مقالات الرأي

عن المبادرة والنداء ومسألة التحالفات

كتبتُ مرة أن المواقف المسبقة التي تكونت لدى كثير من السوريين؛ نتيجة التجييش الإيديولوجي الذي عانى منه السوريون طوال خمسين عامًا، عن الإمبريالية وحليفتها الرجعية وما شابه، كان يعمي أبصارنا عن حقيقة أن جميع الدول، الإمبريالية منها والرجعية والتقدمية والاشتراكية والقومية العروبية…، وما شئت من تسميات غيرها، تبحث عن مصالحها وتدافع بكل ما أوتيت من قوة عن تلك المصالح. بل أقول أكثر: كلما كانت الدولة قوية وواعية لمصالحها، كانت أكثر تمسكًا بتلك المصالح وأشد دفاعًا عنها. والشاطر منا من يعرف حقيقة مصالح دولته (أي مصالح شعبه وليس بالضرورة مصالح حكومته)، ويعمل على التمسك بها والدفاع عنها. ولكن كيف؟ بمواجهة من تتعارض مصالحه مع مصالح شعبه، والتحالف مع من تتفق مصالحه معها. والسؤال هنا: هل هناك مصالح ثابتة، دائمة، أبدية… للدول؟ بالطبع لا!

وإليكم مثالين: واحد من دولة “اشتراكية تقدمية”، وآخر من دولة إمبريالية استعمارية.

في الحرب العالمية الثانية تحالف الاتحاد السوفياتي مع ألد أعدائه الرأسماليين، في مواجهة الخطر الداهم المشترك (النازية الألمانية والفاشية الإيطالية). ولم يمنعه ذلك من العودة إلى محاربة أولئك الأعداء الرأسماليين بعد انتهاء الحرب العالمية.

وفي أفغانستان، تحالفت الولايات المتحدة مع أشد الإسلاميين تطرفًا؛ للقضاء على العدو المشترك (الشيوعية). ولم يمنع ذلك الإسلاميين من خوض أشرس الحروب ضد الأميركيين بعد ذلك، كما لم يمنع الأميركيين من شن الحرب الشهيرة ضد الإرهاب (الإسلامي).

المهم، إذن، أن نعرف العدو الرئيس في مرحلة ما، ونتحالف، ربما مع عدو آخر، لكنه يشترك معنا في عداء ذلك العدو الرئيس؛ لنتخلص معًا منه.

أعداؤنا اليوم كثر: النظام الأسدي، ومن يشارك معه في قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير بيوتهم (إيران وروسيا اللتان تشكلان قوة احتلال فعلية)؛ ومن يدعم هذا النظام ويمنع الثوار من التخلص منه (إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهما)؛ والتنظيمات المتطرفة التي تشارك في القتل والتدمير وتحتل أجزاء من الأرض السورية (داعش والنصرة – فتح الشام) … إلخ.

من البديهي أن علينا أن نبحث عن حلفاء يشاركوننا العداء لهؤلاء جميعًا. ولكن ألا يمكن أن نستفيد من بعض التناقضات بين هؤلاء الأعداء أنفسهم؟

لعل أبرز مثال على تلك التناقضات، هو التناقض بين مصالح روسيا ومصالح إيران، وما ينجم عنه من اختلاف بينهما حول كيفية معالجة المسألة السورية. ونحن نعرف أن إيران تسعى للهيمنة على شرق المتوسط كله، بوسائل شتى، بما في ذلك تهجير سكان مناطق معينة لإحلال آخرين موالين لها، في ما يشبه “الاستعمار الاستيطاني”. أما روسيا فإن مصالحها في سورية تتعلق بميناء طرطوس وقاعدة حميميم الجوية. فالخطر الأكبر اليوم -إذن- يتجسد في طموحات إيران. ومواجهة هذا الخطر تعدّ أولوية ملحة للشعب السوري. أليس من الحكمة، والحال هذه، تشجيع روسيا على التخلص من الوجود الإيراني في سورية، ثم الالتفات إلى الوجود الروسي؟

الأمر نفسه ينطبق على التحالفات داخل القوى المختلفة التي تجمعها أهداف مشتركة، أهمها بناء الدولة السورية الديمقراطية الحديثة، القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

وفي هذا السياق صدرت خلال الشهر الماضي مبادرة عن مركز (حرمون) للدراسات المعاصرة، وأصدر عدد من المثقفين والسياسيين المعارضين “نداء من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية”. وقد أثار النداء والمبادرة جدلًا واسعًا بين المعنيين بالشأن السوري.

تنطلق مبادرة (حرمون) من أنه “لا بديل من الاستقواء بالسوريين”، وتدعو إلى بناء مركز سياسي وطني حقيقي (مؤسسة وطنية سورية منظمة) بوصفه الخطوة الضرورية الأولى لمواجهة التحديات الراهنة، وتحقيق مصلحة الشعب السوري، ولتغيير مواقف الإقليم والعالم.  وتقوم المبادرة على الدعوة إلى “حلٍّ سياسيٍّ، لا مكان فيه للأسد وحلقته الضيّقة”، يؤكد على استقلال سورية ووحدتها أرضًا وشعبًا، ويؤدي إلى بناء دولة وطنية ديمقراطية حديثة محايدة، ونظام حكم لا مركزي موسّع، يعتمد المواطنة المتساوية، بصرف النظر عن الدين أو الطائفة أو العرق أو الأيديولوجيا أو الجنس.

وتتضمن المبادرة بنودًا حول التوجّه المطلوب من الائتلاف الوطني والتشكيلات الأخرى، والمعايير التي يجري على أساسها اختيار مجموعة من الشخصيات السورية المستقلة، مهمتها الأولى إعادة بناء “الائتلاف الوطني” على أسس جديدة ودقيقة، كما تضمنت التزامات المركز تجاه المبادرة.

أما النداء؛ فقد طُرح على أنه “وجهة نظر نقدية لتصحيح مسارات الثورة السورية” وتضمن عرضًا للعوامل التي أدت إلى ما وصلت إليه حال الثورة السورية، بما في ذلك الاعتراف “بشجاعة أخلاقية وبمسؤولية وطنية، ومن دون مواربة، بأن المآلات الخطِرة التي وصلت إليها ثورتنا، أثبتت عقم وإخفاق التصورات أو المراهنات، التي ارتكزت عليها، حتى الآن”، معددًا أبرز تلك التصورات والمراهنات. ليصل إلى القول: “هذا النداء هو بمنزلة دعوة للمراجعة ولاستنتاج العبر، وإحداث قطيعة مع هذه التوهمات والرهانات لانتشال الثورة من مأزقها، ووضعها على مسارها الصحيح، ولاستعادة مقاصدها النبيلة، وإعادة بناء كياناتها، وتصويب خطاباتها، وترشيد أشكال عملها وطرق كفاحها”. وليخلص إلى تحديد “مهمات في مسار جديد للثورة السورية”.

من الطبيعي أن يكون من بين من وقع على النداء، ومن توجهت لهم المبادرة، أشخاص كانوا مسؤولين، إلى هذا الحد أو ذاك، عن “المآلات الخطِرة” المشار إليها. ولهذا ثارت اعتراضات كثيرة على إشراك فلان أو علان ممن “جُربوا” و”فشلوا” و”سقطت أوراقهم”… إلى غير ذلك من الأوصاف (الصحيحة في جوهرها).

ولكن، هنا أيضًا، تُطرح مسألة التحالفات. إن أي جهة سورية محددة من بين الجهات التي شاركت، بشكل من الأشكال، في مسيرة الثورة السورية، أو في تمثيلها، لا يمكن لها، لوحدها، أن تقود تلك المسيرة في الوضع الراهن. ولا بد من توحيد جهد جميع الذين يتبنون الأهداف المشتركة المشار إليها، عبر أشكال عدة من التحالف والتنسيق. مع العلم، مسبقًا، بأن أغلب هذه التحالفات موقّت، وأن تناقضات مقبلة لابد من أن تنشأ بين مكوناتها. لكن مسيرة الثورة هي التي ستفرز الغث من السمين، فتُسقط المتسلقين والانتهازيين والمدّعين، بينما يشكل الوطنيون الحقيقيون عماد الحركات السياسية التي ستعمل على بناء سورية الجديدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق