هموم ثقافية

دم المؤلّف وإرهاب المخرجين

يبدو أنّ بعض المخرجين لم يتمثّل مسألة موت المؤلف “بارتيًا”، إلا من حيث اغتيال نصّ الكاتب باسم المواضعات الدراماتورجيّة، وعمومًا، لا يخجلهم -البتّة- أن يجعلوا منه محض خردة أدبيّة؛ حتّى أنّ ترجمته مسرحيًا -في ما بعد- لا يمكن أن تدلي  بغير عمل مسرحيّ مبتذل وسطحيّ ورديء،  كما لو أنّه بضاعة رخيصة جديرة بأن تُلقى في القمامة، وعلاوة على ذلك، ليس لصفاقتهم حدّ، فكثيرًا ما نراهم يتحدثون عن أعمالهم الفنّية منتفخين كالطواويس، وكثيرًا ما نراهم -أيضًا-  يتسابقون إلى الكرنفالات والمهرجانات، ووسائل الإعلام، وكأنّه لا مزية لهم غير أن يتحوّلوا إلى تجّار في أسواق الرّقيق الثقافيّ.

ثمّة تصحّر نظريّ يلاحق هؤلاء؛ إذ إنّ التقاط آليات المسرح المعاصر ورهاناته، من حيث تجاوز سلطة النصّ، وتقويض مركزيتها في الفعل المسرحيّ، لم تكن نتيجة خلفيات نظرية بما تتطلبه من  تشبّع على الصعيد الفكريّ، ومعرفة دقيقة بالتغيّرات والتحوّلات التي شهدها هذا الفنّ؛ حتّى أنّ وعيهم النقدي كان نتيجة ثقافة شفويّة، وأخرى سطحيّة تقدّمها الوسائط الافتراضية، بما تتضمنه من مغالطات، كما إنّها نتيجة تأثّر وانسلاخ ذاتيّ أمام ما وصلت إليه مسارح الآخر، على الرغم من مغالطاتها، هي الأخرى، وسياسات استثمارها لثقافات الآخرين. هكذا لم تتسنّ عملية توليد رؤية شاملة لهذا الموضوع إلا من حيث السقوط في مدارات فهم سطحيّ وساذج لسرديات الفلسفة المعاصرة والمناهج الحديثة؛ ولا سيّما منذ الإطاحة “بالظاهراتية” ومولد المنهج البنيويّ الذي هدم مركزية المؤلّف، فإذا به يشيّد مركزيّة مضادّة هي مركزيّة اللغة.

يدلي المخرجون بضرورة “موت المؤلّف”، وهذا من حقّهم، لكن في أحيان عديدة يتحوّل هذا الحقّ إلى فيروس فتّاك يفرغ النص المسرحيّ من مضامينه ومعانيه؛ حتّى أنّ نجاحهم يظلّ  محفوفًا بمآزق جمّة، إذ هو محض قراءة سطحيّة لم تتجاوز الحدّ الأدنى من الفهم النصّي، وتلك هي المشكلة: فبعد أفول مركزيّة النصّ تولد مدية حادّة تسلّط عنفها على العرض برمّته، فلا تكون ثمّة رؤية إخراجية إلا من حيث ضعفها، ولا تكون ثمّة نجاعة من حيث أداء الممثل، بما أنّ الدراماتورج لا يعرف عن وظيفته شيئا، فيتحوّل إلى مجرّد قصّاب يمزّق أوصال الجسد الكتابيّ، أمّا باقي عناصر العمل فتكشف عن كونها محض إسقاط عشوائيّ، ليبدو العرض -بعده- مجرّد نسيج لا قوام له غير الخِرق، إذ لا جامع يجمع مكوّناته  بقدر الفواصل التي تفصلها إلى حدّ يجعل من العمل الفنّي جديرًا  بأن نقدّم له شهادة نعيٍ، منذ لحظة عرضه الأولى، وربّما الزجّ به في خانة إسطبل حين يتمادى أصحابه باسم التجريب، بالقول إنّه مهمّ وجيّد، وإن كان علينا أن نحترم مجهودهم كما يُطلب منّا، فإنّ ذلك لن نفعله إلا من باب الشفقة.

لقد تمكّن هؤلاء من امتصاص مكعّبات من دماء المؤلفين، علاوة على أنه لم يخجلهم الانتساب إليها من دون ذكر أصحابها؛ إذ لم تترجَم حرارتها النصية ومعانيها ومدلولاتها إلى طاقة مسرحيّة تستحقّ الفرجة، بل والأنكى من ذلك، كانت عملية الاشتغال عليها –وفق ما تدلي به هشاشة عروضهم-، أشبه بحالات التقيؤ، وهنا يتضح جليًّا أن مقولة “موت المؤلّف” لا تندرج لديهم في زاوية  تقويض مركزيّة النصّ، وإنما في ضرورة إفراغه من توهّجه والارتداد به إلى حدود سقف معارفهم تلك، المفرغة والجوفاء والسطحية، ومن ثمّة؛ فهم يهدمون كلّ منجز كتابيّ أعلى وأكثر كثافة من حيث رؤاه وتصوراته الإبداعية، لا محاورته أو التفاعل مع إشكالياته وفتوحاته.

يعتقد هؤلاء أنّ لهم من المميزات ما يجعلهم يلعبون دور المخرج والدراماتورج في الوقت نفسه، ويا لهول ما يفعلون؛ إنّهم يأخذون نصوص المؤلف بالشطب والحذف والإضافة، وفي ما بعد يلقون بها إلى الممثل، كما لو أنّها نصّ ديني مقدّس، مع تغييب شبه تامّ للمؤلّف، ودون أدنى اشتغال على تلك النصوص بالتحاور والتفاعل مع الممثلين! وقد كان الأجدر بهم في حالة كهذه أن يستغنوا -منذ الوهلة الأولى- عن النص ومؤلفه استغناءً قاطعًا، إذ لم تعد الحاجة إليهما إلا من منطلق الاستثمار. فإذا كانت تلك هي حقيقة اشتغالهم على النصوص، وطريقة التعامل معها؛ فلماذا لم يعوّلوا على أنفسهم -منذ البداية- كي يكتبوا ما لم يجدوه في نص المؤلف؟ ألا يعدّ ذلك محض استغلال رخيص ومثير للاشمئزاز؟

إن الغوص في خرائط إشكالية من هذا القبيل، يدفعنا حتمًا إلى البحث عن وظيفة الدراماتورج ومسارات عمله منذ النصّ المكتوب إلى حدود ترجمته النهائيّة إلى عرض مسرحيّ، كما تدفعنا -بالضرورة- إلى تحديد وظيفته هذه من خلال تفاعله مع المؤلّف والمخرج، حتى يتسنّى له أن يلعب من زاوية ثالثة تُعنى بما هو فكريّ وجماليّ، وما إذا كان ممكنًا أن يكون المخرج مؤلفًا في بعض الأحيان. لكن هؤلاء المخرجين، بما أنّهم على وعي تام بذلك، لماذا يظلّ وعيهم هذا وعيًا مرضيًا لا تجاوزيًّا؟ لماذا يتمادى أغلبهم؛ حتّى أنّ سجّلاتهم الغبداعيّة محفوفة بغير القليل من الخراب الفنّي؟ ألا يعدّ تنافسهم من حيث إنتاج كمّ هائل من العروض سقوط في معادلة الأسواق وحسب؟ ألا يمثّل تنافسهم في محافل المهرجانات على الجوائز منعطفًا يقوّض الرّهان الإبداعي، ويرفعه إلى مجرّد آليّة للتسوّل، بعد أن كان رؤية من رؤى العالم؟

إنّ أسئلة يحرّكها التهكّم، نطرحها الآن، لن تعجب أولئك الذين جعلوا من الفنّ المسرحيّ عِجلًا تتمّ عمليّة تقطيع أوصاله في الكرنفالات والمهرجانات، ذلك أنّه غنيمتهم وحصادهم في هذه الحرب الأنطولوجيّة حوّلت الكائن البشريّ إلى آلة محض، معدّة للقتل والفتك، بل يا لوطأة العار: إنّهم يطرحون أنفسهم أوّل المحاربين للإرهاب، بيد أنّ سلوكهم لا يقلّ وحشيّة عنه.

مقالات ذات صلة

إغلاق