قضايا المجتمع

وادي بردى يودع أهله.. وأثاثه

قبل أن ينسحب ظل تلك الحافلات التي انطلقت من منطقة وادي بردى خلفها، وقبل أن تستوعب جدران البيوت أسباب أنين المركبات المغادرة، وقبل أن تستقبل إدلب ضيوفها الجدد، كانت حافلات جنود الأسد قد اصطفت على أفواه المنازل، لتسحب الأحشاء منها، وتعلن انتصارها على الأشياء والذكريات، بعد المياه والأحياء.

مشهد سرقة البيوت برمته، أو “التعفيش” الذي ترتكبه عناصر النظام ولجان الدفاع وبقية المرتزقة، ليس جديدًا على السوريين، ولا يحمل إدهاشًا بعد سنوات من التوغل في الدماء وفي استباحة القيم، بلا ضوابط أو خجل.

لا يمكن -بدقة- تحديد الوقت الذي بدأت فيه هذه الظاهرة، لكن من المؤكد، أنها تشكلت في الوقت الذي ابتدأت فيه قوات النظام باقتحام الأحياء والمناطق، وأسست -من ثم- ما سمي بأسواق المسروقات المسروقة من تلك الأحياء، ومبكرًا أخذت هذه الظاهرة تنتشر وتتمدد، وخاصة في مدينة حمص، وأُطلق على السوق الذي تُعرض فيه المسروقات اسم “سوق السنة”، بوصفها دلالة على أن المسروقات سُرقت من تلك الأحياء الخاصة بالسنة.

ضمّت هذه الأسواق، ومنذ عام 2012، الأدوات الكهربائية المنزلية كالغسالات والبرادات والتلفازات والحواسيب، وأيضًا هناك أنواع مختلفة من الأثاث المنزلي، وأدوات المطبخ.

في حمص جرى اقتحام وسرقة “سوق الذهب”، وسرقة نحو 16 ألف قطعة كهربائية ما بين غسالة وبراد ومكيف من مستودعات شركة (وتار) عام 2012، قُدرت قيمتها بنحو 400 مليون ليرة سورية.

بعد مجزرة داريا الأولى، واقتحام عناصر النظام والشبيحة للمدينة، جرت سرقة محلات الموبيليا والبيوت، وبعد الصفقة الأخيرة ومغادرة من بقي من العائلات والمقاتلين، دخلت فورًا قوات النظام والشبيحة، ونقلت ما بقي من أثاث في المدينة، وأيضًا افتتحت بعض الأسواق على الطرق العامة في بعض المناطق المحيطة، وأيضًا فعلت الشيء نفسه في اقتحامهم بعض مدن وبلدات الغوطة الشرقية.

لم تتوقف السرقات على البيوت والمحلات وغيرها، بل تعدتها إلى سرقة السيارات وإزالة أرقامها والتصرف بها، وقد اختفت آلاف السيارات الخاصة، ولم يُعرف عنها شيء حتى الآن، ويجري تفكيك بعضها ونقلها قطعَ غيار إلى لبنان.

في أحياء حلب الشرقية التي تم تهجير أهلها مؤخرًا، دخلت ميليشيات النظام بعد الاتفاق التركي الروسي، وسرقت تلك البيوت وغيرها خلال ساعات، وتناقلت صفحات التواصل الاجتماعي صور السيارات (والشبيحة) وهم ينقلون المسروقات.

عمليات السرقة التي حصلت وما تزال، ليس هدفها الانتقام الطائفي، حتى وإن سُمّيت تلك الاسواق بـ “سوق السنة” [!!]، بل هو الحقد ذاته على كلمة الحرية التي أطلقها السوريون، وانتقامًا من كلمة كرامة التي أدرجوها مع اسم ثورتهم.

تمثل السرقات حبل إنقاذ بالنسبة للنظام، إذ هو يكسب ولاءهم بغضّه الطرف عنهم، وهي في الوقت نفسه فرصة لهؤلاء الشبيحة يفعلون بها ما يشاؤون.

و”التعفيش” سمة لقوات النظام والشبيحة، فالحواجز واللجان وعناصر الميليشيات المختلفة، على امتداد سورية، تقوم بهذا الفعل على معظم السيارات التي تفتشها، ولا سيما إذا كانت محملة بالخضار والفاكهة والدجاج والبيض، وبقية المواد الغذائية، وبات وجود المواد الغذائية وعبوات الفاكهة من المناظر المعتادة على الحواجز.

يدرك السوريون أن هذا النظام، الذي سطا على مقدّرات وطن، وسرق الفرص من أبنائه، ليمنعهم من أن ينهضوا به، مثلما سرق ثرواته كاملة، ثم دمره وشرد أهله، من الطبيعي أن يكمل جيشه والمليشيات المدافعة عنه مهماتهم العقائدية في سرقة الوطن والمواطن.

كما يدرك أهالي منطقة وادي بردى، بوصفهم آخر المغادرين لخاصرة دمشق، أن بيوتهم التي استبيحت قبل أن تشرق عليهم شمس إدلب، ستعود بهية كما أشجار الحور التي تتلألأ أوراقها في سماء الحرية، ومن تلك الرئة الجميلة سيتنفس السوريون مجددًا، ومن طيب تلك الأرض سيعود السنونو ليأخذ قشة عشه، في ربيع سوري قريب ومستدام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق