أدب وفنون

خمس دقائق وحسب: تسع سنوات رهينة في معتقلات النظام!

“تقدم عنصر مني، وكأنه عسكري في الخدمة؛ ليفحص هويتي، فلما نظر إلى اسمي فيها، ثم إلى وجهي، اغرورقت عيناه بالدموع، وقال بتأثر وهو يبكي: أنت بنت بلدي.. والله يعين… ثم ذهب وأعطى الهوية لرئيس الدورية. صوت رئيس الدورية كان يغطي على صوتي المرتجف وهو يتحدث باللاسلكي مع شخص آخر سمعته، يقول له: أحضروها. فقال لي: هيا ارتدي ملابسك.. ستذهبين معنا خمس دقائق وحسب”.

لكن خمس دقائق قد تنزع إنسانًا من الحياة تسع سنوات في سورية الأسد، كما حصل مع هبة دباغ مؤلفة الكتاب خمس دقائق وحسب.. تسع سنوات في سجون سورية، حيث توثق الكاتبة تلك التجربة المريرة من حياتها، وحياة أسرتها.

قد تشبه حكاية المؤلفة حكايات كثير من السوريين -بالطبع- الذين عاشوا تجارب مشابهة من اعتقال يبدأ -غالبًا- بالدعوة إلى شرب فنجان قهوة بضيافة فرع أمني، أو إدارة استخبارات، ولا ينتهي إلا إلى ما شاء الله!

اعتقلت الكاتبة لا لذنب اقترفته سوى أن أخاها “صفوان” كان عضوًا في جماعة “الإخوان المسلمين”، فقرر النظام أخذها رهينة؛ حتى يسلم أخوها نفسه، وكان قد هرب من سورية، وفي أثناء اعتقالها وقعت مجزرة حماة الشهيرة، إذ قتل النظام معظم أفراد أسرة هبة، باستثنائها وأخيها الهارب خارج البلاد، فبقيا الناجيَين الوحيدَيْن.

نحو عقد من زهوة الشباب قضتها مؤلفة “خمس دقائق وحسب. تسع سنوات في سجون سورية” بين جدران زنزانة صماء، وسجان قلبه مثل قلب تلك الجدُر، ابتداءً بمسلخ فرع المنطقة في المزة بدمشق، للتحقيق معها، لتُحول بعدها إلى سجن أمن الدولة في كفرسوسة، ثم نُقلت إلى سجن قطنا، قبل أن تُحول الى سجن التحقيق العسكري، وهذه النقلة الأخيرة كانت جزءًا من خدعة شارك فيها كل من خالتها وابن خالتها اللذين أخبراها خلال زيارتهما لها هناك بصدور قرار الإفراج عنها، وطلبا منها السفر إلى تركيا مباشرة، كي تتواصل مع أخيها، ويأتي لاستلامها من هناك، إذ كان الهدف الإمساك به واصطياده حتى خارج البلاد، ولكنها كانت فطنة، ورفضت هذا العرض.

عادت هبة من جديد إلى سجن قطنا، لتنقل بعد ذلك إلى سجن دوما، وتقضي هناك أربع سنوات من عمرها.

سطور الكتاب المكتوبة بالدموع والدماء، لا تكتفي بتوثيق يوميات السجينة الرهينة، بل تتطرق لكل المعتقلات اللاتي زُج بهن في هذا المسلخ البشري، حيث تروي الطباع قصص بعضهن أيضًا، ولا تقل غالبًا عن قصتها مأسوية ورعبًا.

إحدى السجينات أصيبت بفقدان الذاكرة بعد أن جرى اغتصابها من عناصر أحد الأفرع الأمنية، حتى تجبر على الاعتراف بشيء لم تفعله ولا تعرف عنه شيئًا(!!) فقد اعتقل النظام طفلًا من أقاربها، وفي أثناء التعذيب سألوه من يدرسك، فأشار إلى أن تلك المسكينة هي من تدرسه، وبالفعل كانت تدرسه مادة الرياضيات!

معتقلة أخرى اتهموها أنها تمول الإرهاب، وبفعل الكرابيج اعترفت على مكان نقود تخبئها، لتصبح على قلتها -بالمقارنة مع التهمة- جزءًا من رواية هزلية “تحويشة” عمرها كله.

 

في كتب كهذه تكون أصوات الكرابيج والسياط كصرير الأقلام التي تغرف مدادها من الدم، كي تكتب أسماء القتلة والمجرمين، فتذكر الدباغ -بين سطور كتابها- العديد من جنرالات النظام الذين كانوا في الثمانينات، يتولون بأنفسهم سلخ جلود المعتقلين لنزع اعترافاتهم، وهي بطبيعة الحال وثائق حية، يجب تقديمها للمحاكم الدولية، حتى إن فارق الجناة الحياة، لأن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.

مثلًا رئيس فرع أمن الدولة في حلب، كان يعذب إحدى المعتقلات الحوامل وكان يضربها على بطنها، “وينادي كالممسوس على الجنين ويقول له انزل. واشهد اللهم أني بعثيّ”!

 

أن يكون السجان قاسيًا ولا إنسانيًا هذا شيء بديهي في سورية الأسد، ولكن هذا الإجرام وصل للأطباء الذين يجب أن تكون مهمتهم لملمة الجراح وتطبيبها، حيث تروي المؤلفة أنه، وفي إحدى المرات التي كانت تعاني فيها ألمًا شديدًا بالمعدة، طلبت الطبيب الذي جاء واعطاها إبرًا للعقم بدل الإبر المسكنة!

 

هذه شهادة أدلى بها الناجون من الموت تحت التعذيب، إلا أن هناك ناجين آخرين، لكنهم فقدوا عقولهم، وفقدوا القدرة على التفاعل الصحيح مع المجتمع، وغيرهم لم يجدوا سوى التطرف ردة فعل على ما لاقوه من تفنن بالتعذيب والإهانة.

في كل الأحول اعتمد النظام منذ بداياته على التعذيب بوصفه سياسة ممنهجة، كي يبني من خلال المعذَّبين جدار الخوف الذي استمر عائقًا أمام الخلاص حتى آذار عام 2011، اليوم الذي استشعر فيه الجلادون بدء سقوطهم، فانتفضوا بكل ما يختزنونه من الوحشية؛ لمواجهة انتفاضة الحرية.

مقالات ذات صلة

إغلاق