ترجمات

الغارديان: “جورج أورويل يستكشف دونالد ترامب”

منذ أن تحدثت كيليان كونواي عن “الوقائع البديلة”، حققت رواية 1984 الرقم الأول في مبيعات الأمازون للكتب. لذلك، هل عاد عصر اللغة المخادعة؟

“في مزرعة الحيوانات لـ أورويل، سكويلر، الخنزير المخادع يمكن أن” يحوّل اللون الأسود إلى الأبيض”: تصوير موندادوري/ صور جيتي.

جين سيتون: البذور زُرعت في عهد جورج دبليو بوش

إنَّ قراءة رواية جورج أورويل 1984 مرةً أخرى الآن، تضرّ. ولست الشخص الوحيد الذي سيعيد النظر في ذلك؛ فقد ارتفعت مبيعات الكتاب في الأسبوع الماضي، وما كان يُعتقد في السابق أنك تقرأ، وعلى مسافةٍ فكرية باردة (كتاب كبير حول “هناك”، في مكانٍ ما في الماضي أو المستقبل) يشعرك الآن بصدمةٍ حميمية ومرّة. أورويل يكتب عن الحاضر عندما يكتب، “في كل عام يقلُّ الكلام أكثر، ومدى الوعي دائمًا يصغر أكثر.”

 

بالطبع، علينا جميعًا أن نحافظ على رؤسائنا (وخصوصا علينا أن نحافظ على رؤسائنا). كانت الأكاذيب حول حجم الحشود في حفلِ تنصيب دونالد ترامب، التي قدمها المتحدث باسم البيت الأبيض، التّعس شون سبايسر، في أولّ مؤتمرٍ له، غير مزلزلة، ولكنَّ أيّ كذبةٍ من هذا المنبر مقلقةٌ للغاية، وأيّ أملٍ كان مرجوًّا من ترامب، أو فريقه من اليمينيين “العاديين” قد تبدد.

تتشارك حقبة ما بعد الحقيقة -بالتأكيد- مع جوانب العالم البائس لأوريل في 1984، فتعليق مايكل غوف المشين، أنَّ بريطانيا لديها ما يكفي من الخبراء يبعد خطوةً واحدة فقطْ عن        2 + 2 = 5، ويذكّرنا بمشهد الاستجواب في 1984، حيث تكمن اللحظةُ الأكثر ترويعًا: قبل الآن قرأناها بعدّها لائحة اتهامٍ سخيفة لرفض الواقع (بالتأكيد، فإننا نستنتج، يجب أن يعرف الحزب نفسه أن 2 + 2 = 4، حيث العلم، وجميع الآلات تعتمد على ذلك).

في 1984، النخبةُ، مجسدةً بـ أوبراين، تتبنى وتتحكم في هذه الرغبة: أن تؤمن بشيءٍ واحدٍ ليومٍ واحد، وتؤمن بشيءٍ آخر. الآن، على ما يبدو، الحزب نفسه قد يصدّق الكذب، كما يكتب أورويل: “العلم، بالمعنى القديم، قد توقف تقريبًا عن الوجود، حيث لا يوجد في اللغة المخادعة مكان لكلمة للعلم”. ثم إنَّ ثمّة خصوصية لأورويل –إذ يضع المذكرات والشخصي في قلب كتاباته، ففي 1984، كان أول عمل عدواني لـ ونستون هو المحافظة على المذكرات؛ لأنَّ أورويل يعرف أنَّ الأنظمة الاستبداديّة تريد قلب الشعب وروحه.

تنبأت شاشاته التفاعلية بوسائل التواصل الاجتماعية، وعلينا، ربّما عن غيرِ قصدٍ، أنْ نتجوّلَ في عالمٍ حيث لم يسبق أن تأرجحت المشاعر فيه بمثل هذه السهولة: يستدعيهم ويجمعهم ترامب شخصيًّا ومباشرةً، في الرواية، يُصعَق ونستون فجأةً بسبب وفاة والدته، “كانت الوفاةُ مأسويّةً ومحزنة بطريقةٍ لم تعد ممكنةً منذ زمن. لقد ضحت بنفسها نتيجة لمفهوم الولاء الذي كان خاصًّا وغير قابلٍ للتغيير”. لم يعد من الممكن أن تحدث لأنه “كان هناك خوف وكراهية وألمٌ، ولكن من دون نُبلِ العاطفة، من دون أحزانٍ عميقة أو معقدة”. لكنَّ هذا العالم الجديد كان لحظةً مقبلة؛ فـ”الوقائع البديلة” عند مستشار ترامب، كيليان كونواي، والتي كان قد تنبّأ بها مستشار جورج بوش الذي قال في عام 2002: إنَّ الإمبراطوريةَ الأميركيةَ الجديدة كانت “تخلق عالمها[الخاص]”.

كما في الثلاثينات من القرن العشرين، كانت الحرب في أثناء تأكّل الثقة من السياسيين. الأكاذيب حول العراق، ومستنقع أفغانستان التي تبعها الانهيار المالي في عام 2008، ومكافآت المصرفيين -جعلت الناس أكثر استعدادًا للكفر بوسائل إعلام العاصمة بعد انجرارها إلى الفجر الزائف الذي وعد به ترامب. ومع أنَّ الأكاذيبَ الكبيرة واضحةٌ، فلطالما كان هناك انزياح طويل مبتعد كثيرًا عن المعتقدات العقلانية التي كنا ننظر إليها بسلبيّة شديدة؛ فعدم الثقة من الحقائق الذي كُرّس عن طريق الإصرار على مذهب الخُلق، ورفض السياسيين لتغير المناخ، وفي عدد من الكنائس الأميركية، ولكنها ليست أميركا وحدها؛ ففي الهند، يقول مسؤولون حكوميون إنَّ الأبقار لا تساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري لأنها تزفر الأكسجين عند تنفسها، وحتى الجامعات قد ساندت هذه الترهات.

ترامب ليس أوبراين، وهو أشبه ما يكون بنسخةٍ رخيصة الثمن من الأخ الأكبر نفسه، فبدلًا من نخبة 1984، الذين يُبقون على هوية الأخ الأكبر لغزًا، في حين أنهم يحتفظون بالسيطرة الكاملة، يكون الأخ الأكبر، بـ علاقته المباشرة عبر التويتر مع أتباعه، مكشوفًا، وكما توقّع أورويل، يمكن أن يكون شعاره “الجهل هو القوة”.

 

تيم كروك: ترامب يأخذ التفكير المزدوج إلى حدّ جديد

كانت الأيام القليلة الأولى لترامب في منصبه مثل انفجار قنبلةٍ عنقودية دعائية، فإنه من الغريب أن يحصل عددٌ من الناس على نسخٍ من 1984، كما أنَّ مقالته المؤثرة: “السياسة واللغة الإنكليزية”، ينبغي أن تبقى على قائمة القراءة الطارئة، وفيها قال أورويل: إنَّ اللغةَ السياسية يمكن أن تكون “مصمّمةً لجعل الأكاذيب تبدو موثوقةً، ويبدو القاتلُ محترمًا، وتعطي مظهر الصلابة للريح الصافية”.

 

“أتصور أن ترامب سيلهو وسيرعبه في الوقت نفسه”. الصورة: يونايتد برس إنترناشيونال/ صور باركر وفت

 

كتبت مارغريت سوليفان، في صحيفة واشنطن بوست: إنَّ إشارة هذا الأسبوع من المتحدث باسم ترامب (كيليان كونواي) إلى “وقائع بديلة” تعني أننا قد “عدنا تمامًا إلى أورويل”. ولكن هل عُدنا؟ بالتأكيد كان أورويل سيقدر كيف أنّ هياج الديماغوجية الشعبوية، وانتصارات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وترامب قد أنتجت قلقَ “ما بعد الحقيقة” في وسائل الإعلام الرئيسة. تشهد مؤسساتُ الصحافة الرئيسة أزمةً، ومن المفترض أن تُقدّم الأخبار العامة، وتفسير الشؤون الجارية، الواقع للجمهور، حيث قال أورويل: إن “الواقعية” تُستخدم لكي تسمّى خيانة، وكتب في تقييمه للحرب الأهلية الإسبانية، الحنين إلى كاتالونيا: إنَّ القنابل محايدةٌ؛ لأنها تقتل الإنسان الذي تُلقى عليه، والإنسان الذي يرميها.

 

لم تطأ أقدام أورويل أميركا، لكنَّه كان ناقدًا متعطشًا لأدبها وسياستها، وكان قد اعترف أنَّ موقفه من الولايات المتحدة الأميركية فيه من عناصر التفكير المزدوج نفسه الذي بالغ فيه في 1984. على الرغم من أنه استاء من إحباط الهيمنة الاقتصادية الأميركية ما بعد الحرب العالمية الثانية تحقيق الحلم الاشتراكي البريطاني، لكنه اختار الوقوف مع الجانب الأميركي ضدّ الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة.

بعد وفاته، اعتمدت وكالة المخابرات المركزية تفكيكه الشفّاف قصّة فساد الثورة والشمولية، سلاحًا دعائيًّا ضدَّ الاتحاد السوفياتي. إن التحويل المبكّر لكلٍّ من مزرعة الحيوانات، و1984 إلى السينما كان بتمويلٍ من وكالة المخابرات المركزية مع تغييرٍ في النهايات. لكنَّ ترامب يأخذ التفكير المزدوج إلى حدّ جديد، ولو كان أورويل على قيد الحياة اليوم، أتصور أنَّ ترامب سيلهو به ويرعبه في الوقت نفسه.

الرسالة الرئيسة في 1984 هي أنَّ الغرضَ من الدعاية أن تضيّق، وتحدَّ من الوعي البشري، وتشوّش الضمير الإنساني، وتتحكم في نطاق التفكير وتضيّقه، حيث يتذكر جميع طلاب الأدب الأورويلي (نسبة إلى أورويل)، سكويلر، (الخنزير الداعية في مزرعة الحيوانات)، كيف يمكن أن “يحوّل اللون الأسود إلى الأبيض”، كما أنَّه خبيرٌ في “العقيدة الجديدة”. وإن بدأ أيّ فضحٍ أورويلي لخطاب ترامب في التعرض له، أتصور أنه سيأتي اليوم عندما يشير الرئيس بحركة يده المميزة شكلًا ويجأر كالثور: “أورويل دجال”.

 

دافيد جون تايلور: من المستحيل أن ترفض أوجه الشبه

من الممكن أن تشعر بذرةٍ من التعاطف مع كيليان كونواي. مخدوعةً بـدليلٍ دامغ أنَّ المزيد من الناس الذين كانوا أكثر حرصًا على التذمر من رئيسها أكثر من دعمه، التجؤوا إلى صيغةِ كلمات يمكن أن تكون مضحكة، وما كانوا في الوقت نفسه أشرارًا على نحوٍ سيّئ، ولكن سيكون من الخطأ أن نحكم عليها بقسوةٍ لدفاعها عن “الوقائع البديلة” لدى شون سبايسر. وهي تعمل في العلاقات العامة، العالم الذي تصبغ النفعية قيمه كلّها.

لا جدوى من التظاهر أن هذا ليس كلّ شيءٍ يذكرنا -بشدّةٍ- بعالم 1984 (مصادفةً، مات أورويل منذ 67 عامًا في اليوم الذي زحف مناهضو الترامبية إلى واشنطن).  ونستون سميث، يجلس في حفرته في وزارة الحقيقة يزوّر أرقام الخلفية لصحيفة التايمز وفقًا لأحدث الإملاءات التحريفية التي تُملى عليه من الأعلى، ويتعامل مع “الوقائع البديلة”، أو بالأحرى مع الأكاذيب المتعمّدة التي تصبح في نهاية المطاف حقائقَ بشكلٍ مجرد، لأنَّ الإصدارات السابقة منها لم تعد أكثر من ألاعيبَ مبعثرة. ينطبق الأمر نفسه على “تعديلاتٍ” دورية (أي تخفيضات) من حصصِ كميّة البضائع المتاحة لمواطني أوقيانوسيا أورويل، هناك، يمكن أن يُقلّل دائمًا من أثر التخفيضات عن طريق تغيير كلمات الإعلان السابق.

حتمًا، يمكن إرجاع كثير من هذا التلاعب إلى مراقبة أورويل للتمويه، والتهرّب من الحرب العالمية الثانية، مثلما هو الأمر مذبحة كاتين (مذبحة نفِّذت في غابة كاتين الروسية عام 1940 في أثناء الحرب العالمية الثانية، تحت إشراف بيريا، مدير الشرطة السرية السوفييتية، ويعتقد أن عدد الذين ماتوا فيها حوالي 20000 بولوني)، عندما قتلت الشرطة السرية السوفياتية الآلاف من البولنديين، والتي يغفلها بعضٌ من كتب التاريخ الروسية تمامًا، والتي تكمن جذورها في تجربته في القتال ضد فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية، ومن هنا، فقد كتب في وقتٍ لاحق، أنَّه قرأ أول تقاريرَ إخبارية عن معاركَ لم تحدث، واستمع الى تقاريرَ عن جنودٍ اتُّهموا بالجبن، وهو يعرف أنهم قاتلوا بشجاعة.

لا شيء من هذا ينبغي أن يحجب حقيقةَ أنَّ هذا المدافع عن الحقيقة الموضوعية كان أيضًا داعيةً (يعمل لصالح الوكالة الشرقية مراسلًا لـ بي بي سي في وقتٍ مبكر من أربعينات القرن العشرين، وحيث اشتكى أورويل مرةً من أنَّ الخطأ في دعاية الحكومة زمن الحرب كان كامنًا في حاجتها إلى أن تعمل بفاعليةٍ أكثر)، وفي الوقت نفسه كان واثقًا أنَّ هناك خطوطًا لن يتجاوزها لا اليمين، ولا اليسار في الديمقراطيات الغربية. صحيفة الديلي تلغراف، على سبيل المثال، تبرز بالقرب من قمة قائمةٍ جمعها أورويل ذات مرة من الصحف التي كانت موثوقةً، ولربما لم يتفق مع الطريقة التي تفسر فيها الأخبار، لكنه يعتقد أنَّ المعلومات التي وردت كانت دقيقةً.

أمّا ما كان يمكن لأورويل أن يظنّ بالرئيس ترامب وحاشيته، فلربما قد يلفت الانتباه إلى حرب الاستنزاف الثابتة التي تخوضها مختلف الأوليغارشيات السياسية والمهنية (أوليغارشية الشركات) على مدى السنوات الخمسين الماضية ضدَّ فكرة أنّه يمكن القول: إنَّ حدثًا معينًا وقع بالتأكيد، فيما إذا كنت توافق عليه أم لا، ولكان قد أشار، أيضًا، إلى أنَّ هذه التعتيمات ليست محضَ نتيجةٍ ثانوية للحرب الشاملة -الذي يمكن أن يشتكي حقًا (أورويل)  من سلاح الجو الملكي البريطاني الذي يزوّر أعداد الطائرات النازية التي أُسقطت في معركة بريطانيا؟- ولكنها جزءٌ لا يتجزأ من الطريقة التي يعمل بها نوعٌ معين من الاستبداد المعاصر، ويواجه فيه المخادع حقيقة الانفتاح على العالم.

وفي الوقت نفسه، يحق لنا أن نتساءل: ما الذي يُفترض أن يفعله الشخص العادي في مشهدٍ يتجاهل فيه زعيمُ ما كان يُسمّى “العالم الحر” تجاهُلًا مُتعمَّدًا إحدى الأدوات الرئيسة للحرية؟ حتى الأخ الأكبر، بعد كلّ شيء، استحضر كميةً معينة من الكيد، والمكر؛ للتظاهر بأنَّ ما قاله كان صحيحًا.

 

اسم المقالة الأصليWelcome to dystopia – George Orwell experts on Donald Trump
الكاتبJean Seaton, Tim Crook and DJ Taylorجين سياتون و تيم كروك و د. ف تايلور
مكان النشر وتاريخهالغارديان، The guardian،25/1/2017
رابط المقالةhttps://www.theguardian.com/commentisfree/2017/jan/25/george-orwell-donald-trump-kellyanne-conway-1984
ترجمةأحمد عيشة
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق