أدب وفنون

ثلاث شواعر سوريات يزرعنّ الأمل في أرض الكلمات

في زمن صار كل ما يحيط بنا مرعبًا ومقززًا، ومنهكًا لكل جميل في داخلنا، وبات فيه الغد كالأمس قاتمًا، ومصبوغًا بدّم الحاضر. هنا في سورية التي شهدت مدنها مالم تشهده هيروشيما وناغازاكي من قتل ودمار وتهجير. يحق لنا أن نسأل: ما الذي يمكن أن يُكتب بعيدًا عن غبار المعارك؟ وهل تلعب الكتابة الإبداعيّة دورًا ما في مقاومة كل هذا الاستبداد والعنف والظلم؟ وكيف يمكن للشعر أن ينجو من كل هذا الخراب؟ وهل للقصيدة بعد هذا كله معنًى وجدوى؟

أسئلة وجهتها صحيفة “جيرون” إلى ثلاث شواعر من الموجة الجديدة في الشعر السوري، هنّ: عبير نصر، ونور طلال نصرة، ووداد نبي؛ فكانت هذه الشهادات.

 

 

الشاعرة عبير نصر:

أكتب لأبني من الحجارة بيتًا على تخوم الشمس..

الكتابةُ سترةٌ واقية من الرصاص، قد تبدو هذه الجملة مثالية بقدرٍ يدعو للسخرية عند كثيرين، مسوّغين أنّ القتلةَ لا يقرؤون.

إذن؛ لماذا نكتب، بينما يستحيل أن يرتفعَ صوتُ صرير القلم على صوت بندقية مصوّبةٍ إلى صدر، في وقت نتساءل فيه أيضًا: كيف للشعر أن يغدو غدير الأملِ بينما تسفكُ الأرواح برصاصاتِ الجهل، حتى الطائشة منها؟ وكيف للعالم أن يصمدَ من دون قصيدة حبّ مشاكسة تعيدُ للحياةِ مكانتها؟ سيختلط علينا كلّ شيء إذا أنكرنا أنّ الكلمة التي تواجه الموت لا بدّ أن تصنع التاريخ، وتجعل المستقبلَ قابلًا للحياة، على الرغم من تمخّضه من أقسى فصولِ العنف والحقد، ألم يقل “بابلو نيرودا” ذات مرّة: “آه من الذين لم يفهموا سوى الصمت، بينما القصيدة كلمة، من الذين لم يروا سوى الظل، بينما الشعر ضوء ليل”.

بالنسبة إليّ؛ أؤمن بأنّ الكلمةُ هي الوسيلة الأنجع للتحرر من كل أشكال الاستبداد والاستلاب، خاصة تلك التي تطال المرأة، وهي -دون شكّ- الخاسر الأكبر في ظلّ ثورات الربيع العربي التي دعّمت سلطة الظلم والكبتِ، المرأة التي لم تنفكّ حقوقها تتحطم على صخرة الدين والقانون والحروب، وترتطم أحلامها بعرض حائط الحرام، أكتب لأبني من الحجارة التي ترمى بيتًا على تخوم الشمس، هكذا -فحسب- تشعّ النساء الحقيقيات الكامنات في دواخلنا، أذكر أن “إيزابيل الليندي” قالت مرة: “الأبطال في روايتي نساء قويات ذوات عاطفة قوية، أنا لا أختلقهنّ؛ فلا حاجة إلى ذلك، أنظر حولي؛ فأراهنّ في كل مكان”.

وأنا لا زلت أؤمن بأنّ داخل كلّ امرأة مهزومة كيانٌ مستقلّ بحدّ ذاته، قويّ وقادر، ينهض هذا الكيان حين تنكسر صاحبته، وتجد أن لا داعم لها في وحدتها وضعفها سوى ذاتها، لكن، تحتاج إلى صوتٍ يهزّها في العمق، ينير لها النفق المعتم، حتى إذا ما خرجت للشمس تصبح هي النور، صوت يجعلها تقبض على العالم بيدٍ حين تخنق المُسلَّمات باليد الأخرى، أكتب لأولئك النساء اللاتي إذا ما طُمرن تحت تراب العيب ينبتن كأنهنّ البذور، وداخل كلّ امرأة، كل امرأة دون استثناء، بذرة تطمح أن تطال السماء.

أتساءل أحيانًا: هل تستطيع قصيدتي أن تمسحَ دمعةَ أمٍ خرِستْ على قبر ابنها، أو أن أحرّرَ امرأةً من لعنة جسدٍ استبيح في زمنِ الحروب، وهل أستطيعُ أن أقدّمَ الأملَ لصبية ثارتْ على واقعها؛ فتيبّستْ أحلامها عندما حفرتها على جدران السجون بأظافر مقتلعة، وهل سأعيد للحبيبات المتّشحات بالقهر رجالًا غيّبهم الحقد إلى غير رجعة، وهل وهل..؟! ربما لن أستطيع ذلك، لكن إن لامست كلماتي جروحهنّ المفتوحة لتجعلَ من الدمع ملحًا يكوي الألم واليأس، فيهزمنَ العدم في أرواحهنّ على الأقل، صدقوني هذا أقصى حدود التفاؤل بالنسبة إلي.

في النهاية أحبّ أن أذكر أنني كلما قرأتُ قصيدةً في إحدى الأمسيات الشعرية في بلدي، وصوتُ الرصاص يكون حاضرًا بقوة، يبدو الجميع على مستوى عالٍ من الانتباه، ربما ليعزز شغفه بالحياة وتوقه إلى أن يحافظ على الإنسان الذي يبكي؛ تأثّرًا لمنظر عشبةٍ تنمو تحت أقدام المقاتلين، ولهذا أكتب. أكتب لأؤكد أننا سنهزم الحرب عندما يصبحُ عدد قصائد الحبّ مساويًا لعدد الرصاصات التي اخترقت الضحكات والأحلام؛ لأنّ الجهل هو السلسلة المتينة للعبودية وهو الوجه الأوضح للموت، أتمنى أنكم تذكرون صورة الشاعر الإسباني “فيديريكو غارثيا لوركا” الذي راح يُلقي قصيدةً بينما يواجه إعدامه على يد ثلّة جنود يتجهزون لإطلاق النار، ثمانون عامًا مرّت. تلاشتْ وجوههم الحاقدة، وبقي شعر “لوركا” خالدًا حتى اللحظة.

 

الشاعرة نور طلال نصرة:

سليلات “عشتار” يكتبنّ الأمل..

حين يكون الخراب على امتداد النظر، ديموغرافيًا وفكريًا ودينيًا. تطال آلة البشاعة المرأة، بوصفها كائنًا معنيًا بمنح الجمال والاستقرار، سواء أكان على المستوى العائلي أم على المستوى الاجتماعي، فالمكانة ليست حيّزًا مكانيًا؛ إنّما دورًا وأسلوبًا. من هنا؛ تؤسس المرأة لنفسها خاصيّة تحميها من أحوال العبث، لكن هذه الخاصيّة لم تنأَ بها عن تبعات الحروب والنزاعات التي تطال منطقتنا، بل وضعتها أمام فوّهات المدافع التي وُجهت ضدّها إنسانيًا وفكريًا ودينيًا، فحاولت إزاحتها عن دورها الإنساني والوجودي، ووجدت نفسها أمام مأزق يطال محيطها، ويريد أن يسلبها كل ما صنعته وورثته منذ وجودها الأول على الأرض.

المرأة السورية سليلة “عشتار” وحفيدة “جوليا دومنا” و”زنوبيا” التي قادت مملكة وجيشًا قبل آلاف السنين، استيقظت فجأة؛ فوجدت نفسها بلا مأوى، بيتها مدمّر، زوجها مقتول، وابنها مفقود ويريدون أن يلفوها بعباءة الجهل، ويدخلونها عنوةً في مدارات العبث، يريدون جلدها بسياط الدين وأن يقنعوها بأنها مجرّد سلعة، فأخرجوا من تحت جلودهم كل العفن المختبئ منذ عصور، عندما كانت تبني فكرًا وحضارةً ووهجًا لم يحتملوه.

المرأة التي تبحث لنفسها الآن عن فضاء آمن من سعير الجهل والتصحّر الآتي من فِكر ما قبل ألف وأربعمئة عام، لا تدري تحت أي سماءٍ ستنام، وأيّ غيمة ستظلل جسدها! أمام هذا الواقع بات القلم والفكر سلاحين تخيف بهما الوحوش، وتنحت دربًا واضحًا يحدد موقفها ودورها المهم في كل ما يجري. فمعركتنا اليوم معركة ثقافات وأيديولوجيات، تحاول أن تفرض سوادها علينا. خرجت المرأة من منزلها لتكمل مسيرتها التي كانت قد بدأتها منذ عصور، مسكت أيدي أطفالها وسارت بهم إلى المدرسة ولم تخف، تابعت عملها ومارست حياتها الطبيعية ولم تستكن، أدركت بوعيها أنّ عليها أن تُبادر في رفض الواقع المفروض، فكانت الكتابة هي النواة التي تُشكّل الوعي المأمول لدى أجيال لم تعِ المأساة الحقيقة بعد. لاحظنا نشاط المرأة أخيرًا في مجال الكتابة، فعمدت إلى توثيق وكشف ما يحدث من تزوير للحقائق وتلاعب بالوقائع الكارثية من بيع واتجار بأجساد الفتيات في مناطق الصراع، وبيع الأعضاء البشرية، وما تبعها من جرائم في حق الإنسانية. والوقوف في وجه الفتاوى الشرعية التي تستبيح جسد القاصرات، وتلزمهنّ بـ “جهاد النكاح”، وذلك؛ بالعودة إلى تعاليم الدين الحنيف، وتعرية “هذه الفتوى” من غطائها الشرعي، وملامسة الأبعاد النفسيّة والاجتماعية للفتيات. المرأة الشاعرة والكاتبة التي تبنّت حلم السلام والاستقرار لوطنها؛ فسطّرت معاناتها، وباحت بجرح وطنها في قصائدها، وحملت شعلة الصمود؛ لأن المرأة المهزومة لا يمكنها أن تبني وطنًا.

 

الشاعرة وداد نبي:

النجاةُ بالقراءة..

حين كنتُ طفلة ومراهقة صادقتُ الكتب أكثر من الأصدقاء، شيء يشبهُ لوثة محببة للمرء، حينما يكون محاطًا بعوالمٍ قاسية لا تلمسُ كيانهُ “الطفل” الذي لم يتشكل بعد.

كان كل كتاب أقرؤهُ في تلك الفترة من حياتي يخلصني من مشكلة حقيقية أعاني منها بنظرتي إلى الأمور والأشياء، كل كتاب كان يخلصني من جراحي الصغيرة التي كانت تمنعني من النوم، ولم يكن هذا مجازًا، إنما حقيقة، رؤيتي للأشياء كانت تتغيرُ من حولي بعد القراءة، وحين بدأتُ الكتابة؛ متأثرة بقراءاتي تلك، شعرتُ بأنهُ مثلما ساعدتني قراءة كتب الآخرين في جعل حياتي ممكنة ومقبولة، وإخفاء الندوب ونسيانها؛ فإن الكتابة ستكون أقدر على مساعدتي في تفادي قسوة الحياة وتغيير مساراتي الخطأ، لذا؛ أعتقدُ أنهُ إذا أمكننا طرح السؤال بالصيغة التالية: هل هناك جدوى من القراءة؟!

إذا كان الجواب نعم، فإذن؛ جدوى الكتابة -هنا- تبدو أكثر واقعية ووضوحًا، إذا لم يكن هناك قارئ؛ فلا معنى لكل ما نكتبهُ، إلا بما يقدمهُ لنا كتابًا من عزاء؛ لتقبل الحياة وقسوتها وزوالها، أما وجود قراء، فإنهم يجعلون للكتابة جدوى أكبر من أثرها في حياتنا الشخصية بوصفها كتابًا، فعل القراءة وتأثيره في حياة الفرد هي التي تحدد لنا جدوى الكتابة اليوم، قدرتها السحرية على إحداث الأثر، وليسَ التغيير، ذلك الأثر الذي جعل الكتابة -بالنسبة إلي اليوم- “هُويةً وانتماءً” وسط صراع الهويات الدامي، والمدمر، الذي يحدث في الشرق عمومًا، انتمائي إلى “هوية الكتابة” أنقذني من “هاوية الصراعات” التي سقط فيها غيري من الكتاب عمومًا.

أما كيف يمكن للكتابة تغيير هذا الواقع الكارثي المؤلم؟ فأرى أنه ليسَ مطلوبًا من الكتابة تغيير الواقع، بوصفها فعلًا سحريًا لحظيًا، الكتّاب ليسوا “سحرة”، والكتابة “ليست عصًا سحرية”، الكتابة إيحاء بما يمكن أن تكون عليه الأمور والحياة لو عشنا الأمور بطريقة أخرى، وهو مالا تستطيعُ الحياة منحنا إياهُ، لكوننا نعيش حياة واحدة، لكن للكتابة هذه القدرة الرهيبة بإيحاءاتها إلينا بالطرق الأخرى للحياة التي لم نعشها، هذا الإيحاء في الكتابة هو الذي يحدث التغيير مع الزمن، الناس يتقبلون الإيحاء بالتغيير، الإيحاء بالأفضل، وليس قراءة صيغ وجمل وقواعد يجب عليهم أن يفعلوها لتتغير حياتهم وواقعهم، حينئذ لن يقبلوا ما تكتب لهم، الأمر أشبه بعملية شفاء الجروح المتقيحة، غالبًا ما تفعل الكتابة هذا في حياة البشر، ولكن تحتاج للزمن.

عبر التاريخ البشري بأكملهِ لم تستطع مليارات الكلمات أن تفعل عمل “آلة الرافعة” الصغيرة التي ترفعُ أنقاض المنازل المدمرة في الحروب، ولم تستطع أن تكون حكمًا بالسجن لمن يقوم باغتصاب النساء والقتل والتدمير، لكنها الكلمة “إيحاء غامض” بالجمال الممكن إحداثه في الحياة فيما لو قبلنا تغيير الطرق التي نفكرُ بها، وهذا الإيحاء لا جدوى لهُ إلا بفعل التراكم، الكتابة عملية تراكمية، فما نكتبهُ اليوم، يسهم في التغيير الذي يحدث في الغد البعيد، وإن لم تفعل ذلك، فإنها إذا منحت لنا فرصة للحلم تكون قد أحدثت الأثر المطلوب منها.

مقالات ذات صلة

إغلاق