سورية الآن

حتمية فشل السياسة الروسية لحل الأزمة السورية منفردة

من الأمور التي يجمع عليها المحللون للوضع في سورية، هو عجز روسيا عن القضاء على الثورة السورية عسكريًا بعد قصفها لهم لأكثر من سنة ونصف السنة بقوتها العسكرية كاملة، بما فيها صواريخها الباليستية العابرة للحدود والمجنّحة والتي تقطع 1500 كيلومتر من البحر الأسود وتمر عبر إيران والعراق، وكذلك استخدامها القنابل المحرمة دوليًا؛ بل وقصفها أهدافًا مدنية من الأسواق والمساجد والمدارس والمستشفيات، وقتل آلاف المدنيين؛ بقصد الضغط عليهم لترك تأييد الثورة ومساندتها.

والدليل الواضح على فشل روسيا عسكريًا، هو أن المعارضة السورية المسلحة في الداخل أرغمت موسكو على التفاوض معها في أستانة، بعد أن كانت موسكو وطهران وقوات بشار تنظر إليها على أنها منظمات إرهابية وترفض التفاوض معها قبل أشهر.

فهذا التراجع في السياسة الروسية ليس مراوغة ولا خداعًا روسيًا كما يقول البعض، وإنما تأكيد على أن روسيا فقدت الأمل في مسارين، كانت تظن أنهما صادقان معها، أولهما: فقدانها الأمل أن يأتي الحل السياسي عبر جنيف، وبالأخص أن أمريكا كانت تهيمن على مساره وقراراته.

وثانيهما: فقدانها أمل أن يأتي الحل العسكري من إيران ومليشياتها ولو بعد عشرات السنين، فقد أدركت روسيا أن قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، قد غدر بها، عندما جاء بها بدعوى أن القصف الجوي لثلاثة أشهر سوف يقضي على الثورة السورية. ولكن موسكو تجد نفسها الآن بعد سنة ونصف السنة متورطة في الأزمة السورية وطرفًا فيها، ولذا فإن روسيا تبحث عن الحل حتى لا تجد نفسها في مستنقع أفغاني آخر، وهذا ما حوَّل بوصلتها نحو تركيا والتخلي عن كل المشاكل معها.

وبعد أن توصلت موسكو إلى اتفاق الهدنة مع المعارضة السورية بأنقرة في 29 ديسمبر/كانون الأول 20166، سارعت لاستغلال هذا الاتفاق بالدعوة إلى مؤتمر أستانة خلال مدة سريعة وقبل وصول ترامب للسلطة، والذي انعقد بتاريخ 23 الشهر الجاري؛ لعلمها أن إدارة ترامب سوف يكون لها وجهة نظر أخرى في سورية، وقد تكون أسوأ من إدارة أوباما في تعاملها معها. ولذلك، بذلت روسيا كل قدراتها لمنع إيران ومليشياتها من تخريب الهدنة؛ لأنها لم تكن تحتمل تخريبها ولا فشل مؤتمر أستانة أيضًا..

وعلى الرغم من اضطرار روسيا إلى ضم إيران كدولة ضامنة لاتفاق الهدنة ووضع آليات لوقف إطلاق النار ومراقبته والمحاسبة عليه؛ بهدف أن تكون إيران ملتزمة بالمشروع الروسي للحل وليست عقبة فيه، فروسيا تخشى أن تكون إيران ضد الحل الروسي، أو أن تُستخدم من قِبل أمريكا لعرقلة الاتفاق، وتريد وضعها تحت جناحها في الحل السياسي..

فأمريكا وألمانيا وبريطانيا رفضت إقامة قاعدة عسكرية لروسيا في إيران قبل أشهر، وخرجت الأصوات الإيرانية التي عبرت عن رفضها هذه القواعد العسكرية الروسية في إيران، ولا بد أن روسيا تخشى تكرار ذلك من أمريكا وأوروبا لمعارضة مشروعها للحل السياسي في سورية، فروسيا تريد أن تضمن إيران إلى جانبها حتى تحقق أهدافها، بعد تدخلها العسكري في سورية بخدعة قاسم سليماني، ثم بعد ذلك لن تمانع من إعدام قاسم سليماني وسط موسكو؛ فهو السبب الأول لكل خسارة روسية في سورية، بما فيها سقوط الطائرة الروسية المحمّلة بفرقة موسيقية في رأس السَّنة، التي راح ضحيتها أكثر من تسعين عسكريًا روسيًا، فضلًا عن الجنود والضباط الروس الذين قُتلوا في ساحات المعارك بسورية.

لم تتمكن موسكو في مؤتمر أستانة من إنجاز شيء سوى الوعد بتشكيل آليات مراقبة لوقف إطلاق النار، قد لا يكون له وجود في المستقبل؛ لأن الأمر مرهون بالتزام طهران بالمشروع الروسي الذي يحد من أطماعها في سورية. ومن ثم، فلن تستطيع روسيا تحقيق نجاح لها في سورية إلا بوضع حد لأطماع إيران، وإخراج قواتها مع مليشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية الموالية لها من سورية أيضًا، فلن يتمكن أي حل سياسي من النجاح مع وجود قوات ومليشيات أجنبية في سورية. ومن حكمة المعارضة السورية، رفضها بحث مقاتلة أي تنظيم إرهابي أو السعي لإخراجه من سورية حتى يتم وضع خارطة طريق للتعامل مع المنظمات الإرهابية كافة في سورية، بما فيها مليشيات حزب الله اللبناني والعراقي والأفغاني وغيرها..

وهذه عقبة كبرى في وجه روسيا، فقد لا تستطيع إلزام إيران بذلك إلا بالقوة العسكرية، أو بإقامة كيان سوري طائفي شيعي في دولة تسمى “سورية المفيدة”، حتى بعد رحيل بشار الأسد؛ لأن إيران تريد ثمن خسائرها لخمس سنوات متوالية أولًا، ولا تستطيع أن تخرج من سورية خاسرة وإلا إذا سقط نظام الملالي في طهران فورًا.

هذه المعيقات أمام الحل الروسي، وبالأخص من إيران، سوف تجعل روسيا تتخبط في خطواتها السياسية أكثر من تخبطها في أعمالها العسكرية السابقة، ومن تخبط السياسة الروسية تسليمها للمعارضة السورية التي حضرت أستانة، وبطريقة سرية، مسودة دستور لمستقبل سورية، أعلنه أحد مستشاري وزير الخارجية الروسي لافروف، ولم تنفِ الخارجية الروسية هذا الدستور، ولكنها دافعت عنه بأنه للتباحث فيه من قِبل الأطراف السورية التي سوف تقرر هي مصيره..

والخطأ الروسي، أن حدثًا بهذا القدر من الأهمية كان ينبغي أن يعقد له مؤتمر خاص، فلا يتم تسريب أخباره بهذه الطريقة المسيئة إلى روسيا والسوريين أيضًا، فكيف يقبل الشعب السوري أن يُصنع دستوره بأيدٍ خارجية، فتمرير الدستور بهذه الطريقة خطوة روسية خاطئة، حتى لو كان مجرد مسودة دستور أولًا، وحتى لو كانت روسيا تتوقع أن السوريين سيجدون فيه أخف الشرّين؛ لأن الدستور الآخر الذي تطمح إيه إيران سيكون دستورًا طائفيًا يلحق سورية بولاية الفقيه الإيراني خامنئي، وروسيا تعمل لإحباط خروج مثل هذا الدستور الطائفي، الذي تنفي إيران أنها تعمل لإقرار في سورية، ولكنه دستور مطبق من حيث الواقع.

والخطأ الثاني في المشروع السياسي الروسي، دعوة الخارجية الروسية لشخصيات المعارضة السورية بعد ثلاثة أيام من انتهاء مؤتمر أستانة للحضور إلى موسكو؛ للتباحث معها في الشأن السوري، فلبت معارضة الداخل “هيئة التنسيق” التي تشرف عليها حكومة الأسد الدعوة، ولبت معها المعارضة السورية التي تشرف عليها الحكومة المصرية الدعوة أيضًا، في حين رفض رئيس الهيئة العليا للتفاوض، رياض حجاب، الذهاب لموسكو؛ لأن الدعوة وُجِّهت له شخصيًا ولم توجه للهيئة العليا للمفاوضات..

وكذلك، لم يذهب أحد يمثل الائتلاف الوطني للمعارضة والثورة السورية، وهذا يعني أن السياسة الروسية تتخبط في البحث عن مخرج، وكأن مؤتمر أستانة لم يكن مقنعًا ولا مطمئنًا لها، وما هو إلا محاولة لإيجاد مخرج فقط، وقد سبق أن قال بوتين عنه قبل انعقاده إن الوضع في سورية يواجه صعابًا كبيرة لا يُتوقع من مفاوضات أستانة حلها. وقد كانت مواقف المعارضة السورية المسلحة، برئاسة علوش، في أستانة، جادة وحازمة بأنها لا تبحث عن الحلول الوسط، ولم تذهب إلى أستانة عن ضعف، وأن إقرارها بأن الحل في سورية سياسي وليس عسكريًا لا يعني التخلي عن الحل العسكري، فلن تلقي سلاحها على أوهام حل سياسي تتولاه موسكو.

وأخيرًا وليس آخرًا، جاء خطأ إعلان موسكو تأجيل مؤتمر جنيف، الذي كان مقررًا في الثامن من فبراير/ شباط المقبل، إلى موعد آخر في أواخر الشهر نفسه، منفردًا ودون مشاورة مع أطراف مؤتمر جنيف، ما دعا مكتب المبعوث الأممي إلى سورية استافان دي مستورا للتعليق بأنه “لا تأجيل لموعد مفاوضات جنيف حتى الآن”، فهذا موقف غريب من لافروف وزير الخارجية الروسي.

فقد جاء إعلان التأجيل خلال اجتماع لافروف يوم الجمعة 277 يناير/ كانون الثاني الجاري في موسكو مع مندوبين يمثلون منصات المعارضة بموسكو والقاهرة ومعارضين آخرين، في حين أعلن حضور مؤتمر جنيف في موعده المقرر سابقًا الثلاثاء 24 يناير/ كانون الثاني، فكيف تغير الموقف الروسي خلال أيام، من موعد إلى آخر، ومن معارضة سورية إلى أخرى؛ بل وزيادة على ذلك دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي “الكردي” إلى موسكو، وروسيا تعلم الموقف التركي من ذلك، وهي تأمل -أي موسكو- مساعدة تركيا لها في الهدنة ومباحثات الحل السياسي بسورية في الأشهر المقبلة؟!

لا شك في أن السياسة الروسية مضطربة نحو سورية، وتراوغ وتبحث عن مخرج لأزمتها في سورية، وكأنها لا تثق بأحد، وتحاول أن تحل الصراع في سورية وحدها، وهذا خطأها الأكبر، وهو الخطأ الأكبر؛ لأنها تتجاهل وجود شعب سوري، ولا تتفهم وجود ثورة شعب يريد التغيير الحقيقي مهما طالت ثورته ومعاناته، فهو صاحب الحق والأرض والثورة والتغيير والدستور والمستقبل.

(*) كاتب تركي

مقالات ذات صلة

إغلاق