سورية الآن

سٍحرُ الطُّغاة الذي لا يُقاوم

لا نعرف حتى الآن هذا السّر الذي يُحيّر العقولَ والالباب: «لماذا تنتشي النُّخب الأوروبية (وسواها) بالطغاة، والأفكار الشمولية، وأصحابها من صناع الحروب والمجازر والسجون والقمع؟ سواء كانوا علمانيين أو دينيين، أو مذهبيين، أو حتى عنصريين؟

هذا السؤال الواضح لم يكن مشروعًا في القرن العشرين (عند بعضهم) وربما حتى اليوم. منهم من أرجع السبب إلى «عماء» هؤلاء المصعوقين بالفكر الأحادي، وبهالة «الثورة» وطنينها وبعضهم الآخر فسّر ذلك بأنه من ظهور «الأبطال» و«الخوارق» والمنقذين، في تاريخ هذه القارة، لا سيما الذين استثمروا الثورات، للغزو الاستعماري، كنابليون بونابرت (رمز فرنسا) أو وصولًا إلى روبسبير (رمز الثورة الفرنسية) الذي يعاد إليه الاعتبار حاليًا، وهو الذي اعدم بالمقصلة نحو 8000 شخص في أسبوعين أثناء ثورة «الأخوة، المساواة، العدالة»! أهو تعويض عن فترة ما بعد الاستعمار؟ أهي «مخيلة» «التقديس» والتأليه التي حلت محل «الإيمان» عند بعض اليساريين والملحدين والعلمانيين والعبثيين الملعونين؟

من روبسبير ودانتون وبونابرت، إلى «الثورة البولشفية» (الابنة الشرعية للثورة الفرنسية) والتي يرى كثيرون اليوم انها كانت مجرد «انقلاب» نفذته أقلية من البلاشفة على رأسها لينين وتروتسكي، وصولًا إلى ابنهما البار، وتلميذهما النجيب ستالين. رأسا الانقلاب الثوري لينين وتروتسكي أسّسا «الغولاق» (نتذكر كتاب سولجنتسين)، وكذلك «الجيش الأحمر»، وهما تحديدًا اللذان حولا الثورة الشعبية حربًا أهلية، للقضاء على «المناشفة» والحزب الثوري الاشتراكي (كيرنسكي) لتكلف هذه الحرب الأهلية نحو عشرة ملايين قتيل.

لينين بقي عند كبار المفكرين «التنويريين» والشعراء والكتاب «العقل الثوري- السياسي» (نتذكر «انجيله» «ما العمل»؟) للماركسية «العلمية» و«دكتاتورية البروليتاريا» وبناء الدولة التوتاليتارية. أما تروتسكي فكان بالنسبة إلى هؤلاء النخب ملاك «الثورة المستمرة» ورمز النقاء «النضالي» وحامل «كنز» زوال الطبقات والدولة… وأكسير الجنة الطوباوية. ومن «رمزية» هذين اللذين انتقلت القضية بالنسبة إليهما من تغيير النظام الإمبراطوري، إلى الهاجس بالسلطة، فإلى الحزب الواحد، فإلى القائد الواحد، يأتي ستالين الأفظع، والأرهب، ليعزز الإرث التوتاليتاري، و«عبادة الشخص» و«الأخ الأكبر» (نتذكر رواية جورج «أورويل 1984»). وماذا لو أحصينا القصائد والدراسات والتهاليل ودخان المباخر وعبارات التمجيد التي أغدقها شعراء وكتاب وفلاسفة «طليعيون» و«تجريبيون» اجترحوا نظريات لغوية ومجتمعية وانسانوية: فها هو اراغون وايلويار ومايكو فسكي ينظمون قصائد المديح لستالين الذي تسبب بمقتل نحو 50 مليون روسي، عدا الأحزاب الشيوعية العالمية والعربية التي جعلت منه المنارة الوحيدة «لحركة التاريخ» و«الماركسية العلمية» وتصدير «الانقلاب الثوري» إلى العالم؟ ونتذكر ان جان بول سارتر الفيلسوف الوجودي والمبشر بالحريات وداعية الأنماط السلوكية الجديدة صرّح في لحظة تجلّ: «من ليس شيوعيًا فهو كلب». هؤلاء تحديدًا أهل الشعر والحب والحرية والفلسفة شكلوا «عصبة» تدين كل من ينتقد ستالين أو لينين أو انجلز أو ماركس.. ومن رَحِم هؤلاء الثوار (البولشفيين و(السوڤيات الحمر) طلع أحد أكبر سفاحي القرن العشرين، ماو تسي تونغ. لكن بعض هؤلاء الذين «تركوا» الحزب الشيوعي وستالين، وجدوا في ماو تسي تونغ ضالتهم الثورية الجديدة، وصولًا إلى النخب المرموقة برؤياها وابداعاتها وعمق وعيها السياسي والفكري كأن كل هذه الثقافات والطموحات المعرفية والتغييرية، قادتهم مباشرة إلى «ماو» (غريم ستالين وتلميذ لينين بامتياز). إنها مرحلة الخمسينات والستينات التي شهدت كل هذه الاختلالات والفوضى السياسية والهذيانات «المعرفية» والتوتاليتارية، جسدها هؤلاء المثقفون بطريقة تدعو إلى الدهشة والإعجاب والتعجب باختياراتهم «الثورية»: جعلوا من ماو تسي تونغ «أسطورة» (تقابلها طبعًا اسطورة ستالين)، وثورته الثقافية (تسببت بموت نحو 15 مليون شخص في الحرب الأهلية التي هندسها «ماو» والتي كانت وسيلة لتصفية كل ما هو ثقافي وعلمي وأدبي وفكري فتمّ اعدام ألوف الأساتذة والباحثين والعلماء والفنانين والصحافيين والكتاب… على أيدي «رعاعه» ومخبريه وأجهزته العسكرية… وميليشياته.

– السحر:

سحرت «الثورة الثقافية» (أو المجزرة المليونية) ألباب المثقفين في العالم وخصوصًا أوروبا وصولًا إلى بعض الطلاب والشباب العربي حتى أدركها العقيد معمر القذافي الذي استلهم «الكتاب الأحمر» فجعله ثورة عالمية وداخلية باللون الأخضر. أنها «ماوية عربية – إسلامية»… رائعة!

لكن، وفي هذه المعمعة الفكرية الدموية المجنونة، وفي هذا الخراب الأيديولوجي طلع صوت خاص جدًا، وهامشي جدًا في الستينات لباحث بلجيكي مختص بترجمة القصائد والملاحم الصينية القديمة اسمه سيمون «ليز» بعنوان «ثياب الرئيس ماو الجديدة» في باريس كشاهد ومحلل واع، وبدقة، كيف انه وبينما كان «العملاق الآسيوي» يرتكب هذه المجازر الجماعية الوحشية، ويغذي «الحرب الأهلية» ويدمر حتى التماثيل والأعمال الفنية ويحرق الكتب… كان هناك في فرنسا مثقفون «نخبويون» (من اليسار طبعًا)، أمثال سارتر وسيمون دو بوڤوار، ورولان بارت وميشال فوكو، وآلان بيرفيت، وجماعة مجلة «تل كل» (الراديكالية) التي كان يديرها الكاتب «التقدمي» فيليب سولرز يقدمون ثورة ماو الثقافية، باعتبارها إنجازًا ثوريًا كبيرًا لا سابق له، حركة تطهير ستضع «حتمًا» حدًا للستالينية التي «تبرجزت» (وللرجعية طبعًا) والدوغماتية لإرساء مجتمع شيوعي، حر، بلا طبقات ولا دولة». هذا الرجل الهامشي بكتابه فضح هؤلاء الماويين من أصل ستاليني، وحده سار عكس التيار وتجرأ وكشف في كتابه أساليب الخداع والكذب والتواطؤ التي مارستها هذه النخب التي كانت مسيطرة على الحياة الثقافية والأدبية والفكرية الفرنسية والصحافية آنئذ. هذا الكاتب «المغامر» الواعي في غابات العَماء والغيبوية فضح حقيقة ما كان يحدث وراء هذا الستار الحديدي، وحاول تدمير الهالة الأسطورية التي بناها هؤلاء «النخب» حول ماو تسي تونغ. كأنما نطق «الكفر» في بلاد المؤمنين أو «الخيانة» في بلاد المتفانين: حاصرت تلك العُصب هذا الكاتبَ ومارسوا عليه «ارهابًا» فكريًا (على طريقة ماو وستالين) واتهموه بالعمالة للولايات المتحدة وللإمبريالية الأميركية، حتى وصل الأمر بالمجلات والصحف إلى أن تقاطعه وتحاصره وترفض نشر رسائله وتوضيحاته ومقالاته (هذا ما فعلوه بروجيه غارودي بعد كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل» لكن هذا «الشهيد» الحي الذي حوصر وَخنق كتابُه في مهده، تجاوز هؤلاء ليفضح بعض الشخصيات الفرنسية من سياسية وأدبية (يمينية) كالرئيس السابق جيسكار دستان وجان أمرسون وبعض التقدميين كالمخرج جان لوك غودار والفيلسوف آلان باديو (ما زال حتى اليوم مؤمنًا بماو!) والذين اعتبروا أن «ماو تسي تونغ هو عبقري القرن العشرين» لكن هذا «الغرام الديكارتي» بالطغاة استمر حتى بعد رحيل ستالين وماو : فعندما تفجرت الثورة الإيرانية بقيادة الخميني وبعد أن صفّى وذبح كل حلفائه الذين مهدوا له طريق الثورة وآزروه متهمًا إياهم بالكفر والخيانة، وحتى بعدما أهدر دم الكاتب الهندي سلمان رشدي بعد إصداره كتاب «الآيات الشيطانية» ها هي رؤوس «الماضي» تطل وتؤيد ثورته الشعبية (الدينية) من التوتاليتارية العلمانية إلى التوتاليتارية الدينية (الطائفية) وفي طليعة هؤلاء ميشال فوكو والن باديو… وأدونيس ….

– اليوم:

أما اليوم، وبعدما خلت الساحة الفكرية من الأفكار والأيديولوجيات وبدأ عهد جديد من عولمة الفراغ وسيادة العنصرية وبعد زمن الديموقراطية والأحزاب والدول المتماسكة في أوروبا ما زال الهاجس ذاته: الإعجاب بالقتلة والطغاة والدكتاتوريات: من ماو إلى ستالين إلى بول بوت (الخمير الحمر) والخميني ها هم «كبار» الوجوه السياسية في أوروبا، في متقلباتهم الجديدة، يختارون الدكتاتوريين: أربعة مرشحين للرئاسة الفرنسية: فيون، ماكرون، ميلانشون (يسار متطرف) ومارين لوبان، يؤيدون بأشكال متفاوتة بوتين إذا كانت سحرتهم في الماضي الثورات الشيوعية برموزها، فماذا سحرهم ببوتين الذي يدمر الإرث «الثوري» السوڤياتي والماوي واللينيني ويبعث الأرثوذكسية كمقام ديني . وتسأل ماذا يجمعهم ببوتين وصولًا إلى ترامب؟ وبوتين الروسي يعني الترامب الأميركي: العنصرية الأرثوذكسية «البيضاء» إزاء العنصرية الإنجيلية البيضاء. ربما البياض هو اللون الذي يجمع هؤلاء: من بياض لوبان وفيون (يبعث الكاثوليكية النائمة في فرنسا) إلى «بياض ميلانشون الأحمر.. ربما يختلف عنهم ماكرون لكنه يرى أن العملية السياسية تفترض وجود الأسد في المفاوضات. وإذا كان لنا أن نقارن بين الفوضى الفكرية التي دبت في عقول الأيديولوجيين في الخمسينات والستينات وبين الفوضى الفراغية، الثقافية. الفكرية التي تعصف بعقول مثقفي أوروبا اليوم، فقد نجد المواصفات المتقاربة: العماء السياسي والإنساني والوطني والشعبوية الممنهجة عند هؤلاء وفي وسائل الإعلام والصحف. ويكفي أن نراجع مواقف هؤلاء من مرشحين وأهل «وعي» وحضارة وعدالة مما جرى في حلب، لتكتشف إلى أي مدى يبدو جنون التواطؤ مشتعلًا حتى الآن: فكل ما ارتكبته إيران وترتكبه في سوريا واليمن والعراق (مع ذيلها المسلح حزب الله)، مرّ مرور الكرام: فبوصلة هؤلاء موجهة هذه المرة إلى «الإرهاب». وداعش تحديدًا (وإلى السعودية) في الوقت الذي يمارس هذا التنظيم الصهيوني – الإيراني، عدوانه على كل بلد عربي (بما فيها المملكة السعودية) لا موقف، وان اسميًا ، أو شكليًا، أو رمزيًا، صدر من هؤلاء حول المجازر التي يرتكبها بشار الأسد في شعبه، من استخدام الكلور إلى البراميل المتفجرة إلى القنابل الكيمياوية (المحظورة) إلى تهجير الملايين وتدمير المدن وتسويتها بالأرض، فالأسد دكتاتور «محبوب» من صفوة هؤلاء النخب السياسية والفكرية والإعلامية. لماذا؟ ربما لأنه دكتاتور. وللقوة «الفاشية» هيبتها ومكانتها الدينيتين والايمائيتين بحيث تصبح الصورة الدكتاتورية كصور نجوم هوليوود: أو ليس هذا ما حصل مع ترامب عندما وجد بعض هؤلاء النخب الأوروبيين والعرب فيه خشبة خلاص من «العولمة» و«وول ستريت» ومن الحدود المفتوحة (بناء جدار بين الولايات المتحدة والمكسيك) واوروبا كإطار موحد لدولها ومن المسلمين والحلف الأطلسي… ولإسرائيل ونتنياهو ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، ومكافحة الإرهاب والأصولية: فكيف يمكن محاربة الإرهاب بتقديس إرهابيين آخرين كبشار الأسد ونتنياهو وخامنئي وكيف تفسر مواجهة «داعش» والتحالف في الوقت ذاته مع من فَبركه وعزّزه وتاجر معه بالبترول ومسروقات الآثار في تدمر؟

ونتذكر انه في الخمسينات وما أعقب ذلك، وخصوصًا بعد عدوان 19677 سحر جنرالات اسرائيل نجوم طغيان النصف الثاني من القرن العشرين العالم «الأبيض» كله من أوروبا إلى أميركا حتى اعتمدت نساء عديدة وضع الرقعة على إحدى عيونهن، تقليدًا لموشي دايان وتمجيدًا لذكوريته ووحشيته. ونتذكر كيف احتفل المثقفون في بلاد «الأبيض» وتحقق حلم «شعب الله المختار»!

حتى اليوم، وعلى الرغم من جرائم إسرائيل في ظل حكم نتنياهو، وعمليات الاستيطان وسرقة أراضي الفلسطينيين قلة من مثقفي العالم الحضاري» انتقد هذا السلوك… ذلك أن نتنياهو اليوم هو أيضًا من «نجوم» العالم الجديد ومن منارات الحضارة الجديدة: اسألوا «فيلسوفي» الميديا برنار هنري ليڤي وفنكركلوت…

إذا كانت الدكتاتوريات في عصور التفجر الحضاري والثوري والإنساني قد سحرت الناس والنخب.. فما بالك اليوم، بعد «افول» القيم الكبرى وحتى محطات الحضارات السائدة ونهاية التاريخ والجغرافيا وسيادة الشعبوية.. وتراجع الديموقراطية!

نسترجع كلمة دوستويفسكي معدلة «إذا كان الله غير موجود فكل شيء مباح».. فنقول «إذا كان العقل غير موجود فكل شيء مباح».. حتى آخر نقطة من هذا الانحطاط الكوني!

(*) كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

إغلاق