هموم ثقافية

قصة موت الشاعر راشد حسين بين دمشق ونيويورك

في الأول من شباط/ فبراير 1977، توفي الشاعر الفلسطيني، راشد حسين، مختنقًا في شقته الصغيرة في نيويورك. وكانت الصياغات المتعددة لخبر وفاته تشير إلى الصدمة الكبيرة التي أصابت أصدقاءه ومحبيه ورفاقه وجمهوره، وربما يفسر ذلك ما ورد في أكثر من نعي له تصفه بالشهيد؛ ما جعل الشك يتسلل إلى متابعي قصة وفاته، وهناك من اتهم الموساد أو المخابرات الأميركية بتدبير حادث اختناقه وموته. غير أن رحيله كان تراجيديًا كما هي محطات حياته.

وأعتقد أن مكانة الشاعر الراحل، بوصفه مثقفًا وأديبًا ومناضلًا، أكبر بكثير مما يعرفه عنه الناس، وللميديا دورها في محدودية معرفة متابعي الشعر والأدب، بميزات وقدرات الراحل راشد حسين ومساهماته، قبل تأسيسه لخط شعر المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، بعد النكبة مباشرة، وهو ما ذكره درويش أكثر من مرة، وما أورده هو وسميح القاسم في رسائلهما المتبادلة. فهو الأكبر عمرًا من درويش والقاسم، والسابق لهما في إطلاق شعر المقاومة في فلسطين ومن تحت حراب الاحتلال. ومع الأسف -حتى اللحظة، كما أعلم- لم يأخذ شعر راشد حقه من الدراسة والاهتمام في مدونات النقد الأدبي، لكن بعض النقاد لفت إلى أن راشد داهمه الموت والرحيل قبل أن يطلق مخزونه الإبداعي الذي يتلامح في دواوينه وأعماله المنشورة.

تراجيديا حياة راشد حسين، لم يكن الأصعب والأقسى فيها مطاردة الاحتلال له واستدعاءاته المتكررة إلى أجهزة الأمن الإسرائيلية للتحقيق، أو إبعاده داخل فلسطين، ومنعه من العودة اليها حين غادرها. وإذا كان دخان” سيجارته” الصاعد في غرفته وهو وحيد، قد انتهى بدخان حريق شامل لفراشه، ما أدى إلى اختناقه وموته، فهذه المحطة “النيويوركية” الاضطرارية دفعه إليها، بعد أن كان قد غادرها، سلوك الأجهزة الأمنية السورية نحوه، خلال إقامته القصيرة جدًا في دمشق.

في عام 1967 غادر راشد حسين فلسطين متوجهًا إلى أميركا، ليعمل فيها ثقافيًا لخدمة قضية فلسطين، وهو الذي تفتح على مواجهة قيام دولة إسرائيل. وكانت حرب 1967 محطة نوعية فاصلة في تطور اتجاه عمل فلسطينيي الداخل، فلم يعد راشد يكتفي بالمسارب الضيقة المتاحة له لمقارعة الاحتلال بعد الهزيمة المدوية التي لحقت بالعرب؛ نتيجة تلك الحرب. وكعدد غير قليل من الشباب الفلسطينيين، ولا سيما الأدباء والشعراء منهم، اتجه راشد خارج الأرض المحتلة؛ ليخدم القضية خدمة أكثر وضوحًا وفاعلية، بحسب التقديرات التي سادت لديه ولدى أقرانه.

ومن جرَاء نشاطه المناهض للاحتلال، وهو في أميركا، سحبت منه إسرائيل جواز سفره ومنعته من العودة إلى فلسطين. وكان أن دفعته أحوال التضييق على نشاطه في أميركا، حرمانه من العودة إلى بلده، للانتقال إلى دمشق، عبر بيروت عام 1971، حاملًا معه الاعتقاد بالقيام بفاعلية أكبر لخدمة المشروع الكفاحي الفلسطيني على المستويين، الثقافي والإعلامي. ولم يكن يعلم أن نظام حافظ أسد المتسلط على سورية، يستخدم الشعارات الدعائية عن القومية وفلسطين لتكريس احتكاره للبلد، وإدامة استبداده وطغيانه على الشعب السوري، وهو حال الأغلبية العظمى من المثقفين العرب والمناضلين الفلسطينيين، وبخاصة أن نظام الأسد لم يكن قد اتضحت حقيقته الملموسة، بوصفه نظامًا متبجحًا وكاذبًا ومخادعًا، وعلاقته مع المثقفين السوريين، والمناضلين العرب، تتحرك بين استخدام أسمائهم ومكاناتهم للظهور بالمظهر الثوري والقومي، أو قمعهم والنيل منهم وتطويقهم وبذر الخلافات، وحبك الدسائس بينهم ليتصادم بعضهم مع بعض، فيتمكن لاحقًا من التفرد بهم، كل منهم على حدة، وزجهم في أجندات لا تتعلق بالأهداف النبيلة التي يسعون إليها، التي جاء هؤلاء المناضلون الفلسطينيون والعرب إلى سورية طامحين لتجسيدها.

فيما يتعلق براشد حسين، لعب نظام حافظ أسد لعبة قذرة معه، حين بث التناقض بينه وبين الشاعر والمثقف الفلسطيني، حبيب قهوجي. وكان الأخير قد سبق له أن حضر إلى دمشق قادمًا من فلسطين، واتفق مع المؤسسات السورية على تأسيس مركز دراسات يُعنى بشؤون الصراع العربي- الصهيوني، وطالما أن حبيب قهوجي كان أحد ناشطي حركة الأرض في فلسطين، فقد وقع اختيار اسم “مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية”. كان الشاعر راشد حسين وآخرون في مقدمة ناشطي حركة الأرض، ومعهم حبيب قهوجي، وعندما غادر راشد نيويورك قادمًا إلى بيروت، وجد حبيب قهوجي فرصته لتدعيم المؤسسة قيد التأسيس، واتصل براشد الذي حضر الى دمشق لبلورة عمل المؤسسة العتيدة. وافق راشد على المشروع بينما رفض الكاتب والباحث الفلسطيني صبري جريس المشاركة في إقامة المؤسسة، لأسباب تتعلق بتقييماته، ومنها افتقاد الثقة بالمؤسسات السورية تحت سلطة الأسد. وقبل اكتمال أسس التجربة “مؤسسة الأرض” دب الخلاف بين راشد وحبيب، والسبب كان تشابك مهمات المؤسسة البحثية “العلمية” مع مهمات أخرى ارتأتها الأجهزة الأمنية للنظام، إذ حاولت استخدام طاقات أبناء فلسطين القادمين من أراضي 1948، لأعمال استخبارية تتعلق بالداخل الفلسطيني- الإسرائيلي، ولم يوافق راشد حسين على هذا الغموض والتشابك بين العمل البحثي العلمي والعمل الأمني الاستخباري، فوقع الخلاف بينهما(راشد وحبيب)، وكان أن عمل راشد في قسم البرامج العبرية في الإذاعة والتلفزيون السوري، ولعله وجد نفسه في غير المهمة التي كان ينشدها بوصفه مثقفًا ومبدعًا، فقرر مغادرة سورية، وهو على خلاف مع قهوجي، ومع المؤسسات الإعلامية السورية.

لم تكن نيويورك خيارًا لراشد ليعود إليها، بل هو الاضطرار، وفقدان الأمل في خدمة قضيته ضد إسرائيل من مكانه في دمشق. وودع دمشق بمقاطع شعرية جميلة وبسيطة، وكأنه كان يودع الحياة ممتلئًا بهاجس الموت. فكتب:

شموعك تجعل حتى المرارة سكَر

وداعًا دمشق

أحبك أمًا

أحبك أختًا

أحبك طفلًا

أحبك طفلة.

وكانت رسالته الأخيرة في دمشق إلى دمشق، دمشق التي لم يعد لها. فهل كانت المرارة التي أتى عليه لحظة الوداع نبوءة برحيله في محطته الأخيرة في نيويورك؟ أم أنه شكوى مما تعرضت له آماله الكبيرة من خذلان في فضاء تجتاحه جماعة طاغية، أكملت تحطيم آماله التي بدأت بها الجماعة الغازية؟

وأختم في الذكرى الأربعين لرحيله بهذه العبارة للكاتب والروائي الياس خوري:

“طيف راشد حسين يقترب من طيف محمد الماغوط. شاعران كتبا النهاية بجسديهما. الأول احترق والثاني تورَم فيه القهر والانحلال. الأول لم يعد إلى وطنه، والثاني لم يعد وطنه إليه. حكاية واحدة”.

مقالات ذات صلة

إغلاق