سورية الآن

ما هي خسائر خامنئي من تدخله في سورية؟

ربما آن الأوان بالنسبة لخامنئي والجماعة التي تحيط به أن يتوقفوا قليلا كي يقوموا بجردة حساب لتدخلهم في سورية. نقول ذلك ولا يزال المسلسل مستمرا، ولا أحد يعرف إلى متى؛ ومعه النزيف الكبير.
الحقيقة الموضوعية الراهنة، والتي لا يمكن لأي عاقل أن ينكرها هي أن إيران قد أصبحت رقم 22 في سورية، بعد أن كانت الحاكم بأمره قبل الثورة، ولن يكون من السياسة في شيء الحديث عن تحالف روسي إيراني، فحسابات بوتين تختلف كثيرا عن حسابات خامنئي، وهو (بوتين) ليس معنيا بثارات سقيفة بني ساعدة، والحسين ويزيد، ولا يحلم بإقناع “المهدي” بالخروج (كيف وهو حسب الأدبيات الشيعية سيقضي على كل الطواغيت، وبوتين واحد منهم بكل تأكيد!!).

هذه هي الخسارة الأولى الظاهرة إلى الآن، والتي يمكن أن نضيف إليها ذلك التحالف الواضح بين بوتين ونتنياهو، والذي يهيل التراب على دعاية المقاومة والممانعة. وعموما يمكن القول إن التناقض الروسي الإيراني لا يزال في أوله، وإن ظهر من خلال التفاهمات الروسية التركية، واجتماع “أستانة”، لكن هذه الخسارة ليست كل شيء.

قبل ذلك، هناك نزيف بالغ السوء بدأ ولم يتوقف. نزيف مالي بشع أرهق الإنسان الإيراني، ودفع خامنئي لبيع “حلمه” النووي لأجل رفع العقوبات، فيما تنتظره الآن مفاجأة أكبر مع ترامب الذي سيتلاعب بالاتفاق من أجل الابتزاز، وهو يدرك عجز خامنئي عن تنفيذ تهديداته بالعودة للتخصيب.

لا تسأل بعد ذلك عن النزيف البشري، وهذا يبدو أقل في الحالة الإيرانية، لكنه كذلك في حالة حزب الله، وسائر المليشيات الشيعية التي تقاتل في سورية؛ ويجلبها سليماني من كل اصقاع الأرض تحت لافتة الدفاع عن مراقد أهل البيت، وهو الشعار الذي لم يعد يقنع سوى العقول المغيّبة، لأن النظام كركن لمشروع التمدد الإيراني، كان أهم من كل المراقد الموجودة في الكون.

على أن الأهم من ذلك كله هي الخسارة السياسية، وهنا يمكن القول إنه لا شيء في معادلة السياسة يمكن أن يعدل استعداء مليار وربع المليار من المسلمين السنّة، ممن أصبحوا يصنّفون إيران عدوا محسوم العداء، مع العلم أن هذه الغالبية ليست حديثة عهد بالقتال والمقاومة، ولا شك أن خامنئي شخصيا يتذكر صولاتها في عراق ما بعد الاحتلال، يوم كان حبيبه المالكي الذي أغدق عليه المدائح خلال زيارته الأخيرة، يتحالف مع “الشيطان الأكبر”، ويواجه من يقاتلون الاحتلال بكل شراسة.

كل هذه الخسائر لن تعيد سورية إلى ما كانت عليه في الماضي، ومن دون حل يرضي غالبية أهلها، وهو بالتأكيد لن يرضي إيران، فإن الصراع سيستمر، حتى لو سيطروا على كل الأرض، ومعها النزيف الإيراني، ومن دون أي أفق بلا شك.

هل كان هناك خيار آخر لدى خامنئي؟ مؤكد. فلو كان له موقف مناصر للشعب، لأصبح صديقا له، ولكانت له علاقاته المميزة مع الدول التي كان ربيع العرب يمضي إليها تباعا، فيما أجهضت مسيرته في سورية، أما بمغامرته تلك، فقد استنزف بلده ومقدرات شعبه، ودمّر التعايش في المنطقة (أكمل المأساة بمغامرته في اليمن)، واستعدى غالبية أهلها، وكل ذلك دون أن يربح نظامه التابع في دمشق.

بعد شهور من عسكرة الثورة، ووضوح التورط الإيراني قلنا إنه سورية ستصبح أفغانستان إيران، وقلنا إن قادتها سيدركون يوما أن قرارهم بالتدخل هو أسوأ قرار اتخذوه منذ الثورة (دعمهم لطائفية المالكي رغم أن نفوذهم في العراق كان قويا، مثّل خطيئة أخرى)، ويبدو أننا لم نكن مبالغين.

(*) كاتب أردني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق