أدب وفنون

نيرمينة الرفاعي، صاحبة كرز: أرفض التخلّي عن نداء الحرّية الأوّل الذي نادى به الشعب السوري

كرز مفرد كرزة وهو نبات من فصيلة الورديات، قضمت كاتبة كرز لام التعريف فيه.  تقول بأن الكرز في الرواية عنصر مشترك بين الشخصيات الرئيسة، له دلالات مختلفة يتحرر من التعريفات وصناديقها، وينطلق حرًا بعيدًا عن قيود القارئ الذي قد يجد هناك أكثر من كرز في حياته بأكثر من شكل ومعنى.

بعد روايتها الأولى (ويزهر المطر أحيانًا) تصدر روايتها الثانية، كرز، عن دار الأهلية للنشر والتوزيع. نيرمينة الرفاعي من مواليد عمان، حاصلة على شهادة البكالوريوس في نظم معلومات الأعمال. قادتها دراستها إلى التدرب على رؤية العالم بالجزئيات.

وجدت نفسها تميل -مثل عادتها القديمة- إلى التدريس عن طريق القصص والسرد وابتكار السيناريوهات المختلفة للطلّاب، ودعوتهم للعمل ضمن نطاق عملها، بطريقة إبداعية، يستطيعون إسقاطها على برامج الحاسوب وتطبيقاته، ثم وجدت نفسها، كما قالت:

“أقارع فراغًا لا أستطيع التخلص منه إلّا بالكتابة، وبعد جرعات السعادة العظيمة التي أشعر بها، عند الانتهاء من صياغة أي فكرة، أصبح الموضوع بالنسبة إلي أكثر غموضًا وتعقيدًا من أن أستطيع شرحه، فأنا أكتب لأنني لا أستطيع ألّا أكتب. وتخصصي على الرغم من ابتعاده عن الأدب إلا أنَّه -للأمانة والموضوعية- درّبني على النظر إلى العالم بطريقة مختلفة. على سبيل المثال، البرمجة علمتني بشكل حقيقي تقسيم أي جزئية في العالم إلى جزئيات أصغر، ففي برمجة آلة مثلًا يعمل المبرمج على كلّ زر منفصلًا عن الآخر، ثم يقسم وظائف الزر الواحد إلى عدّة استخدامات محتملة، كالكاتب الذي يفكر في جزئيات المشهد الذي يكتبه، معتمدًا على ذاكرته البصرية والسمعية والشمية واللمسية، إضافة إلى الخيال وتفرعاته. وكما يحرص المبرمج على تكامل أزرار الآلة معًا، وعلى التفكير بطريقة توثيقية ليستطيع كتابة دليل المستخدم، يحرص الكاتب –أيضًا- على تكامل قصته وترابطها وتوثيقها إقناعًا للقارئ، أي: إنني أظن أن الأدب ليس بعيدًا تمامًا عن الأعمال والحاسوب، هذه وجهة نظري الخاصة طبعًا”.

قلت: النساء ربات الفصول يُعرفن من خلال فصولهن، كما يُعرف الكرز باسم “ساكورا” في اليابان، إذ تتحول البلاد، من أواخر آذار حتى أواخر نيسان، إلى بقعة ساحرة من الأزهار الوردية؛ فما الموسم الذي أنجزت فيه نيرمينة كرزها؟ فقالت: إنها انتهت من كتابتها في تشرين الأوّل/ أكتوبر، 2015 وروايتها تبدأ بفصل يحمل عنوان “ورطة في تشرين”، وتنتهي بفصل عنوانه “لؤلؤ تشرين”. والكرز يمتد بين التشرينين، بكلّ تحولاته اللونية الموقتة التي تدوم قصيرًا، ولكن لوقتٍ كافٍ لنحت الحدث وغرسه في دواخل الشخصيات، بما تحمله من فرح وحزن وارتباك وتساؤلات.

تقول فرجينيا ولف “دعونا نتذكر مدى قلة ما نعرفه عن الشخصية. نيرمينة رصدت شخصياتها من ملاحظاتها ومشاهداتها الشخصية، وبعد ذلك تخبرنا كيف عايشت هذه الشخوص:

“كلّ شخصية هي مزيج مركب من تجارب شاهدتها أو سمعت عنها أو خضتها بنفسي، تطرق الشخصية رأسي أولًا وتقول لي: “أنا هنا”، ثم أبدأ برؤيتها في يومي بعين الخيال، وأبدأ بمراقبة تصرفاتها وردود أفعالها وثيابها ونظراتها، وأرى شيئًا منها في من حولي، ثم أجد أنني لن أرتاح منها إلّا بعد أن أفرغها على الورق، بما فيها من مشاعر وانفعالات، وحين أبدأ بكتابتها أحاول أن أترك لها حرية التصرف، وفقًا لما يدور في رأسها، ثم أغضب لأنَّها لا تتصرف كما يدور في رأسي، ثم نتشاجر معًا، وهكذا…

لا تميل نيرمينة للإمساك بمسطرة وقلم لتقيس أبعاد شخصياتها، ولا ترصد تطور روايتها بتقنية معينة، بل “تترك الحكم على تقنياتها للقارئ”، كما قالت، وهي مرتاحة لفكرة أنها تكتب بحرّيتها وانطلاقها، من دون أن تكبحها الممنوعات والمسموحات في التقنيات.

يقول “هاروكي موراكامي”: “اقرأ كي لا تغرق. كل شيء عبارة عن سيرة، لكن في الوقت نفسه فأنا أغيّر التفاصيل عندما أكتب عملًا روائيًا”، فماذا تقول نيرمينة عن رواية كتبتها على مدار سنة؟ هل ثمة تجاذب وتبادل للأدوار حصل بينهما؟

“كلُّ تغيير هو تراكميّ، ويبرز أثره بمرور الوقت، كتبتها على مدار سنة، وكانت تعني لي كثيرًا على صعيد الاستقرار النفسي والمهني والعائلي وحتى العاطفي. بالنسبة إلي، أستطيع القول: إن “كرز” تشبهني، هي ليست طفلتي تمامًا، ولستُ أنا طفلتها التي وُلدت من جديد، ولكنَّها تشبهني، كما لو أنني أجد شيئًا من نفسي بعد ضياع، وهذا يعني لي كثيرًا”.

يقال في الهندسة الزراعية إن زراعة الكرز سهلة، فهو لا يحتاج إلى متابعة مستمرة، فهل كانت كتابة كرز كذلك.

“متابعة الكتابة والاستمرار بها لم تكن لي بسهولة زراعة الكرز، ربما كان من الأسهل أن أضع شتلة في الأرض وأتابع نموّها، ولكنَّ الكتابة، -أيّ كتابة-، هي عملية مرهقة على المستوى النفسي أولًا، تستنزف أعصاب من يكتب، وتثير أعمق مخاوفه، وتوقظ ما كان يظنه نائمًا لسنين. يُقال بأن العقل الباطني كجبل الجليد المخفّي تحت الماء، ولكنَّه في الحقيقة يُشكّل 90 بالمئة من العقل البشري. الكتابة هي الغوص تحت سطح الماء والبحث في أعماق هذه التسعين بالمئة من دواخلنا، والعملية تعني، كثيرًا من المخاطر انقطاع الأكسجين والاصطدام بالحواف الجليدية الباردة. أستطيع القول: إنَّ الأمر مرهق، ولكنني أفضّل القيام به على زراعة الشجر.

 

وأقول لنيرمينة كيف تحتفظ “كرز” بالقارئ، فترد عليّ: “عليّ أن أسأل القارئ هذا السؤال”. وأسألها عن الآباء الروحيين للرواية، فتقول:

“هناك كثير من الكتّاب الذين يعجبني أسلوبهم في الكتابة، ولكن ليس لدرجة أن أسميهم آبائي الروحيين، أنا أؤمن أنني في الكتابة، كما في الحياة، أستطيع أن أكتسب المعرفة والخبرة والمعلومة من كل شيء، ومن كل شخص، سواء من كاتب مرموق أو جملة قالها رجل لابنه في الشارع، وهو يوصيه ألّا ينسى شراء علبة اللبن.

وهكذا أحبُّ أن أعيش يومي -كما أعيش على الصفحة التي أكتبها-، بالعين التي تروق لي. على سبيل المثال، اقتبست أقوالًا أحبّها في بداية كلّ فصل في الرواية، ووجدت في النهاية أنَّني اقتبست عن المتنبي وميخائيل نعيمة، وبالشغف والحب نفسه اقتبست عن صديقي الذي يكتب على الفيسبوك، دون أن يكون له كتاب مطبوع بعد.

 

قلت: نيرمينة الرفاعي الكتابة عمل ذاتي، سيالة ذهنية تأخذ طريقها لغويًا. ماذا تسمينها أنت؟

“أسميها الرصاصة الدافئة والمؤلمة في الوقت ذاته، وأحتفظ بها في راحة يدي سلاحًا ضد الحزن، وحقًا مشروعًا في الدفاع عن وجودي”.

قلت: يموت الناس حين تثقبهم رصاصة لوحة غلاف صفحتك على الفيسبوك؛ صورة تداولها ناشطون من مدينة حلب السورية، التي دخلتها قوات النظام مع القوات الروسية، وقامت بتهجير أهلها وطرد سكانها. وقد كتب أحد الثوار أو الناشطين، في 15/12/2016، على جدار في مدينته عبارة: “إلى من شاركتني الحصار، بحبك”. ما الذي تعنيه لك الثورة السورية؟

“في الرواية ثمة وصف لتحطيم تمثال حافظ الأسد، في بدايات الثورة: (لا يمكن أن تتخيلي رنّة الفرح في صوته، وهو يصفُ كيفَ تدحرج رأس التمثال تحت الأقدام، ولم يخف أحدٌ من ركله، قال لي يومئذ: “منى! ضربته بقدمي ولم يحرّك ساكنًا، هذا الحجري الأبله)! بالنسبة إلي الثورة السورية هي كل الحجارة والأصنام التي تمّ ركلها بالأقدام بعد عقود من الخوف. هي ثورتي أيضًا، هي أحبابي الذين تهجرّوا وفقدوا أحبابهم، هي مدينتي الواسعة التي أنتمي إليها وأكتب على جدران بيوتها. أرفض التخلّي عن نداء الحرّية الأوّل الذي نادى به الشعب، أنا ضد النظام السوري المجرم وكلّ من يقف إلى جانبه، وضدّ كلّ التحالفات الدولية والعصابات الطائفية التي استغلت الموقف لمصالحها الخاصة. أؤمن بقدرة الإنسان السوري على الحبّ والعطاء والبناء من جديد. في الصورة التي أشرتِ أنتِ إليها تبدو لي كلمة “بحبك” قادرة على صنع المعجزات. أنا لا زلتُ أؤمن بسورية الجديدة، وأؤمن بأنَّ من يحب لا يموت”.

على مدار التاريخ لم يستطع الأدب أن يقارب حجم الدم المسفوك، والدم السوري نزف كثيرًا، ولم يقدم له الأدب ما يستحق. لماذا؟

“على مدى التاريخ كانت الحروب بيئة خصبة للإبداع والأقلام الجديدة والقصص التي لا يمكن أن تخطر على البال في أوضاع طبيعية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الثورة، وجرى كثير من الأحداث التي يجب أن توثّق وأن يُكتب عنها. الأدب السوري قبل الثورة اختلف –حتمًا- عما بعدها، فالكتابة فعلٌ حرّ، كالثورة تمامًا. وفعلًا هناك كثير مما كُتب ويُكتب بأقلام أثق بإبداعها وصدقها واحترافها وعدم انحيازها إلّا للحقيقة.

أعلمُ بأنَّ الحبر لا يعيد دم من رحلوا إلى عروقهم، لكنَّه على الأقل يحكي للتاريخ قصة شعب عانى كثيرًا. الكتابة التي تحصل اليوم هي الضمادة التي ستحكّ قلب القارئ غدًا كي لا ينسى الجرح الذي نزف، وهي الشاهد الذي سيبصم مستقبلًا بأصابعه العشر على جبين كلّ من تخاذل ووقف مع مجرم؛ أيًّا كان اسمه، وهي شاهد القبر الذي سيوثق أسماء من قُتلوا قصفًا وتهجيرًا وجوعًا وتعذيبًا في أكبر مجزرة ترتكب في العصر الحديث. ولأن السياسة في يد السياسيين وأصحاب المصالح والأطراف المتقابلة في موازين القوى العالمية، فأنا لا أثق بها، ولكنَّ الأدب في يد الشعب، وأنا أثق بالشعوب.

مقالات ذات صلة

إغلاق