراض النفسيّة، والآخرين الّذين فضّلوا التركيز على الآثار النفسية السلبيّة للهجرة الناتجة عن التوتّر الّذي يسبّبه الاستئصال الثقافي. هذا الاختلاف بين هذه الأبحاث في تفسير سببيّة الاضطرابات النفسية عند المهاجرين يعود في جزء كبير منه إلى التناقض بين الدراسات العياديّة، من جهة، والأنثروبولوجيا من جهةٍ أُخرى.

أما في الدراسات المعاصرة، فمازال الجدل مستمرًّا حاليًا حول ما إذا كان هناك استعداد نفسي للإصابة بالمرض النفسي لدى المهاجرين أيّ استعداد فطري، أو ما إذا كانت البيئة الثقافيّة والوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيش فيه المهاجرون هم السّبب في الإصابة بالاضطرابات النفسية، أيّ أنه مُكتسب. وما زاد في حِدّة هذا الجدل هو أنّ المعطيات العلميّة ما تزال متناقضة وغير كافية للبتّ في هذا الأمر وخاصّة أن مناهج البحث المعتمدة وأدوات القياس المستخدمة ليست نفسها في جميع البلدان وفي جميع البحوث، فمثلًا غالباَ ما تعتمد البحوث في مجال الصحة العقليّة في كندا والولايات المتحدة الأمريكية على المنهج الكمّي بينما في فرنسا أغلب الدراسات في هذا المجال تعتمد على المنهج التحليليّ الكيفيّ.

في جميع الأحوال، تشير معظم الدراسات الحديثة الّتي تناولت مسألة الآثار النفسية للهجرة إلى العلاقة بين الهجرة وظروفها من جهة والاضطرابات النفسيّة والعقليّة من جهة أخرى، مع التأكيد على ضرورة اعتبار المهاجر كائن كلّي (بيولوجي – نفسي – اجتماعي) وهي بذلك ترفض وجهة النظر التبسيطيّة والخطيّة التي تعتبر عاملًا واحدًا سببًا للاضطراب النفسي. كما يجب التنبيه إلى أن هذه الآثار والاضطرابات النفسيّة والعقبات، تختلف من حيث شدّتها ونوعها، لا بل وجودها أيضًا، من مهاجر إلى آخر، وذلك؛ تبعًا لعوامل، أهمّها البنية النفسيّة الفرديّة لكل شخص، والحالة الاجتماعيّة والعمريّة، والوضع الاقتصادي، ودرجة الثقافة والخلفيّة الاجتماعيّة، وأسباب الهجرة (طوعيّة – قسريّة، فرديّة – جماعيّة، شرعيّة – غير شرعيّة).

 

(*) تنويه: هذا المقال جزء من بحث علمي بعنوان “سيكولوجيا المهاجرين: استراتيجيّات الهُويّة واستراتيجيّات التّثاقف”، نُشر في مركز (حرمون) للدراسات المعاصرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق