تحقيقات وتقارير سياسية

انقلاب 1970 وأد جنين دولة ما بعد الاستقلال

كان دستور عام 1950 في سورية أهم مقدمات دولة ما بعد الاستقلال، الدستور الذي صاغه رجال الثورة الوطنية والنخب المدنية السياسية التي قادت العملية السياسية والمفاوضات؛ وصولاً إلى جلاء آخر جندي فرنسي من سورية في نيسان 1946.

مهّد هذا الدستور المدني الوطني، الطريق، على الرغم من الانقلابات العسكرية، إلى تكوّن جنين الدولة المدنية في رحم الواقع السوري، وكانت الذروة برلمانَ ما بين 1954 و 1958، جمع تحت قبته مصطفى السباعي، مرشد الإخوان المسلمين، وخالد بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي، والنقابي خالد الحكيم ومنصور الأطرش وبدوي الجبل ومعروف الدواليبي وناظم القدسي وأكرم الحوراني وإبراهيم هنانو، والرأسمالي الأحمر، خالد العظم، وشكري القوتلي، وهاشم الأتاسي، ابن حزب الشعب…، فكان الدستور وطنيًا بامتياز، وليبراليًا بامتياز، وجاء البرلمان ابن شرعي لهذا الدستور.

وعبّرت الحكومة، بوصفها سلطة تنفيذية، عن جنين الدولة المدنية الحديثة مع منصب رئيس الجمهورية، فظهرت الصحف والمجلات وتعبيرات المجتمع المدني من جمعيات ومنتديات ونقابات وأحزاب واتحادات، ونمو فئة الكتاب والمبدعين. الاستهداف الأول لهذا الجنين أتى من حفنة من الضباط الذين ذهبوا إلى مصر وفرضوا على جمال عبد الناصر الوحدة الاندماجية بشروط ناصر: “حل الأحزاب وإغلاق الصحافة “، فجاءت دولة الوحدة الاندماجية القومية بين مصر وسورية بلا قوة شعبية منظمة، أو “أحزابٍ” تؤطرها، وبلا إعلامٍ يحميها ويدافع عنها، فسقطت الوحدة ودولتها على يد حفنة ضباط هجانة صباح 28 أيلول/ سبتمبر عام 1961.

الاستهداف الثاني لجنين دولة ما بعد الاستقلال جاء في البلاغ رقم 2، صباح 8 آذار/ مارس 1963، بإعلان حالة الطوارئ والعمل بالأحكام العرفية التي عمَّرتْ نصف قرن، ورافق ذاك الانقلاب صراع دموي بين شركاء الانقلاب البعث/ اللجنة العسكرية، وبين الضباط الناصريين والوحدويين، وتسريح أعداد من ضباط المدن المهنيين، وإعادة ضباط آخرين مسرحين، منهم حافظ الأسد، والعفو عن إبراهيم العلي المحكوم بالإعدام، وتسلمه مهمات قائد الجيش الشعبي برتبة وزير.

اشتد بعد ذلك الصراع داخل البعث بين القيادتين القومية والقطرية، ثم بين صلاح جديد وحافظ الأسد، لخصها سوريًا الأمين العام لحزب البعث -لمدة عام ونصف العام، منتصف 1965 – 23 شباط/ فبراير 1966- منيف الرزاز بكتابه المهم “التجربة المرة”، وهاني فكيكي العراقي بكتابه “أوكار الهزيمة”، وخلدون حسن النقيب بكتابه “الدولة الاستبدادية في المشرق العربي” وجورج قرم بكتابه “انفجار المشرق العربي”، ومصطفى دندشلي بكتابه “حزب البعث” ج 1، وياسين الحافظ بكتابه “الهزيمة والأيديولوجية المهزومة”.

إن حملة تسريح الضباط المهنيين والانقلابات العسكرية التي سميت ثورة وتصحيحًا، من انقلاب آذار/ مارس 1963، وشباط/ فبراير 1966، وتشرين الأول/ أكتوبر 1970، مهّدت الطريق لإسرائيل لتُلحق بالأمة العربية هزيمة جديدة في حزيران/ يونيو عام 1967، باحتلال سيناء والجولان والضفة الغربية، بعد نكبة 1948.

لكن محاولة وأد جنين دولة ما بعد الاستقلال “لبنية الدولة المدنية” ودستور عام 1950 جاء على يد حافظ الأسد، بتشييد نظام الاستبداد الشمولي، وبدستور عام 1974، وبقيادة “حزب البعث” للدولة والمجتمع، والأسد للأبد.. وبقطع نسغ الحياة السياسية في سورية، وتجويف تعبيرات المجتمع المدني، وغطى هذه الجريمة بشعارات القومية والممانعة والمقاومة وفلسطين، ولا خيار في هذا البلد إلا للتقدم والاشتراكية.. وصولًا إلى توريث النظام الجمهوري.

مكر التاريخ لمحاولة وأد أهم جنين دولة وبرلمان عربي مدني ديمقراطي، ولأهم حكومة شهدتها سورية، ولأفضل دستور عربي صاغه الشعب، فكان ربيع دمشق عام 2000-2003. وأد “النظام الوارث “ربيع دمشق واعتقل أبرز رجالاته، فجاء بيان “إعلان دمشق” عام 2005، وانتخاب المجلس الوطني لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي عام 2007، أمانة عامة له، وصولًا إلى الربيع العربي وثورة منتصف آذار عام 2011، وشعارها “الشعب بدو حرية”، التي سبقتها تظاهرة عفوية في سوق الحريقة بدمشق في 17 شباط/ فبراير 2011، وشعارها “الشعب السوري ما بينذل”.

بعد ستة أعوام من التدمير والمجازر والنزوح والتهجير والتغيير الديمغرافي، والاعتقالات والقتل في الأقبية، والتفريط في السيادة الوطنية بالاحتلال العسكري الروسي والإيراني؛ بعد ستة أعوام من عمر الثورة المجيدة، وعلى الرغم من ظهور المنظمات والكيانات العسكرية المتطرفة والإرهابية، وفصائل وكتائب سميت بأسماء بعيدة عن ثورة الحرية ومقدماتها، والأشهر الأولى من عمرها، نرى اليوم ما تكاد تصمت القذائف والبراميل المتفجرة وأسلحة جيشي الاحتلال والعدوان؛ حتى تنهض من تحت الرماد والنار التظاهرات السلمية وشعارات الثورة التي طبعت ساحات المدن والأحياء والبلدات: الشعب بدو حرية، الشعب السوري ما ينذل، الشعب يريد إسقاط النظام، ويرتفع علم الثورة، وتنحسر الأعلام البيضاء والسوداء والصفراء ومشروعات التقسيم والطائفية، وتؤكد الثورة من جديد على وحدة سورية أرضًا وشعبًا ودولة، دولة مدنيةً تعددية بمواطنة متساوية للمواطنين السوريين كافة.

إننا نشهد اليوم في المناطق المحاصرة والمحررة، ظاهرة تكوّن هيئات مدنية عامة منتخبة، تذكر ببنية جنين دولة ما بعد الاستقلال وبرلمان عام 1954 – 1958، وحكومة فصل السلطات والنظام الجمهوري البرلماني، هذا المشهد يُحدّد معالم الدرب للثورة السورية المجيدة، والشعب العظيم الذي مازال يقدم قوافل الشهداء، وقد انجدلت مهمات الثورة بمهمات التحرر الوطني من الجيوش الأجنبية والغرباء.

لم يكن انتخاب “الهيئة المدنية العامة”، وانتخاب “مجلس الإدارة”، منذ أيام في حمص/ الوعر، عرسًا وطنيًا كما كتبتُ وحسب، بل مسعىً جادًا وحقيقيًا لاستنهاض جنين دولة ما بعد الاستقلال، وقبر نظام الاستبداد الشمولي، من أصغر تجمعات الشعب في الأحياء والبلدات والمدن، والعودة إلى شعارات الثورة الأولى، واندحار التطرف والإرهاب والطائفية والتعصب القومي ومشروعات التقسيم، وعودة الحياة إلى الشعب؛ ليقف على قدميه ويمسك بيديه القرار الوطني، والاستعداد لصوغ دستور وطني ديمقراطي، وهذه مهمة وواجب وحق حصري للشعب السوري العظيم، لنبني ما يترتب علينا من مداميك على أساسات جنين دولة ما بعد الاستقلال، ولنضع سورية الوطن الغالي، وصاحبة الانتماء الأول، على سكة التقدم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق